مصر بين حشدين، سيناريوهات محتملة !

د. عادل محمد عايش الأسطل

في ظل تصريحات الجيش المصري إبان ثورة 25 يناير عام 2011، بأنه لا يمكنه أن ينقلب على الرئاسة على أي حال، توضح ذلك حين أعلن اللواء “محمد العصار” مساعد وزير الدفاع لشئون التسليح،بعد سؤاله فيما إذا طلب الجيش من الرئيس المصري “حسني مبارك” أن يرحل عن الحكم بقوله:”إن سياسة الجيش والقوات المسلحة دائماً تحترم الشرعية ولا تُطالب برحيل رئيس أبداً، وإلاّ كل وزير دفاع لا يعجبه رئيس الجمهورية يقوم بالانقلاب عليه.

لم يكد ينتهي من التأكيد على قوله هذا، حتى قام من فوره  المجلس العسكرى برئاسة المشير “حسين طنطاوى” بتولي مسئولية إدارة شئون البلاد، وذلك في أعقاب تخلّي “مبارك” عن رئاسة الجمهورية تحت ضغط الثورة وتوصيات المجلس العسكري نفسه، وطلبه من الجيش بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤن البلاد.

كان على الجيش في تلك اللحظة أن يعمل على إدارة شؤون البلاد، وليس حكم البلاد، حيث بدت نواياه منذ اللحظة الأولى بمحاولته احتواء الثورة المصرية، من خلال سعيه إلى إيجاد الدور الأكبر في السياسة المصرية، وذلك من خلال ترويض قيادات سياسية مقرّبة وخلق وجوه جديدة موالية له تعمل على تطبيق سياسته. وكانت دائماً خطواته تدل على تعمّقه نحو بسط الحكم. وتبين ذلك بوضوح عندما فاجأ الثورة بإعلانه (الدستور المكمل) والذي حدد لنفسه الأمور التي من خلالها التمتع بدرجة عالية في نطاق الحكم، حيث أثار ذلك الإعلان جدلاً واسعاً في الأوساط القيادية والشعبية على حدٍ سواء. وكانت له ملاحظات لا حصر لها على مواد الدستور المصري الجديد، متماهياً وبدرجة واضحة مع تيارات يسارية وليبرالية وحركات أخرى، وسواء كانت أثناء عمل التأسيسية أو بعد تمريره في أعقاب الاستفتاء الشعبي عليه بنسبة قاربت من ثلثي المستفتين. لا سيما بعد أن أفقده الدستور كل ما يطمح إليه. الأمر الذي زاد من حنق المؤسسة العسكرية باتجاه مؤسسة الرئاسة وفي كل اتجاه وعند كل مناسبة. وكانت تتضح جلية من خلال غض بصرها وسمعها عن كل ما تثيره الحركات المعارضة والمناوئة لحكم كما يُعرف بحكم (الإخوان المسلمين) وجعلها تأخذ مواقعها داخل المشهد المصري وفي كافة مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسستين القضائية والإعلامية.

خلال الأشهر القليلة الفائتة وجد الجيش الفرصة مهيّأة أكثر للعودة إلى تجديد السعي للوصول إلى الحكم مستعيناُ بالمعارضين لحكم الإخوان والداعين للجيش طوال الوقت باستلام الحكم، ومن ناحيةٍ أخرى مستفيداً من تراخي أو (عدم رغبة) مؤسسة الرئاسة بشأن إحكام قبضتها على مفاصل الدولة اتجاه المعارضين لها، لتحقيق برنامجها نحو العدالة والديمقراطية. 

وإذا حصل الجيش على البراءة من اتهامه بأنه هو “حركة تمرّد” ذاتها، فإن البراءة ممتنعةً عنه بشأن ضلوعه المباشر وغير المباشر بتوجيه تلك الحركة ومساندتها وتوفير الدعم الكافي لها. فما إن حانت ساعة الصفر، حتى قام الفريق السيسي” بإعلان السيطرة على البلاد وعزل الإخوان عن الحكم، بعد أن أعدّ جيداً بحصوله على دعم (جبهة الإنقاذ) والمؤسستين الدينيتين الإسلامية والمسيحية وحركات إسلامية أخرى بحجة (أخف الضررين) وإنقاذ الدولة من الانهيار والدخول في حرب أهلية.

وفي إطار المشهد الاحتجاجي الذي طغى بشدّة على التيار الإسلامي المعزول وعلى رأسه الإخوان المسلمين، بدا الفريق “السيسي” وكأنه لم يكن دقيقاً في حساباته في أن تنضم العديد من القوى والأحزاب إلى جماعة الإخوان في وقوفها ضد ما أطلقوا عليه انقلاباً، وأعلنوا من خلال (التحالف الشعبي لدعم الشرعية)، الجهاد السلمي ضده بالتظاهرات والاعتصامات والتي ظلّت مستمرة إلى الآن، حيث رفض التحالف فكرة إنهاء الاحتجاجات والدخول في مصالحة وطنية شاملة كانت دعت إليها مؤسسة الرئاسة الجديدة.

وفي ضوء لم يتجاوب التحالف الشعبي بشأن المصالحة، ومن ناحيةٍ أخرى امتداد المشاغبات العسكرية لجهات غير معلومة إلى الآن، إلى داخل العمق المصري، قام الفريق “السيسي” وبشكلٍ لم يتوقعه أحد، بالدعوة للشعب المصري للخروج إلى الميادين المصرية يوم الجمعة، لتفويضه لمحاربة ما أسماه بالإرهاب. وتداعت القوى في (جبهة الإنقاذ) إلى المساندة قبل أن تبارك مؤسسة الرئاسة تلك الخطوة.

من جانبه رفض (التحالف الوطني لدعم الشرعية) تلك الدعوة واعتبرها بمثابة دعوة صريحة لبدء حرب أهلية نتيجة حالة الارتباك التي يعيشها الفريق “السيسي”  وحمّله المسئولية كاملة عن إراقة دماء، ومؤكّداً في الوقت ذاته إلي أن ثورته سلمية ولا صلة له بأيّة أعمال إرهابية. وكرر دعواته لجماهير الشعب المصري للاحتشاد بكافة ميادين مصر في مليونية (إسقاط الانقلاب) حتى عودة الحرية.

وفي هذا السياق فنحن الآن أمام مشهد الحشد والحشد المضاد أو المقابل، الأمر الذي سيترتب على ذلك المشهد واحداً من السيناريوهات المختلفة. فمن غير المستبعد أن تلقى دعوات من أطراف محايدة وأخرى لا تريد تصعيد الأمور ردوداً إيجابية من قِبل الجيش لضبط النفس وإلغاء الدعوة أو التخفيف من حدّتها على الأقل، وذلك في ضوء ظهور بعض النداءات التي تدعو إلى هذا المعنى قد يكون من قِبل حزب النور السلفي، أو من مثل ما أعلن عنه “أسامة عسكر” قائد الجيش الثالث الميداني حيث دعا إلى الحل السياسي بعيداً عن العنف.

وقد يمر يوم الجمعة دون حدوث شيء يُذكر، وقد اقتصر الجانبين على رغبة كل منهما على بيان قدرته على التحشيد حيث يدلل من خلاله على سلامة سلوكه.

أمّا السيناريو الثالث، فهو أن تكون الحشود كبيرة لدى الجانبين وأكبر من المتوقع، حيث تمثل تحدياً يعتبر كل طرف أنه أحق بالشرعية، وهنا قد تنجر تلك التجمعات في مختلف مناطق الجمهورية إلي أعمال عنف بسبب اختراقها لبعضها، أو بسبب اتخاذها قرارات تبعاً للتطورات على الأرض، وهو ما قد يقود إلي أعمال عنف وردود فعل مماثلة من شأنها أن تصل إلى المزيد من الفوضى وتقرّب أكثر للدخول في معمعة الانقسامات الداخلية المؤلمة، حيث ستعمل على استنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية على حدٍ سواء. وهذا المصير بأي حال لا تُحمد عقباه. وإذاً لا بدّ ودرءاً لكل المخاوف فيتوجب على الأفرقاء خاصة الفريقين الرئيسين الإسهام في خطاب جديد للخروج من الأزمة بقدر ما يحفظ ماء الوجه، تمهيداً لأن تعود المؤسسة العسكرية إلى الالتفات لممارسة دورها الطبيعي بالمرابطة على ثغور الوطن.

خانيونس/فلسطين

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد