نحنُ أمةٌ مريضة : حوارٌ مع الذات / ظافر العاني

لاعيبَ أن نعترف ، المهم أن نشخص الداء ، فقبل أن نضع أية وصفة دوائية علينا ان نحدد :هل نحن مرضى أصلاً أم موهومون بالمرض ، وهل أن مرضنا عضال أم هو عارض ، هل يرجى شفاؤنا أم علينا ان نتعايش مع مرض مزمن ؟ 

لاتنزعجوا ابداً من الوصف ، فهكذا أنا أراه ، أننا أُمة مريضةٌ بالفعل ، وأعني بذلك نحن العراقيون ومعنا الأمة العربية ، والاسلامية . نحن أمة تعاني المرض : إنه مرض قيمي ، اخلاقي ، فكري ، نفسي ، طائفي ، تأريخي ، ديني ، سياسي ، قومي ،،، .

علينا ان نعترف بأن الواحد منا تعيش في داخله آلاف المتناقضات ، وأننا نستحي أن نعرب عما بدواخلنا لانه بشع ويجرح الآخرين ، ويجعلنا نخجل من الاعتراف بحقيقة مافي افكارنا حتى أمام أنفسنا . انها التقية التي يؤمن بها الشيعة ولكن يمارسها الجميع .

هل تذكرون كم جَمَّلنا الوضع من حولنا لعلنا نومض بريق أمل ، كم حاولنا ان نقفز على الواقع المرير . كم أوهمنا أنفسنا بأننا أمة معافاة ، وبأن أصل الموضوع هو الاحتلال وليس فينا ، تحدثنا عن المصاهرة المختلطة بيننا ، والتسامح في ديننا ، وعشائرنا المتنوعة طائفياً ، وبأن المذاهب هي اجتهادات فكرية لا أكثر ، وبان تاريخنا زاهر بقيم التعايش ، واننا ابناء حضارة موغلة في تاريخها ، وبأننا علمنا الدنيا الكتابة يوم كان الجهل ينخرها، وان لا أُمة كامتنا فيها الادباء والشعراء والكرماء والزعماء .

ولكن لا ، كل هذا لم يكفِ ، لأن ثمة حقائق تصرخ فينا ،ويملأ زعيقها الاكوان ،وهناك في كل يوم الف دليل ودليل ، باننا أُمة مريضة ، وتعاني من مرض مزمن ، وهي امة تمضي بسرعة الضوء نحو الاندثار . وبان تاريخنا الذي يمتد لآف السنين ، وحضارتنا وثقافتنا وشهاداتنا وتربيتنا لم تمنع من تحولنا الى أمة نفعية ، شحيحة القيم ، عليلة الفكر ، بطيئة التعلم ، قوية حد الاقتتال فيما بينها ، ذليلة امام الغير . ( وانا هنا أتحدث في العموم لانها الظاهرة الشائعة دون ان يمنع ذلك الاستثناءات هنا وهناك )

هل المشكلة سياسية ؟ وهل العلة في السياسيين ؟ طبعاً ان جانباً من المشكلة هو سياسي ويتمظهر في التكالب على السلطة لاغراض عقيمة ، وجانب آخر يتعلق بالسياسيين وطموحاتهم الفردية المريضة . ولكن هل هذا كل شئ ؟ لا ليس هذا كل شيء ، ولو قلتم غير ذلك فانه ليس تشخيصا صحيحاً للمسألة الا اذا اردنا كشعوب أن نجد من نعلق عليه آثامنا .
هل السياسيون فاسدون ؟ حسناً هذا كلام صحيح ، واتفق معكم ، ولكن ماذا عنا نحن الشعوب ، هل نحن مبرأون من الفساد ؟ هل الموظفون اقل فساداً من السياسيين ، هل مؤسسات المجتمع المدني أكثر عفة من مؤسسات الدولة ، هل فساد الاعلاميين اقل من فساد رجال الدولة ؟ هل إن الفساد في البطاقة التموينية هو اقل من الفساد عند التجار وباعة المفرد ؟ هل رؤساء الاحزاب اكثر فساداً من رؤساء العشائر ، وهل رجال السلطة اكثر فساداً من رجال الدين ؟ وهل رجال الاعمال فاسدون وحدهم ام العمال ايضاً ، وهل لو واتتكم الفرصة مثل السياسيين لن تفعلوا مثلما بفعلون وربما أبشع ؟

ان القضية لاتخص السياسيين وحدهم ، انه داء عضال وامتنا مبتلاةٌ به باجمعها حكاماً ومحكومين ، قادة وشعوب . وهل السياسيون السيئون إلا نتاج الجماهير ؟ الحقيقة التي أجدها أمامي أن هنالك تردياً اخلاقياً عاماً ، وتدهوراً في منظومة القيم .

أية سياسة تللك التي جعلت الجار في لحظة واحدة يُهجِّر جارَه ، ويقتل المرء اصدقاءه ؟ اية سياسة تلك التي تمثلها عصائب الحق أو القاعدة ، وتجدان لهما تاييداً شعبياً هنا وهناك ، أية سياسة تلك التي تمثلها دولة البطاط أو دولة العراق الاسلامية ، إنهم حفنة من القتلة لا اكثر ، ونحن كشعوب نوفر لهم الارضية الملائمة لاستمرار تقتيلهم فينا.
لانكذب على بعضنا ونقول غير ذلك ، لنعترف ان الشعب يساهم في كل هذا الدمار . ان المشكلة لاتكمن في السياسيين وحدهم . السياسيون ، بل ان غلاة السياسيين هم في الغالب اكثر رحمة من الناس العاديين ، لقد قرأت على صفحات الفيسبوك ، وفي الانترنت ، وعلى مقاطع اليوتيوب وفي الشارع والمقاهي والمنتديات ، تعليقات يقشعر لها البدن تنم عن سادية ووحشية لم اسمعها من أي سياسي ، وهي ليست طاهرة استثنائية ، انها داء متفشي تأكل فيروساته اجسادنا وعقولنا بلا رحمة .

ماهذا الجنون الذي نحن فيه ؟ بعضنا يكفر حسن شحاته وهم فرحون بمقتل احد الكافرين الذي تطاول على الرموز والشخصيات الاسلامية المعتبرة من صحابة الرسول وامهات المؤمنين ، واخرين يقيمون له العزاء ويعتبرونه شهيداً ويسمون احد شوارع النجف الاشرف باسمه ليغيظ احدنا الاخر . ماهذا الجنون الذي يجعل بعضنا يفرح لذبح العلويين في سوريا ، والبعض الاخر يهلل لنظام بشار وهو يقصف المدن السنية على ساكنيها .

نحن نختلف على كل شئ في حاضرنا ، ليس هنالك مانتفق عليه ، القضية ليست اجتهاداً فكرياً ، الاجتهاد الفكري ، فكري ، لكن اجتهاداتنا الفكرية دموية ، نحن لانعالج خلافاتنا الا بالسيف ، الذي تحول بمرور الوقت الى مفخخات وكواتم صوت .

لاتزعموا ان السياسيين وحدهم من يؤجج الموضوعات الخلافية ، اسألوا انفسكم اولا اسئلة بديهية وحاولوا ان تجيبوا عنها بتجرد وستعرفون حجم الخلاف الذي يمكن ان يتحول في لحظة الى سكاكين وبنادق ، إسألوا انفسكم هل ان ماحدث في العراق تحرير ام احتلال ؟ هل السلطة اليوم طائفية ام وطنية ؟ هل كان صدام سيئا ام جيداً ؟ هل انت مع اجتثاث بعث العراق ام مع مناصرة بعث بشار ؟ هل مأساة الكورد والشيعة سابقاً من السنة ام من السلطة ، هل مآسي السنة اليوم من حكومة المالكي أم من الشيعة ؟ هل انت مع المصالحة ام صدها ؟ هل الاعتصامات والتظاهرات حق للسنة في العراق ؟ وهل هي حق للشيعة في البحرين ام لا ؟ هل انت سعيد ام تعيس بما يجري في مصر وسوريا وليبيا والبحرين واليمن والكويت والجزائر وووو ؟ هل انت ضد التدخل الايراني ام ضد التدخل التركي ، هل انت مع الاقليم أم ضده ؟

اجلس انت واصدقاءك الذين يختلفون عنك مذهبياً ، حتى لو كانوا من اصدقاء طفولتك ، واجب عن هذه التساؤلات وقل لي بعد ذلك كيف تشعران بعدها ؟ بالغل ام بالود ؟ هل تعرف لماذا ؟ لان الطائفية عندنا ليست اجتهاداً فكرياً ، وهي ليست طقوساً دينية نمارسها ، أو عبادات نتقرب بها الى الله ، إنها تعبير عن انتماء سياسي واصطفاف فكري ، انه ولاء يسمو على الولاء للوطن ، انه ولاء عابر للحدود ، عابر لدولنا .
لا ، ليس العراق وحدهُ المبتلى بهذا المرض ، وليست الطائفية داء امتنا الوحيد ، انظروا من حولكم ، انظروا لامتنا الممتدة من المحيط للخليج ، سترون كيف ان المرض متفشي ، وان الداء عضال ، لاتوجد بقعة الا وفيها دماء ، ليس هنالك من دولة عربية او اسلامية الا والجثثُ فيها ملقاة في الشوارع ، وابناؤها يغادرونها هرباً من جحيمها.

نحن أمة مريضة ، أمة مبتلاة بماضيها الذي لايريد ان يغادرها ، انه مسكون تحت جلدها البشري ، هي امة لاتفكر كيف تنهض وتنمو وتعيش ، بل ماتزال تفك طلاسم اجتماع سقيفة بني ساعدة ، ومعركة الجمل وحرب صفين ، وحديث الافك ، وحادثة الطف ، ومعاوية ، وابو جعفر المنصور ، وصولا الى الخلاف بين الاسلاميين والعلمانيين ، بين البعثيين والشيوعيين ، بين دعاة الحداثة والسلفيين . بين الناصريين والاخوان المسلمين . وخلافاتنا لانحلها بالعقل ولانحتكم فيها للمشتركات ، كيف ذلك ونحن أمة السيوف التي تقطع رقاب مخالفيها ونحن أمة السحل والمشانق .

نحن امة مريضة بماضيها ، خجلة من حاضرها ، مغيبة عن مستقبلها .

لو اعترفتم معي بذلك ، كلياً أو جزئياً، إذن سأناقش معكم في المرة القادمة متى يستفحل مرض امتنا ويشتد ، ومتى يضمر ويضعف حتى ليبدو كأنه حد التلاشي .

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.