الرئيسية / تنبيهات / مدرسة صغيرة في لبنان على قائمة المشاريع المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة  

مدرسة صغيرة في لبنان على قائمة المشاريع المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة  

(المستقلة)..مدرسة الجراحية في لبنان، هي من المشاريع الهامة التي تؤكد على أن العمارة المتميزة والمتفوقة لاتكمن بالضرورة في ضخامتها أو الميزانية الهائلة التي يتم انفاقها أورصدها لتنفيذها، وإنما في الفكرة والنهج والتصميم المتبع، وفي معالجة قضايا محورية هامة تخص مجتمعاً محدداً أو منطقة جغرافية معينة.

وللتأكيد على هذه المقولة تم اختيار المدرسة التي تقع في منطقة المرج في لبنان مؤخراً ضمن المشاريع المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة في دورتها الأخيرة لعام 2019، وهي الجائزة العالمية المرموقة التي تبلغ قيمتها المالية مليون دولار أمريكي وتعد الأقدم في مجال العمارة في العالم على الإطلاق. وتضمنت قائمة المشاريع المرشحة للجائزة هذا العام عشرون مشروعاً فريدا ومتميزاً من أنحاء مختلفة من العالم، من بينها تسعة مشاريع من سبع دول عربية هي لبنان، فلسطين، جيبوتي، عمان، البحرين والإمارات العربية المتحدة، وقطر.

انطلقت فكرة مدرسة الجراحية بداية بالاعتماد على تصميم جناح منظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children) في معرض إكسبو 2015 في ميلانو، ايطاليا، الذي صممته شركة AOUMM  الايطالية. كان هذا الجناح بالتأكيد مصدر فخر للمجتمع الذي ساعد في إعادة تصميمه وبنائه في منطقة المرج في لبنان وتحويله إلى مدرسة نموذجية تستهدف الأطفال من اللاجئين السوريين الذين يفتقرون إلى الخدمات التعليمية في المنطقة. وتؤكد سهى توتونجي، مديرة برنامج التعليم في المدرسة على هذا الأمر بالقول: “الأطفال هنا إما لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى المدارس لأسباب عديدة، أو لعدم وجود شواغر كافية ضمن المدارس”.

تم تحويل الجناح المفتوح إلى سلسلة من المساحات المغلقة حول فناء من خلال نهج تشاركي استخدمت فيه تمارين تصورية ومجموعات تركيز ومقابلات لدمج الأطفال والمنظمات غير الحكومية وأعضاء البلدية والمعلمين وأولياء الأمور. هذا النهج التشاركي الرائع هو ماتؤكد عليه المهندسة المعمارية اللبنانية جوانا دباج، من فريق المشروع، بالقول: “لاشك أن الهندسة المعمارية مهمة، ولكن النهج المتبع في العمارة هو الأكثر أهمية. لذا، فإن إشراك المجتمع والأطفال وتأسيس المدرسة ووضع التصورات الخاصة بها وكيف يمكن أن تتغير العملية منذ البداية هو أمر مهم للغاية، وهو لايقل أهمية عن تصميم المدرسة”. وتضيف المعمارية الشابة قائلة: “أثناء عملية تصميم وتنفيذ المدرسة، تم التأكد من مشاركة المجتمع من الأطفال إلى البالغين والشباب”.

تم توريد جميع المواد المستخدمة في عملية بناء وتطوير المدرسة محليًا، بما في ذلك صوف الأغنام للعزل ضد البرد والحرارة، وتنظيم الرطوبة، ومقاومة الحريق وتوفير العزل الصوتي. وتشير المهندسة المعمارية جوانا دباغ إلى هذا الأمر بالقول: “من أهم ميزات هذه المدرسة هي أن الجدران والسقوف معزولة تماماً بصوف الأغنام. كما هو معروف، يتم استخدام صوف الأغنام من قبل النساء في المخيم لملء المرتبات والوسائد. لذلك، كان هناك الكثير من الإلمام بهذا المنتج، الشيء الوحيد الذي قمنا بإضافته هو إخبارهم بكيفية معالجته ليصبح مادة للعزل”. الملفت في الموضوع أن هذه كانت المرة الأولى التي يعرف فيها الناس في المنطقة عن هذه التقنية، وعن كيفية استخدام صوف الأغنام كمادة للعزل. في الواقع، لقد اجتذبت هذه الفكرة كل من السوريين والمجتمعات اللبنانية على حد سواء.

من جهة أخرى تم الاعتماد بشكل كامل على المواد والخبرات المحلية في بناء المشروع، وتم الاستفادة من كافة المواد المتاحة في المنطقة في عملية البناء. وتؤكد جوانا دباغ على هذا الأمر بالقول: “لبناء المدرسة، قمنا بتوظيف أفراد من المجتمع المحلي بمشاركة الرجال الأكبر سناً الذين يملكون المهارات المناسبة مع الشباب الأصغر سناً الذين يرغبون في تعلم المزيد، وقمنا بتدريب جميع المشاركين، الرجال الأكبر سناً والشباب”. وتضيف قائلة: “من المهم حقًا في بناء المدرسة استخدام كل ما هو متاح كمادة مناسبة للبناء، وهذا الأمر كان شائعاً بطبيعة الحال في المخيم لأن الناس دائمًا ما يستخدمون المواد المتاحة في حياتهم”.

ولاشك أن هذا الأمر انعكس ايجاباً على سكان المخيم من كافة الأعمار، سواء الأطفال الذين استطاعوا الوصول إلى مقاعد الدراسة أو الشباب الذين ساهموا في بناء المدرسة وتعلموا مهارات وتقنيات جديدة في البناء. وهذه الحقيقية يؤكد عليها ناجي الويس، وهو لاجئ سوري شارك في بناء المدرسة بالقول: “من خلال التجربة، تعلمنا أن نعمل باتقان بشكل جدي. قدمت هذه المدرسة فائدة كبيرة لأهل المخيم، ورغم أنه لدينا خبرات في العمل إلا أننا تعلمنا خبرات كثيرة جديدة أيضاً من فريق العمل”.

لا توفر المدرسة المرافق التعليمية للأطفال من 300 عائلة لاجئة سورية فحسب، بل هي أيضًا مركز للأنشطة المجتمعية والمأوى الآمن الوحيد للمخيم في حالة العاصفة الثلجية أو الزلزال. وتؤكد سهى توتونجي على هذا الأمر بالقول: “يساهم هذا البناء في تحقيق السلامة للأطفال، لأنه أكثر نظافة وأماناً ووداً”. بينما تشير المهندسة المعمارية جوانا دباغ إلى أن المدرسة “لا تمثل مكانًا للتعلم فقط ، ولكن أيضًا مساحة مجتمعية لأنشطة المجتمع المختلفة”. أما سارة شما، مسؤولة المدرسة، فتقول: “كان للمدرسة تأثير مهم لدى الأطفال، لأانهم أصبحوا أكثر راحة، وأصبحوا يستمتعون أكثر بالمدرسة، ويلعبون مع أصدقائهم، ويتعرفون على أصدقاء جدد. كما أصبحوا يتعلمون بشكل أفضل لأن ظروف التعليم لديهم أصبحت أفضل”.

بالمحصلة، يؤكد اختيار مدرسة الجراحية في لبنان ضمن قائمة المشاريع المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة على أهمية العمارة في خدمة المجتمعات بالمقام الأول، وفي الوقت نفسه على النهج الذي تتبعه الجائزة في اختيار المشاريع المرشحة، والذي لايشترط بالضرورة أن تتسم هذه المشاريع بضخامتها أو ميزانيتها الكبيرة، بل بالدور الذي تلعبه بشكل أساسي في خدمة المجتمعات التي تستهدفها. وهذا مايؤكد عليه فرّخ درخشاني، مدير جائزة الآغا خان للعمارة بالقول: “من خلال عملية تشاركية، أصبحت مدرسة الجراحية مصدر فخر للمجتمع الذي ساعد في إعادة تصميمها وبنائها”. وأضاف: “توفر المدرسة مرافق تعليمية لنحو 300 طفل سوري لاجئ، لكنها أيضًا تعد مركزاً للأنشطة المجتمعية – والمأوى الآمن الوحيد للمخيم في حالة وقوع كارثة طبيعية”.

الجدير بالذكر ان جائزة الآغا خان للعمارة تأسست في عام 1977 من قبل صاحب السمو الأمير كريم آغا خان، بهدف تحديد وتشجيع الأفكار الرائدة في مجالات العمارة والبناء التي تنجح في التصدي لاحتياجات وطموحات المجتمعات التي يكون للمسلمين وجود معتبر فيها. وتركز الجائزة على نماذج المشاريع التي تعتمد معايير جديدة في التميز المعماري في مجالات التصميم المعاصر، الإسكان الاجتماعي، تحسين وتطوير المجتمع، الحفاظ على المواقع التاريخية، الحفاظ على المساحات وإعادة استخدامها، بالإضافة إلى هندسة المناظر الطبيعية وتحسين البيئة. منذ انطلاقتها قبل نحو 42 سنة مضت تلقى 116 مشروعاً الجائزة كما تم توثيق أكثر من 940 مشروع بناء.

اترك تعليقاً