هل تستند الجماعات الجهادية على اخلاق الحرب في الإسلام في مواجهاتها المسلحة؟

عباس سرحان
مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

الحرب فعل بشري قديم، اختلفت فلسفته من جماعة إلى أخرى، ومن أمة إلى سواها، بعض يخوض الحرب بقصد الثأر أو التوسع والغنائم وتدمير الخصم، وبعض يخوضها دفاعا واضطرارا ويبين الموقف من الحرب فلسفة خائضيها، فمن يخوضونها بقصد ارعاب الخصم وتدميره ينتهج أبشع الاساليب لتحقيق اهدافه، ومن يدفعون بها ظلما او قهرا وتعسفا يخوضون الحرب مع أقصى درجات ضبط النفس.

الحرب في الاسلام

لم يورد القرآن الكريم ولا آية واحدة تدفع المسلمين نحو الحرب ابتداء وكل ما تضمنه في هذا الصدد هو الحث على الحروب الدفاعية التي يراد منها دفع الظلم ورد العدوان، ولعل الآية المباركة من سورة الحج توضح ذلك بجلاء “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير” وما نص عليه القرآن الكريم في سورة البقرة “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين” يؤكد أيضا وبجلاء أن الإسلام لا يدعو إلى الحرب الإبتدائية، إنما يدعو الى حرب الدفاع عن النفس والوجود، وحتى حين تكون الحرب دفاعا عن النفس والوجود فإن الإسلام وضع لها قيودا لمنع الاستخدام المفرط للقوة.

فقال الرسول الكريم متوجها الى المقاتلين في جيشه “سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله”.

غاية في الرحمة والرفق فالإسلام لم يجعل الحرب سببا للفتك والقهر والتدمير والانتقام، إنما هي حروب من أجل الحق ورد الظلم وهي بهذا المنطق تختلف عن الحروب عند آخرين من غير المسلمين أو ممن أسلموا لكنهم لم يهتموا كثيرا باعتماد الأخلاق الإسلامية عند نشوب الحروب.

وحين تبيح الكثير من جيوش العالم وعلى مر التاريخ استخدام كل الوسائل لإلحاق الهزيمة بالخصم فإن الإسلام لايبيح إلا الوسائل المشروعة وأقلها ضررا وفتكا.

ففي معركة صفين غلب جيش معاوية على ماء الفرات ومنع جيش أمير المؤمنين عليّ من الماء، فلما سمع عليّ ذلك قال: قاتلوهم على الماء.

فقاتلوهم حتى خلوا بينهم وبين الماء وصار في أيدي أصحاب عليّ، فلم يمنعه عن أعدائه بل قال ً لجيشه: خذوا من الماء حاجتكم وخلوا عنهم فإنَّ الله نصركم ببغيهم وظلمهم”.

هذا هو منطق الإسلام في الحرب، منطق الرحمة في أشد الظروف بأسا وعنفا، فهو يقيد المقاتلين المسلمين بأحزمة من الرحمة والعطف والصفح لكي لا تكون الحرب مناسبة للقتل المفرط وتتحول من حرب للتصويب وإحقاق الحق إلى فرصة للقتل والتنكيل والتدمير وكما يحصل اليوم في العديد من الدول.

التنظيمات الجهادية وأخلاق الحرب

اليوم تشهد العديد من مناطق العالم وخصوصا في الشرق الأوسط حروبا وصراعات ألبس بعضها لباس الدين والجهاد. لكن من يقودون هذه الحروب ومن يخوضونها أبعد مايكونون عن التخلق بأخلاق الحرب في الإسلام واعتماد المعايير التي حددها الإسلام لنسب العنف اثناء القتال.

في العراق ومنذ الإطاحة بحكم حزب البعث في 2003 شنت الجماعات الجهادية آلاف العمليات المسلحة على أهداف مدنية، وقتلت عشرات الآلاف من السكان العزل في الأسواق والدوائر الخدمية وفي مواقف السيارات والمقاهي والمطاعم.

لم يكن الأشخاص الذين قتلوا وأغلبهم من الشيعة طرفا في نزاع مسلح كما انهم قد لايكونون راضين عن سياسات الحكومة، ومع ذلك فقد دفعوا حياتهم ثمنا لتبني الجماعات الجهادية القادمة في الغالب من دول أخرى لأخلاقيات في الحرب تختلف عن أخلاقيات الإسلام.

وقد صعق العالم قبل اسابيع بعد ان بثت مشاهد مروعة لاحد الجهاديين وهو يقضم قلب احد الجنود السوريين بعد ان استخرجه من جسده وبقلب بارد، دون مراعاة لحرمة الجسد بعد الموت، ودون توقف عند حدود القتل وعدم التعدي الى فعل التمثيل الذي حرمه الإسلام، هذا عدا عن كون الجماعات الجهادية تقوم بقتل الأسرى بالرصاص او برميهم من أسطح المنازل وهو ما ينافي بشكل واضح كل اخلاقيات الحرب التي حض عليها الاسلام.

انظر ما هو موقف الإمام علي من ابن ملجم بعد ان اعتدى عليه في قوله لعشيرته” يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون قُتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين. ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي. انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربةً بضربة، ولا يُمثّل بالرجل، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور”.

حتى لغة الخطاب عند الإمام علي لاتستبطن الكراهية ولاتحرض المفجوعين به على العنف.

ويبدو ان الجماعات الجهادية اليوم لم تعد تعير اهتماما لأخلاق الحرب في الإسلام أو انها صارت تعتمد على فتاوى بعض مشايخها ممن يحلون قتل المدنيين، كمفتي السعودية السابق ابن عثيمين الذي افتى بجواز قتل النساء والأطفال والمدنيين لإرعاب الخصم وإنزال الخوف على قلبه، وهي غاية لاترقى إلى تبرير حجم الضرر الذي ينجم عن قتل الابرياء من الناس.

وينطوي العنف المفرط والتحرر من كل الضوابط في استخدام القوة على مخاطر جسيمة تلحق ضررا بالغا في السلم والتعايش بين الشعوب في المنطقة طالما أن الجماعات التكفيرية اتخذت من الإسلام غطاء لها، اذ سيسهم ذلك بتشويه الصورة الجميلة للاسلام وإفراز جماعات من الشباب والمراهقين تعتقد ان القتل والعنف هو السبيل للوصول الى رضى الله تعالى وهو بخلاف الحقيقة.

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. أبا صهيب يقول

    يا كاذب هات الفتوى التي ذكرتها للشيخ بن عثيمين

اترك رد