الرئيسية / عامة ومنوعات / محاكم التحقيق: هكذا نكشف جرائم “الموبايل”.. وشركات الاتصال بحاجة للتطوّر

محاكم التحقيق: هكذا نكشف جرائم “الموبايل”.. وشركات الاتصال بحاجة للتطوّر

(المستقلة)/مــروان الفتــلاوي/..كشف قاضيان بارزان، أحدهما متخصص بقضايا الإرهاب، عن أهم الجرائم المرتكبة بواسطة الهاتف النقال، مشيرين إلى أن تصنيفها يتراوح بين الجنايات والجنح، وطالبا السلطات التنفيذية باتخاذ “إجراءات احترازية متطورة للسيطرة على الجريمة المنفذة بواسطة هذا الجهاز”.

وأفاد القاضيان بأن الجرائم التي يدخل فيها “الموبايل” عاملاً رئيسياً هي “التفجير، والخطف، والابتزاز، والتهديد”، وبينما أكدا أن “التفجير هو أخطر جريمة تتم بواسطته، أوضحا إن “التهديد والخطف يتصدران الدعاوى المعروضة”. لكنهما قالا إن “70 % من الهواتف المنفذة للجرائم لا ترجع عائديتها إلى الجناة أنفسهم، إنما إلى أناس أبرياء”.

ويعد التهديد من أكثر القضايا المرفوعة أمام المحاكم بالنسبة لجرائم الموبايل، وأورده قانون العقوبات العراقي في المواد (430 إلى 432)، غير أنه ينقسم إلى تهديد إرهابي، وآخر بسيط، وفقاً لما يحدده قاضي التحقيق المعروضة أمامه القضية، ويصنف الجرائم إلى جناية أو جنحة، كما قال قاضي محكمة تحقيق الكرادة عماد عبد الله محمد.

خطوة أولى

وعن آلية المحكمة في التعامل مع جريمة التهديد بالموبايل أضاف محمد إن “أول خطوة نتخذها عندما يأتينا المخبر ويقدم شكوى تهديد بواسطة الهاتف النقال، يتم الإيعاز إلى المحقق القضائي أو ضابط التحقيق لتدوين إفادته”.

والتهديد إذا “كان بسيطاً أو لا يدخل في قضايا الإرهاب نصت عليه المادة 432 من قانون العقوبات العراقي جزاؤه الحبس لمدة سنة أو غرامة 50 ألف دينار”، كما أفاد محمد الذي أكمل قائلاً أنه “بعد تدوين إفادة المشتكي يقرر القاضي مفاتحة شركة الاتصال لتزويد المحكمة بعائدية هاتفي المشتكي والمشكو منه وبيان المكالمات والرسائل النصية الصادرة والواردة من هاتف المشكو منه وبيان موقع الاتصال ومحتوى الرسائل، إن وجدت”.

وأكد أن تلك الملفات “ترسل بواسطة معتمد إلى شركات الاتصال وثم ننتظر الإجابة التي غالباً ما تأتي بمدة تتراوح من (2 – 7) أيام”، لكنه استدرك ليقول “في حالات التي تستدعي السرعة كالخطف تأتينا الإجابة في اليوم نفسه، لأن ذلك ظرف استثنائي ويتعلق بحياة شخص تتعرض حياته كل لحظة للخطر”. وبين أن “جرائم كثيرة ارتكبت وتم الكشف عنها”.

أصحاب الهواتف أبرياء!

وبشأن الوقت الذي تستغرقه هذه الإجراءات أوضح قاضي تحقيق الكرادة أن “نصف ساعة كفيلة باستكمال هذه الإجراءات في المحكمة”، ولفت إلى أن “مسؤولية التأخير تتحملها شركات الاتصالات”، بسبب ما أسماه “الزخم الملقى عليها، إذ تملك كل شركة حوالي 7 ملايين مشترك”، كما يؤكد.

لكن نتائج شركات الاتصال بالنسبة لعائدية شرائح الهواتف المنفذة للجرائم غالبا لا تدل على الفاعل الحقيقي، طبقاً لما قال القاضي محمد مشيراً إلى أن “70% من الهواتف تكون بأسماء أناس أبرياء وبعيدين عن الجرائم”، وقال “أن هذا لا يمنع من تدوين إفادة المشتكي مرة أخرى بعد معرفة عائدية الهاتف، أحيانا يستطيع التعرّف عليه أو على المحيطين به ومحل سكناه وأحيانا كثيرة لا يستطيع”.

زوجات يهدّدن أزواجهن!

أما عن طبيعة التهديدات التي ترد إلى المحاكم إن لم تتعلق بقضايا الإرهاب، فيقسمها محمد إلى أن منها ما تكون أسبابها “عائلية أو تتعلق بابتزاز مالي، أو بسبب تنافس وظيفي، أو علاقات عاطفية”.

لكن الطريف أن القاضي قال “وردتنا حالات تهديد كثيرة لرجال تبيّن بعد التحقيق أن زوجاتهم وراء هذه الحوادث، بسبب علاقات عاطفية للرجل أو مسألة زواج ثان”.

وتابع محمد أن “مثل هذه الدعاوى غالبا ما تنتهي بالصلح لأنه إجراء قانوني يقطع النزاع وينهي الخصومة ويتم غلق الدعوى”.

وشدد على “أن هناك قضايا كثيرة ترتبط بالابتزاز المالي والتهديد بنشر صور عائلية على وسائل التواصل الاجتماعي حصل عليها المتهم من موبايل مباع”، منبها “الأهالي إلى التأكد من خلو هواتفهم من الصور العائلية والشخصية في حال إهمال أجهزتهم أو بيعها”.

شرائح مهملة

ولفت قاضي تحقيق الكرادة النظر إلى قضية مهمة وهي “الشرائح المباعة للأشخاص الأجانب، حيث يهملونها حال الخروج من البلاد، وغالبا ما تقع في أيدي مجرمين”، مطالبا “شركات الاتصال بأن لا تبيع للأجانب قبل أن تحصر مدة تفعيلها بمدة بقائهم داخل البلاد الموجودة في جوازات سفرهم”.

وعرج محمد على موضوعة الشكوى الكيدية، فقال “إذا كانت الشكوى باطلة وثبت بالدليل أن المشكو منه بريئا فمن حق الأخير رفع دعوى على المشتكي، وعقوبتها تتبع نوع الجريمة وعادة ما تكون تحت عنوان الإخبار الكاذب”. إلا أنه بيّن أن “البلاغات الكاذبة لا تشكل سوى 5%، أما البقية فجميعها حقيقية، وتحتوي على أدلة”، كاشفا أن “شكاوى التهديد كثيرة حيث ترد إلى محكمتنا حوالي 50 شكوى في الشهر”.

ورداً على سؤال حول مدى التنسيق مع شركات الاتصال قال محمد “إنها متعاونة لكنها في طبيعتها تبحث عن الربح المادي، أما الأمن فلا يشكل هماً رئيسيا لها”.

ورأى أن حل هذه المسألة “يكون من خلال إجراءات تقنية رادعة من قبل وكلاء الشركات لأن البعض منهم يفعل خطوط الهواتف حتى من دون مستمسكات رسمية”. ويقترح “إجراءات أكثر احترازية كأن يتم تصوير المشتري صورة حديثة وأخذ بصمات الأصابع”.

مستمسكات مزوّرة

وأشار إلى إمكانية “تحريك شكوى على صاحب المكتب الذي يبيع شرائح هاتف بمستمسكات مزيفة لأنها تدخل ضمن جرائم التزوير”، وقال محمد أيضا “في أكثر من مرة نستدعي وكلاء الشركات لمعرفة لمن باعوا الشرائح للتوصل إلى مرتكبي جرائم التهديد”.

وإذا ما كانت شركات الاتصال تحتفظ بتسجيلات صوتية، أجاب محمد أنه “في أكثر من مرة طلبنا منها تسجيلا صوتيا، لكن لم يوفروا لنا ذلك ولا يملكونه أصلا، نحن نتأكد منهم فقط عن حدوث المكالمة وتحديد المكان، ويبقى الإثبات على المشتكي إذا ما كان احد حضر المكالمة ليشهد، أو أن المشتكي سجل المكالمة بنفسه”، ورأى أن الدليل الأكثر نجاعة “هي الرسائل النصية التي يبقى محتواها داخل الهاتف”، وأشار إلى أن “الكثير من الحالات تكون خالية من الأدلة، لعدم توفر التسجيلات الصوتية فيتم الإفراج عن المتهمين بعد أن ينكروا الحادث، ويبقى أن لكل قضية ظروفها ووقائعها”.

قضايا الإرهاب

وعلى ما يبدو فأن التعامل مع شركات الاتصال مختلف بالنسبة للجرائم الكبرى وقضايا الإرهاب، حيث ترد إجابات الشركات عن عائدية الشرائح في غضون يوم واحد.

يقول رئيس محكمة التحقيق المركزية ماجد الأعرجي إن “القضايا التي تنظر بها محكمتنا حساسة وتتعلق بجرائم إرهابية كبرى، فشركات الاتصال لا تتأخر أكثر من يوم أو يومين كحدٍ أقصى، تبعاً لحساسيّة القضايا”.

وفي حديث إلى (المركز الإعلامي للسلطة القضائية) أضاف الأعرجي أن هناك “متابعة جدية من محكمتنا بالنسبة لتعاملنا مع شركات الهاتف النقّال”.

ولا تختلف الإجراءات بالنسبة للمحاكم حتى لو تغيرت الجرائم حيث تبدأ، كما قال القاضي المتخصص بالنظر في الإرهاب “بتحريك شكوى أمام المحكمة، فنقوم مباشرة بمخاطبة شركات الاتصال لإعلامنا بعائدية الأرقام وبعد ورود النتيجة تتخذ المحكمة الإجراءات”.

أخطر الجرائم

ولفت الأعرجي إلى أن أخطر الجرائم التي يدخل فيها الموبايل عاملاً رئيسياً هي “التفخيخ، فغالبا ما يكون جهاز موبايل في السيارة الملغمة وآخر في يد الإرهابي وبمجرد اتصاله بالهاتف داخل السيارة الملغمة تنفجر مباشرة”.

وتابع الأعرجي أنه “غالبا ما نعثر على قطعة من شريحة الهاتف داخل السيارة التي انفجرت وهذا الرقم يوصلنا إلى الأرقام المتصلة، لكن مع هذا نلاقي صعوبة تكمن في أن معظم الشرائح مشتراة بوثائق مزورة بأسماء أشخاص آخرين، وعند جلبهم إلى التحقيق يتبين أن لا علاقة لهم بالتفجير”.

وجدد التأكيد على أنه في كثير من الأحيان “أن الأرقام تعود عائديتها إلى أناس أبرياء من خلال نتائج شركات الاتصال”.

وتذكّر الأعرجي قصة التفجير الذي حصل داخل المنطقة الخضراء في 2011 بالقرب من أمانة رئاسة الوزراء وقال “كنت أشرف شخصياً على التحقيق في حينه، فوجدنا شريحة موبايل داخل السيارة الملغمة وتوصلنا من خلالها إلى الأرقام التي كانت تتصل على هذه الشريحة وتم جلب أكثر من شخص، لكن بدا لأول وهلة أن الأشخاص بريئون، وهو ما تبين فعليا بعد أن توصلنا إلى خيوط القضية”.

وكشف الأعرجي “الآن بدأنا نعتمد على طرق أكثر نجاعةً تمكنا من خلالها الوصول الى الجناة”.

وأوصى الأعرجي “شركات الاتصال بالانتباه إلى وكلائهم، والتدقيق في أصحاب مكاتب بيع الشرائح إذا ما كانوا من أرباب السوابق أو حاملي قيود جنائية”.

نعمة ونقمة وأمل!

وأبدى رئيس محكمة التحقيق المركزية أخيراً أسفه قائلا إن “الهاتف النقال الذي صنع خدمة للبشرية أصبح للأسف أداة لجرائم التهديد والتفجير عن بعد والخطف والابتزاز”.

وحث شركات الاتصال على تطوير عملها، آملاً أن “تكون بطاقة الناخب فأل خير في استخدام التكنولوجيا في جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها فهذه البطاقة تحتوي على معلومات تساعد كثيرا في تسهيل عملنا”، وأضاف مستدركا “لكن إذا بقي الحال على إجراءات شركات الاتصال الحالية من الصعوبة كشف جميع الجرائم التي تنفذ بواسطة الموبايل”.

وطالب “المواطنين بأخذ الحيطة والحذر من مغبة إهمال مستمسكاتهم عن طريق المعاملات أو غيرها لأنها تستغل من قبل ضعاف النفوس”.

اترك تعليقاً