الرئيسية / مقالات مختارة / مئذنة الملويّة في سامراء … هل ستقاوم الأخطار؟

مئذنة الملويّة في سامراء … هل ستقاوم الأخطار؟

عدنان أبو زيد

رصدت وسائل إعلام عراقيّة في 12 كانون الثاني/يناير من عام 2018، مظاهر تقادم وأضرار في المئذنة الملويّة في سامراء، التي يعود تاريخها إلى نحو 1200 عام، أبرزها تهدّم سلّمها، فضلاً عمّا يحفره الزائرون في جدرانها من أسماء، وما ينتج من السلوكيّات الضارّة، بعد أن تخلّصت من آثار النزاعات العسكريّة، وتحوّلها إلى قاعدة عسكريّة للجيش الأميركيّ، الذي اجتاح العراق في عام 2003، حيث تعرّضت قبّتها العليا للتفجير.

المئذنة المتفرّدة بقوامها الملتوي، الذي لا تشبهه أيّ مئذنة إسلاميّة أخرى في أرجاء العالم، تقع في مسجد مترامي الأطراف، والذي يعدّ معلماً تاريخيّاً مهمّاً من بين العشرات من المعالم التي تعجّ بها سامراء، التي كانت عاصمة الدولة العباسيّة. ولأنّ المكان يمتدّ على مساحة واسعة، مع قلّة الحمايات الأمنيّة والأدلاّء السياحيّين، فضلاً عن قلّة الوعي على الآثار لدى بعض الزائرين، فالكثير من الأضرار تلحق بالمكان، فضلاً عن الحوادث الطارئة. ففي 29 آذار/مارس من عام 2017، سقط شاب عراقيّ من أعلى المئذنة الشاهقة، التي يبلغ ارتفاعها 52 متراً، والتي يتسلّقها من يشاء، وفي أيّ وقت، من دون استئذان أيّ جهة أمنيّة أو أيّ جهة تعنى بالآثار، الأمر الذي أدّى إلى مقتله.

إنّ المخاوف من تأثير الأضرار على مستقبل المئذنة الملويّة تجاوز العراق، ففي دراسة له في 14 نيسان/إبريل من عام 2017، كشف الدكتور عصام حشمت في جامعة قنا بمصر عن “تعرّض جامع سامراء ذي المئذنة الملويّة للعديد من عوامل التلف، والتي أدّت إلى فقدانه العديد من عناصره المعماريّة”.

وفي هذا السياق، أشار قائمقام قضاء سامراء محمود خلف إلى أنّ “الحديث عن إهمال المئذنة أمر يجانبه الصواب”، داعياً إلى “التفريق بين الإهمال وبين نقص المال والقدرات على إدامة المئذنة”، وقال: “إنّ أعمال الصيانة قائمة على قدم وساق في المنطقة الأثريّة التي تقع فيها الملويّة، وكلّ الأضرار وتأثيرات التقادم والرطوبة والأملاح مرصودة، وتعالج بالقدر الذي تسمح به الإمكانات الماليّة والفنيّة”.

أضاف: “لم نتلكّأ يوماً في طلب الدعمين الماليّ والفنيّ سواء أكان من الحكومة المحليّة أم الاتحاديّة. لقد قابلت مسؤولين في أعلى المستويات، وكانت الحجج دائماً انشغال الدولة بالحرب على داعش وتأمين الاستقرار الأمنيّ”.

وسلّط محمود خلف الضوء على فعاليّات الصيانة التي تشهدها المئذنة ومحيطها، وقال: “إنّ بعثة صيانة من اليونسكو تدرس المكان وتضع الخطط الكفيلة بإزالة عوامل التعرية وأضرار التقادم”.

وفي خطوة مسؤولة، اتّصل خلف بالمهندس والخبير في التراث العالميّ جيوفاني فونتانا أنتونيلي، وهو أحد مهندسي البعثة، الذي قال : “نوثّق حالة المسجد الكبير ومئذنته الحلزونيّة للتوصّل إلى آليّة مناسبة لإيقاف المخاطر البيئيّة والبشريّة وتأثير الأعمال السابقة غير الصحيحة على استقرار الهياكل، وتأثير الرطوبة الأرضيّة”.

أضاف جيوفاني فونتانا أنتونيلي: “تعتمد منهجيّة التقييم على تحليل الوثائق والزيارات الميدانيّة والاجتماعات مع السلطات المحليّة وأصحاب المصلحة”.

واستعرض أنتونيلي أبرز الخطوات المقبلة، وقال: “إنّ البعثة شرعت في تنفيذ التعديلات على خارطة الموقع، وفقاً للتصميم المنّقح للمشروع. كما نبحث في تقييم أثر بناء المتحف المرتقب على السلامة البصريّة للموقع”.

وكشف أنتونيلي عن “تشكيل لجنة فنيّة مشتركة لمراقبة جودة الأعمال المنفّذة، وكذلك إنشاء مشروع مشترك بين خبراء عراقيّين ودوليّين لصياغة خطّة شاملة لإعادة التأهيل”.

واوضح خبير الآثار الجزائريّ محمود بندكير، الذي يعمل أيضاً ضمن بعثة منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو،  أنّ “مدينة سامراء الأثريّة أدرجت في لائحة التراث العالميّ المهدّد بالخطر في عام 2007، ووضعت من جرّاء ذلك حزمة تدابير تصحيحيّة يجب تنفيذها في الموقع من قبل الدولة كي يتسنّى رفع اسم المدينة من لائحة التراث المهدّد بالخطر”.

ورأى محمود بندكير أنّ “هناك تأخيراً في تنفيذ الإجراءات بسبب الوضع الأمنيّ ونقص التخصيصات الماليّة، الأمر الذي يعني إخلالاً من جانب العراق بقرار لجنة التراث العالميّ في دورتها الـ37، التي تشترط على الدول إزالة الصيانات الخاطئة”.

وكشف بندكير عن خطط المستقبل، وقال: “بعد مشاورات مع حكومة محافظة صلاح الدين، استقرّ الرأي على العمل في المسجد الكبير لأنّه أكثر أجزاء الموقع تضرّراً، فضلاً عن وجود الكثير من الاستحداثات الكونكريتيّة والصيانات الخاطئة فيه، وتأثير الوجود العسكريّ الذي طال المدينة غداة احتلال العراق في عام 2003، حيث قصف بعض أجزاء المسجد”.

أضاف: “تجري عمليّات الصيانة وفق مبادئ ميثاق فينسيا لعام 1964 في الحدّ من الإضافات والمحافظة على أصالة الموقع وسلامته”.

من جهتها، قالت رئيسة لجنة الثقافة النيابيّة النائبة ميسون الدملوجي : “إنّ الفترة المقبلة ستشهد اهتماماً بصيانة المعالم الأثريّة وتحويلها إلى مشاريع استثماريّة”.

وأكدت هيئة الآثار العراقيّة، أنّ “مشروع ترميم المئذنة والمسجد يموّل من ديوان الوقف السنيّ من أموال رسوم عائدات المئذنة المستحصلة من الزائرين في حقبة نظام صدّام حسين”، مشيرة إلى أنّ “المئذنة تستقبل الزائرين في الوقت الحاضر يوميّ الجمعة والسبت”.

وفي عودة إلى حديث خلف، فأكّد أنّ “الخطة الموضوعة تشمل إقامة إنشاءات البنية التحتيّة التي تشترطها لائحة التراث العالميّ كمبنى وحدة الإدارة ومركز إرشاد الزائرين واستحداث الساحات”، وقال: “أحيلت بيانات المشروع مع الصور والوثائق وتقارير سير العمل على مركز التراث العالميّ، الذي أحال بدوره كلّ تلك المعلومات على منظّمة الايكوموس لأغراض التقييم”.

أضاف: “نحن مستعدّون للتباحث معهم حول مشاريع الاستثمار السياحيّ والثقافيّ في المسجد ومئذنته والآثار الكثيرة الأخرى في سامراء”.

دعوة خلف جديرة بالاهتمام، ولعلّ خطوات الحكومة المحليّة في التنسيق مع اليونسكو، أثمرت عن أعمال صيانة، تنقذ المئذنة والمسجد وملحقات الآثار الأخرى من أضرار التقادم والبيئة والبشر.

إنّ المهمّ في الصيانات أن تكون مستمرّة، لا مجرّد حملة لفترة زمنيّة محدّدة، ولن يتمّ ذلك إلاّ بتحويل المسجد والمئذنة إلى مشروع استثماريّ، يدرّ الأموال التي تنفق على أعمال التوسّع والتطوير والتأسيس لمرافق الترفيه.

 

المصدر : al-monitor.

اترك تعليقاً