متلازمة تفكك السياسات الاقتصادية الكلية

  • د. عبد الحسين العنبكيUntitled

رئيس منظمة اقتصادنا للتنمية المستدامة

باختصار شديد، إن أسوأ سياسة اقتصادية يمكن أن يمارسها اقتصاد ما هي تلك التي ترتكز على السياسة النقدية فقط، بحيث تبقى هذه السياسة تصول وتجول مع إهمال بقية السياسات الاقتصادية الكلية (تجارية، مالية، تنموية، استثمارية) وإصابتها بالشلل، وهنا تكون السياسة الاقتصادية في منتهى الهشاشة، ويصبح البلد في وضع هش في كل شيء.  وأبسط مثال على ذلك هو أني كلما أسال زميلي مستشار الموارد المائية صباح كل يوم ممازحا طبعا (قل لي راح نغرق لو راح نموت عطش؟) فيضحك ويقول سؤال محير! في إشارة إلى سدود دول الجوار التي ابتلعت مياه أنهرنا، وسدنا الذي يهددنا بين الحين والأخر، وربما يراد لنا أن نهدد دائما في زمن الفزاعات وتنظيمات المرتزقة، لبلد لا يراد له الاستقرار، فيبقى الاقتصاد ليس أولوية له.

إن أضعف وأسوأ سياسة نقدية هي تلك المرتكزة على سعر الصرف فقط تريد أن تخلق التنمية وتحقق المعجزات من خلاله فقط (كمن عنده شيش حديد واحد ويريد أن يبني به برج مثل برج خليفة)، وأهمل وما يزال يهمل وظائف السياسة النقدية الأخرى ولم يمارس إصلاحاً مصرفياً حقيقياً ولم ينظر إلى حجم الائتمان في تمويل التنمية الذي تمارسه تلك المصارف، بل ولماذا تمارس الائتمان اصلا؟  ولو كنت أنا شخصياً صاحب مصرف، لا سامح الله، لدافعت عن المزاد بكل قوة لأنه منجمٌ من ذهب فُتح وما عاد يغلق، فأي مصرف مغفل ذلك الذي يترك المنجم ليمارس الوظائف الطبيعية للمصارف ويقوم بالإقراض وإدارة المخاطر في ظل بيئة عالية المخاطر ولديه منجم مفتوح؟

ففي فترة الترهل المالي قبل 3 سنوات عندما كان المال يدار بأسوأ أسلوب خالٍ من أية حرفية او اختصاص وكانت وما زالت وزارة المالية هي الحلقة الأضعف لأي توجهات إصلاحية، كان من يدخل المزاد من المصارف وشركات الصيرفة يحصل على نقطتين أو ثلاثة ربح من هذا المنجم عن كل دولار.  واليوم، في زمن العسر المالي والركود الضاغط والمخاطر الأكبر، صار يحصل من هذا المنجم على 10-12 نقطة ربح عن كل دولار، فكيف يمكن أن نطبق المنطق الاقتصادي بجعل السياستين المالية والنقدية توسعيتان في زمن الركود.

من العسير أن يحصل ذلك، طالما لا تتوفر النوايا، أو النوايا المتوفرة فاسدة، فيكون كل شيء في الاقتصاد بالمقلوب، ونشجع المصارف على المزيد من الانطواء على نفسها والدوران في فلك البنك المركزي والمزيد من الانكماش المالي في زمن الركود، تتعاظم رؤوس الأموال لمن يرضعون من ضرع المزاد، ولكن لا تنمو طبقة رأسمالية في العراق، لأن أموالهم تستثمر في الخارج، دولاراتهم تنمو في الخارج، معاملهم تشيد في الخارج، فرص العمل يخلقوها لأبناء الخارج، لا يملكون في العراق سوى الحقائب التي تعبئ من المرضع (مزاد البنك المركزي).  لو كانوا رأسماليين في العراق لوجدنا الأبراج والمصانع والمشاريع الكبيرة والخدمات تقام في العراق.  إنهم رأسماليون في الخارج وفي العراق هم رضع من إيرادات النفط التي هي ملك الشعب العراقي دستوريا، ويريدونه أن يبقى صحراء وفوهة للرضاعة حسب، وتنمو بدلا عنهم طبقة الفقراء والعاطلين ليكونوا قنبلة موقوتة تهدد العراق بفوضى عارمة.

عندما أقول إن السياسة النقدية قامعة للقطاع الحقيقي ومشجعة للقطاع التجاري، يقول الكثير إن البنك المركزي فتح نافذة تنموية بـ 6 ترليون دينار، طبعا هو إجراء صحيح وأنا ادعمه واشكره عليه، ولكن لم ينفذ من المبلغ سوى بعض الأجزاء العشرية، ومنه ما عاد بطريقة أو أخرى وحُقن في المزاد لشراء المزيد من دولارات المنجم الرخيصة.  لماذا لم تنفذ المبادرة؟  لأن العوامل المكملة لها لم يعمل عليها البنك المركزي ولا الجهات المعنية بالسياسات الأخرى، فسعر الصرف المُغالى به للدينار والمزاد المفتوح بديلا جاذبا، بينما بيئة الإقراض بديلا طاردا، والمصارف عاجزة لأن أنظمتها بالية، وكلف الإنتاج في القطاع الحقيقي مرتفعة ولذلك طاقته الاستيعابية لامتصاص استثمارات مالية ضيقة، وكان بالإمكان أن تنخفض تلك الكلف لو كانت المشاريع الاستثمارية في البنى التحتية على مدى العقد المنصرم أقيمت فعلا وفق معايير اقتصادية، ونفذت بشكل صحيح وخفضت الكلف للقطاع الخاص بدلا من أن يذهب جلها لجيوب الفاسدين أو لإرضاء الناخبين.  كما أن منتجات القطاع الحقيقي مطرودة من السوق بفعل الإغراق واستباحة أسواقنا دون اي مستوى يذكر من الحماية الكمركية، وعندما طبق قانون التعرفة مؤخراً رغم أن نسب التعرفات في الجداول دون الطموح، ومع ذلك نفذ بشكل أعرج، لأن إقليم كردستان المحروس لا يلتزم بتطبيقه، والموظفين الفاسدين في المنافذ الحدودية يجنون لجيوبهم أكثر مما يجنون للدولة ومعظم التجار يشترون الذمم دون حياء ودون أدنى شعور وطني، والمنتجون المحليون مطرودون من المعادلة، والسلوك الاستهلاكي لشعبنا الكريم يفضل كل ما هو أجنبي على كل ما هو محلي، في شعب يشعر بالعيب من استخدام منتجه، ومؤسسات دولة تشتري كل مستلزماتها أجنبية رغم أنها مالكة لمصانع تنتج هذه المستلزمات، كتلك التي تطبخ كل يوم وترميه في القمامة وتشتري طعامها من الجيران.  الا يدرك هذا الشعب المستهلك انه بذلك يساهم في جعل أبنائه (عطَّالة بطَّالة) دون فرص، وليس أمامهم الا الهجرة أو الغرق في بحر ايجة أو يستدرجه الإرهاب ليصبح ذبَّاحاً أو يؤسس عصابة خطف وسرقة أو يصبح شرطي لمحاربة الإرهاب ويهجر مزرعته أو معمله أو مشروعه مغلق لأن ليس عليه طلب ولا ينافس امام المستورد.  إنه تفكك منظومة السياسات الاقتصادية الكلية، لأن ورائها محاصصة سياسية مقيتة تضع كل مسؤول في الموقع الغلط، ولَّدت مافيات ومصالح خاصة يصعب تفكيكها، أسموها أجدادنا (الما يعرف تدابيره حنطته تأكل شعيره)، واسميها سوء الإدارة للملفات الاقتصادية.

ونحن ولله الحمد على أبواب الانتصار العظيم في الموصل، علينا أن نستثمر هذه الطاقات الايجابية الجبارة ونعيد هيكلة الكثير من المؤسسات الاقتصادية من حيث تنظيمها الإداري، ومنهجها المالي، وأولويات الإنفاق، وإدارة الدومين العام المهمل، ومن حيث المتصدين للقرار الاقتصادي فيها، وتمكين المختصين النزيهين الحريصين أصحاب الرؤيا، دون أن نبرد حالاً، ونثمل مجددا بنخب انتخابات جديدة.

 

المصدر : شبكة الاقتصاديين العراقيين

قد يعجبك ايضا

اترك رد