الرئيسية / مقالات مختارة / هل ينهي السيستاني أزمة بغداد وأربيل؟

هل ينهي السيستاني أزمة بغداد وأربيل؟

مصطفى سعدون

يسعى الكرد الآن إلى الضغط على حكومة حيدر العبادي من قمّة الهرم الدينيّ الشيعيّ، مرجعيّة آية الله العظمى علي السيستاني، ويعملون على كسب موقف المرجعيّة لصالحهم خلال الأزمة بين بغداد وأربيل.

يبدو أنّ الأزمة بين بغداد وأربيل استهلكت كلّ الحلول الداخليّة والخارجيّة لإنهاء ما أنتجه استفتاء استقلال إقليم كردستان عن العراق في 25 أيلول/سبتمبر من عام 2017، ولم يبق سوى اللجوء إلى المرجعيّات الدينيّة للضغط على الحكومة العراقيّة.

ولم تبق الأزمة بين بغداد وأربيل عند حدود الاستفتاء، فهناك مشاكل أخرى استحدثت أخيراً تتمثّل بخفض حصّة الكرد في ميزانيّة العام الحاليّ من 17 في المئة إلى 12.6 في المئة، الأمر الذي أدّى إلى تهديد الكرد بالانسحاب من العمليّة السياسيّة، واعتبره الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق مسعود بارزاني “تقويضاً لحقوق الكرد”.

للمرجع الدينيّ الأعلى السيّد علي السيستاني كلمة مسموعة لدى الأحزاب الشيعيّة. ولذا، يحاول الكرد الآن استثمار وجوده للضغط على بغداد وإنهاء الأزمة معها. وفي هذا السياق، دعا النائب عن التحالف الكردستانيّ مسعود حيدر في 3 آذار/مارس الحاليّ مرجعيّة النّجف إلى التدخّل بموضوع “ظُلم” الكرد في عدم الحصول على كلّ حقوقهم في موازنة عام 2018.

وفي 28 شباط/فبراير من عام 2018، قام وفد كرديّ مشكّل من 20 عضواً من قياديّي الأحزاب السياسيّة الكرديّة بزيارة للنّجف للقاء علي السيستاني، لكنّه لم يتمكّن من ذلك، والتقى بالمرجع بشير النجفي بدلاً منه.

بقي الوفد الكردي ّيأمل في زيارة السيستاني، وبعث برسائل عدّة إليه قبل وصوله إلى النّجف، وذلك بحسب مصدر من داخل الوفد لم يرغب في الإعلان عن هويّته، لكنّه لم يصل إلى مبتغاه، فالسيستاني لم يستقبل منذ 7 أعوام أيّاً من السياسيّين، والكرد جزء منهم. لقد نجح الوفد الكرديّ بعرض مطالبه خلال جلسة حواريّة مغلقة في مركز الرافدين بمحافظة النّجف في 28 شباط/فبراير الماضي، وحضرها رجال دين مقرّبون من مكتب السيستاني، ومنهم ممثّلون عنه.

وأكّد الوفد الكرديّ، حسب المصدر السابق الذكر، أنّه يجب ألاّ يتفكّك التحالف الاستراتيجيّ بين الكرد والشيعة، باعتبارهما كتبا الدستور وقاتلا ضدّ نظام صدّام حسين و”داعش” سويّة.

وأشار المصدر إلى أنّ “الأحزاب الكرديّة، وتحديداً الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ، بعثت بأكثر من رسالة إلى السيستاني تطلب اللقاء به أو تدخّله لحلّ الأزمة مع بغداد”.

وأكّدت النائبة عن التحالف الكردستانيّ ريزان الشيخ وجود طلبات من قبل الأحزاب الكرديّة للقاء السيستاني، وقالت : “إنّ أحزاب كرديّة – لم تسمّها – بعثت برسائل عدّة إلى المرجع السيستاني عبر وسطاء، لكنّها لم تتلقّ الردّ الرسميّ حتّى الآن”.

ويعوّل الكرد الآن كثيراً على مرجعيّة السيستاني في إنهاء الأزمة مع الحكومة الاتحاديّة في بغداد، ويبدو أنّ هناك رسائل إيجابيّة من قبل المرجعيّة، لكنّها غير مباشرة، فرئيس ديوان الوقف الشيعيّ المقرّب من مكتب السيستاني كان في استقبال الوفد الكرديّ، الذي زار النّجف أخيراً.

وأشار رئيس مركز الرافدين للحوار زيد الطالقاني، وهو المركز نفسه الذي استضاف الوفد الكرديّ، إلى أنّ “مرجعيّة السيستاني تعمل على تخفيف التوتّر ونزع فتيل أيّ أزمة بين العراقيّين، وفق الأطر الدستوريّة”.

وقال زيد الطالقاني، الذي رافق الوفد الكرديّ وأجرى حوارات معه: “إنّ الوفد الكرديّ الذي زار النّجف قبل أيّام لم يلتق السيّد السيستاني، لكنّه التقى المرجع بشير النجفي وتحدّث إليه عن معاناة الكرد. وكذلك، استقبل الوفد رئيس ديوان الوقف الشيعيّ علاء الموسوي”.

لقد كان مضمون الرسائل الورقيّة أو الشفهيّة التي بعثتها الأحزاب الكرديّة إلى السيستاني، بحسب مصادر “المونيتور”، تركز على ملف الرواتب، خصوصاً البيشمركة التي كانت تعتبرها رسائل الأحزاب الكرديّة “قوّة” عراقية قاتلت ضدّ الإرهاب.

 

يلعب السيستاني دوراً كبيراً في إنهاء بعض الأزمات السياسيّة التي تضرب البلاد، وعادة ما يتمّ اللجوء إلى النّجف من كلّ الأطراف المتخاصمة، لكنّه منذ عام 2011 يرفض استقبال السياسيّين بسبب خلافاتهم المستمرّة، وهو يعتبر السياسيّين الكرد كنظرائهم الشيعة والسنّة جزءاً من مشكلة كبيرة. ولذا، رفض لقاءهم، رغم الطلبات والوساطات التي قاموا بها، ولكن هذا لا يعني أنّه لن يتدخّل في حلّ الأزمة بين بغداد وأربيل.

وقال المحلّل السياسيّ المستقلّ أحمد الأبيض : “إنّ شخصيّات من مكتب مسعود بارزاني تحرّكت نحو ممثّل السيستاني في كربلاء عبد المهدي الكربلائي، وتدخّل أيضاً نائب رئيس الوزراء العراقيّ الأسبق برهم صالح بحكم علاقاته الإيجابيّة مع المقرّبين من المرجعيّة”.

أضاف: “لقد أثمرت تلك الضغوط عن اتّصال بين مكتب السيستاني والعبادي حول الأزمة الكرديّة”.

من جهته، قال القياديّ في التحالف الكردستانيّ حمه أمين في تصريحات صحافيّة بـ28 شباط/فبراير الماضي: “إنّ الكرد لم يجدوا حلاًّ سوى الاستعانة بالسيستاني”.

وأطلق بعض الساسة الكرد، الذين زاروا النّجف أخيراً، تصريحات تشير إلى قرب انتهاء الأزمة بين حكومتيّ المركز والإقليم، ووصفوا رئيس ديوان الوقف الشيعيّ علاء الموسوي بـ”المقرّب من السيستاني” الذي أوصلوا من خلاله رسالتهم إليه.

ليس فقط على المستوى السياسيّ، فحتّى شعبيّاً هناك توجّه كرديّ نحو السيستاني لحلّ المشاكل مع الحكومة الاتحاديّة، إذ في 20 شباط/فبراير الماضي، التقى وفد من فلاّحي الإقليم بالسيستاني شخصيّاً، وطلب منه المساعدة في الضغط على الحكومة الاتحاديّة لصرف مستحقّاته الماليّة، ووعده بذلك.

إنّ مرجعيّة السيستاني التي تعتبر أعلى مرجعيّة لدى الشيعة، لا تتعامل بالمواقف المباشرة، ولم تبد أيّ تحرّكات علنيّة حول خطواتها، لكنّها تمتلك قنوات تواصل وضغط خاصّة يمكنها من خلالها تمرير رسائلها وتوصياتها إلى حكومة حيدر العبادي أو أيّ طرف آخر. كما أنّ مرجعيّة السيستاني لا تضع نفسها في مواقف محرجة وتعلن عن مواقفها ما لم تضمن سماع ندائها وصوتها من قبل كلّ الأطراف قبل التدخّل في أيّ قضيّة.

بالمحصّلة، لم يبق أمام الأحزاب الكرديّة سوى السيستاني كحلّ أخير لإنهاء أزمتها مع بغداد، ولكن هل يتمكّن الكرد من ذلك، وهل يقنعون السيستاني بالملفّات التي يحملونها؟

 

المصدر : al-monitor

اترك تعليقاً