نزار قباني شاعر الحب الثائر

محمود نائل
تتناول هذه الدراسة ملخص عن حياة شاعر إنتفض على الواقع المخجل الذي يعيشه المجتمع العربي، ،حاول القباني ترجمة أفكاره عن طريق كتابة قصيدة الشعر الحر وتطورها وخروجه عن المألوف والأعراف الاجتماعية السائدة والقيم البالية وحاول أن ينصف المرأة العربية وأن يخرجها من كونها وليمة تُأكل على سرير الرجل الشرقي وتغزل بها بأروع الصور الشعرية ، انتقد نزار قباني رجال الدين والسياسية على حد سواء وسيأتي ذلك تباعاً من خلال هذا التقرير،فهو منذ طفولتهِ كان مختلف السلوك عن بقية إخوانه،وسجّلت كتاباتهِ الشعرية ثورة إنسانية في السلوك العربي،فثارت عليه الحكومات وحاربوه رجال الدين وهاجموه المثقفين ،واتهم بأنه شاعر الغرائز والملذات وشاعر نرجسي،وهلم وجر من هذهِ التهم ،وما كان منه إلا أن يزداد قوة وعنفوان على كل تلك التكالبات والإصرار على ما بدء بهِ،كان يسمي نفسه برحالة الشعر والحب والعشق،و كان سائرا على حكمة قديمة كانت تقول((إن الناجح من يبني لنفسه حصن من الحجارة التي ترمى عليه))…..

يبدو لنا نزار من خلال بعض الشؤون الصغيرة التي كثيرا ما كان يغرق فيها لتكن الوسط التاملي له،ذلك الرجل المهذب الذي يرفض التوحش في كل شيء ،والذي استطاع ان يؤكد لنا ذلك بهذه القدرة الضخمة على انتقاء الالفاظ العادية واغنائها بالاجواء الشعرية،كثيرا ما نزار يتحدى المجتمع العربي من خلال تشخيص عيوبه والوقوف عليها ،وكثيرا ما امتاز شعره بالتعبير البسيط المباشر الذي يدخل الى لب القارىء دون اذن.
ان الصور البصرية المرئية عند القباني كانت تحمل قوة خارقة تستاثر اهتمامنا ،رغم بساطة مواضيعها ،وسذاجتها الا انه كان يصيغها بطريقة تجعل القارى يرحل الى عالمه الخاص ،عالم الانسان ،ونزار يكتب السهل الممتنع من الشعر،فنحن نحس بان مواضيع بعض قصائده مهما كانت بسيطة الا انه كان يطرحها بطريقة مختلفة تجعل الاخرين يلتفون حولها.1

هناك خمسون اطروحة دكتورة في الادب العربي كانت مواضيعها حول شعر نزار قباني ،وهذا ماذكره الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ.
ولد نزار توفيق القباني 21/3/1923في منطقة مئذنة الشحم أحد المناطق القديمة في دمشق العاصمة،إلتحق بكلية الحقوق السورية عام 1945.

بعد ذلك شارك في العمل الدبلوماسي في وزارة الخارجية السورية وتنقل بين بين سفاراتها في مدن عديدة،خاصةٍ مصر ولندن ومدريد وبيروت، وبعد إتمام الوحدة العربية بين مصر وسوريا،تم تعيينه سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين،إلى أن إستقال عام 1966.
طالبوا رجال الدين في سوريا بطرده من الخارجية والعمل الدبلوماسي في منتصف الخمسينات من القرن الماضي بعد أن كتب قصيدته”خبز وحشيش وقمر”وأثارت هذه القصيدة زوبعة شديدة من الاتهامات ضد نزار ووصلت إلى البرلمان السوري،وإليكم مقطع من القصيدة:

أيها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشاً..ونعاس
أيها الربُّ الرُخاميُّ الُمعلقْ
أيها الشيءُ الذي ليس يُصَدَّقْ
دمتَ للشرق..لنا….عُنقُودَ ما س..
للملايينِ التي قد عُطّلتْ فيها الحواس..”
*الزواج و القباني
تزوج نزار قباني زواجه الأول من إمراة تدعى “زهراء”وهي من أقاربه، إسمها” زهراء ” وأنجبت لنزار ولد وبنت هما “توفيق”و”هدباء”وقد توفي الأول وهو في السابعة عشرة من عمره إثر مرض عضال ،وكان توفيق قبل وفاته طالباً بكلية الطب جامعة القاهرة،وقام نزار برثاء إبنه توفيق بقصيدة عنوانها “الأمير الخرافي توفيق قباني”

أما الزوجة الثانية فكانت مُدرسة التربية الفنية العراقية ((بلقيس الراوي))وعانى الكثير نزار إلى أن تزوجها فوالد بلقيس لم يقبل بزواج إبنتهِ من نزار قباني الشاعر لكثرة علاقاتهِ العاطفية ،وقام نزار بإرسال الكثير من المقربين إلى والد بلقيس لكنهُ لم ينجح ،إلى أن قام بالطلب من الرئيس العراقي وقت ذاك ان يتدخل لخطبة بلقيس له ، وبالفعل إتصل الأخير بوالد بلقيس وما كان من الرجل إلا أن يوا فق على طلب الرئيس((مكرهاً))وبالفعل تزوج نزار من بلقيس الراوي،وأنجبت له طفلين، ولكن فرحة لم تدم طويلاً،بسبب موتها.

قتلت بلقيس في إنفجار السفارة العراقية في((بيروت))عام 1982،وترك موت بلقيس لوعة كبيرة في قلب شاعرنا الكبير ورفض أن يتزوج بعد وفاتها، وكتب قصيدة حملت إسمها عنواناً،ويعتقد إن أروع ما كتب نزار هي قصيدة”بلقيس”إمتلكت هذه القصيدة شاعرية عبقرية فريدة من نوعها ،محملا الوطن العربي الكبير جريمة قتل بلقيس،حيث إنفجر قلب القباني فصرخ بكل ما يمتلك من قوة شعرية متوقدة جياشة ،واليكم شيء من هذه القصيدة:

نزار مع زوجته بلقيس الراوي
نزار مع زوجته بلقيس الراوي

شكراً لكم ..شكراً لكم..
فحبيبتي قتلت..وصار َبوُسعِكُم
أن تشربوا كأساً على قبرِ الشهيدة..
ساقولُ يا قمري ،عن العربِ العجائب
فهل البطولةُ العربيةُ كذبةٌ؟
أم مثلنا التاريخُ كاذبُ؟

وهذا المقطع الصغير لا يظهر المعنى الحقيقي للقصيدة وأتمنى من كل اللذين يقراءون هذا التقرير أن يقرأ هذه القصيدة كاملة….

* القصائد العارية .
شاعرنا الجريء نزار إقتحم زوايا من الشعر لم تكن متاحة لبقية الشعراء العرب ،بإستثناء شعراء المجون أمثال بشار بن برد ،ورائد هذا المجال من الشعر هو ((أبو نواس)) الحسن بن هاني ،كتب القباني الكثير من القصائد العارية،ويعتقد أن نزار سار على نهج الحسن بن الهاني ،كثير ما تغزل القباني بالملامح الأنثوية للمرأة وخصوصاً النهود ،وقد بلغ ذروته عندما كتب قصيدة “إلى نهدين مغرورين”والتي يقول فيها
أنا الذي أنقذت نهدكِ من تسكعهِ..
لأجعله أميرا
وأدرته
لولا يداي، أكان نهدك مُستديرا؟…
وكان نزار شاعر للسياسة والحب والمرأة والثورة الاجتماعية والجنس والغناء،وكتب نزار العديد من القصائد الغنائية ،التي تحولت إلى أشهر الأغاني العربية سابقاً وحالياً،وغناء لهُ أعظم المطربين والمطربات العرب وعلى رأسهم سيدة الغناء العربي “اُم كلثوم”وغنت قصيدة “أصبح عندي الآن بندقية”،وبلبل الصباح الست فيروز غنت لهُ “لا تسألوني ما أسمه حبيبي” وغنّى لهُ ايضاً الراحل “عبد الحليم حافظ”قصيدتان الأولى”رسالة من تحت الماء”والثانية “قارئة الفنجان”وقد حققت هاتان الأغنيتين نجاحا كبير على مستوى الوطن العربي ،وكذلك غنت لهُ فائزة أحمد قصيدة “لا تدخلي”،وايضاً المطربة نجاة الصغيرة غنت لنزار عدة قصائد أذكر البعض منها “أيظن “و “أسالك الرحيلا”والمطربة أصالة نصري كان لها الحظ هي الأخرى بقصائد شاعرنا فغنت لهُ قصيدة”أغضب كما تشاءُ”،وماجدة الرومي غنت لهُ قصيدة”مع الجريدة”،ونصيب الأسد كان لقيصر الأغنية العربية الموسيقار “كاظم الساهر”حيثُ غنى من قصائد نزار في حياتهِ ومماتهِ ،وكانت بداية كاظم الحقيقية مع القباني في قصيدة”زيديني عشقاً” وتوالت بعد ذلك القصائد مثل”مدرسة الحب” و”أشهدُ”والآن “الرسم بالكلمات”و”إني خيرتكِ فأختاري”والقائمة تطول ،ربما لا تنتهي………..

وكانت حياة نزار مليئة بالصدامات والمعارك الكلامية بسبب قصائدهِ وأستعرض بعض المآسي التي حدثت في حياة هذا الشاعر الكبير وهنا تذكرت مقطع لنزار كان يقول فيه ((لستُ أدري هل 2
على الشعراء أن يولدوا من رحم الشقاء)) ،وهذه بعض الحوادث التي أثرت في حياة هذا الشاعر أذكر منها الآتي….
*وفاة شقيقتهُ الصغرى ((وصال))وهي مازالت في ريعان شبابها.
*وفاة والدتهُ التي كان يحبها حباً كبيرا .
*وفاة إبن نزار “توفيق”في صراع مرير مع المرض .
*مقتل زوجتهُ وعشيقتهُ “بلقيس الراوي”في حادث إنفجار السفارة العراقية في بيروت عام 1982.
*إنتكاسة 1967،التي أحدثت شرخاً كبيرا في نفسهُ ،وكانت نقطة تحول في حياة نزار جعلتهُ يخرج من ميدان العشق والغرام إلى ميادين السياسة.
*”هوامش على دفتر النكسة “هذه القصيدة أثارت عاصفة شديدة في العالم العربي ،وأحدثت جدلاً كبير بين صفوف المثقفين،ولشدة هذه القصيدة صدر قرار بمنع قصائد نزار المغناة من البث في الإذاعة والتلفزيون،واليكم بعض منها…
لا تلعَنُوا السَّماءْ إذا تَخَلَّتْ عنكُم..
لا تلعَنُوا الظُّرُوف
فالله يُؤتي النصرَ مَنْ يَشاءْ
وليس حداَّداً لديكُم..
يصنَعُ السيوفْ..
ما دخل اليهودُ من حُدودِنا ..
وإنما..
تسرَّبوا كالنملِ مِن عيوبِنا..

التشاؤوم والحزن في اشعار القباني .

كثيرا ما كانت مسحة الحزن موجودة في اشعار نزار حيث كتب في قصيدته “انا ياسيدة مطعون بعروبتي :
الجنون وراء نصف قصائدي
ومن الجنون عرف بعض الصواب…

ثم يقول في قصيدة اخرى اسمها “افادة في محكمة الشعر ”

في قلبي من الاسى كربلاء
وجراح الحسين بعض جراحي
انا الحزن زماناً صديقي
وقليل في زماننا الاصدقاء ………
يعترف الشاعر بسوداوية الحياة التي كان يعيشها من خلال هذه القصيدة التي القاها في بغداد في مهرجان المربد ،ويعترف بعلاقته المؤبدة مع الحزن ،رغم ان الكثير كان يعتقد ان نزار اسعد رجل في العالم ،لما له من شهرة ومحبين ومعجبين

ثم يقول في قصيدة “الرسم بالكلمات ”
مأساة هارون الرشيد مريرة
لو تدركين مرارة الماسأة
اني كمصباح الطريق ..صديقتي
ابكي ..ولا احد يرى دمعاتي ……
الجنس كان مسكنا جربته
لم ينهِ أحزاني ولا أزماتي

*آخر العمر ….
بعد أن قتلت بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل بين جنيف وباريس حتى إستقر بهِ المطاف في لندن التي قضى فيها اعوامه لأخيرة من حياته،من هناك كان يكتب أشعاره السياسية والغرامية ،وجاء يوم 30من نيسان عام 1998ليعلن عن رحيل شاعرنا الكبير نزار قباني بعيدا عن وطنهِ،كما هو حال الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري الذي توفي خارج وطنه، رحل القباني عن عمر ناهز 75عاما كان منها 50 عام بين الفن والحب والعشق والغرام والغضب،هكذا إنتهت حياة شاعر عظيم أعطى للشعر العربي وللإنسان العربي الكثير الكثير .

قد يعجبك ايضا

اترك رد