مؤتمر جنيف 3…العبث بعينه

أسعد العزوني

هناك حالات من الإشتباك ، لا ينفع معها اللجوء للحوار أوالتفاوض ، وفي مقدمتها إجرام النظام السوري ، الذي وصل إلى الحكم وآلت إليه الأمور نهائيا ، بعد أن غدر الأسد الأب برفاقه البعثيين ، وقام بإنقلاب عسكري ضدهم ، فقتل من قتل وسجن من سجن ، وبالتالي ضمنت مستدمرة إسرائيل حدودها الشمالية ، بإيصال إبن عميل الحركة السورية الجد سليمان الأسد من قادة الجلاء ، وبذلك يكون الحكم في سوريا وراثيا في العمالة أبا عن جد ، وهذا ما جعل سوريا تصل إلى ما هي عليه وفيه ، وتتحول إلى دولة فاشلة ، تقطر دما وتتنفس رائحة بارود وكيماوي ، جراء قصف البراميل المتواصل ، علاوة على القصف الروسي بعد ان أصبحت سوريا تحت الوصاية الروسية ، تمهيدا لتقسيمها ، وضمان إقامة دويلة علوية في منطقة اللاذقية .

لا تلام المعارضة السورية التي إنخرطت في مفاوضات فاشلة مع النظام السوري في جنيف 1و2 ، لأنها ليست معارضة مؤدلجة متجانسة ، مبنية من أساسها على برنامج يتضمن بندا يقول :ما ذا سنفعل في اليوم التالي ؟ ذلك لأنها في بعض تكويناتها تابعة للنظام الذي أطلق من سجونه محاربيها ، ليس محبة فيهم ، بل لتمكينه من مواصلة دوره العبثي الإجرامي في سوريا ، حتى يقول الشعب السوري وعلى رؤوس الأشهاد ، أن تقسيم البلاد و فرز العباد أهون من بقاء القصف والقتل والهدم والتهجير.

ولا بد هنا من الإعتراف أن مجيء داعش حليفا قويا للنظام السوري ، قد قوّى من عضد النظام ، لأنه هذا التنظيم الإرهابي صنيعة أمريكية إسرائيلية بريطانية ، كما أنه أضعف المعارضة ، لأنه مارس العبث أيضا في سوريا بقتاله العديد من الحركات المقاتلة في سوريا .
وعلى الجميع الإعتراف ، أنه لا توازن في القوى على الأرض بين المعارضة والنظام المدعوم إسرائيليا “سياسيا ” ، وروسيا “عسكريا وسياسيا”، كما أن هذه المعارضات المتفرقة المتناحرة أصلا ، لم تحقق شيئا على أرض الواقع ، لنقول ان هذه المعارضة إنما ذهبت إلى جنيف ، للتفاوض على إستلام الحكم ، لكن الوضع في سوريا تحول رأسا على عقب عندما وجه رئيس مستدمرة إسرائيل بيبي نتنياهو رسائل إلى مراكز الضغط اليهودي في أمريكا والغرب تقول : واصلوا الضغط على حكومات بلادكم للإبقاء على بشار الأسد في سوريا لأنه حليفنا الإستراتيجي هناك؟!!!!.

ومعروف أن بشار الأسد وبإعترافه كان يعد حقائبه للرحيل في الأشهر الثلاثة الأولى من إنفجار الأوضاع في سوريا ، لكنه تراجع عن ذلك بعد الضمانات التي تلقاها من مستدمرة إسرائيل ، وانها واثقة من جهود مراكز ضغطها في الغرب وأمريكا ، وهذا ما يفسر مواقف الرئيس الأمريكي أوباما الذي كان يتحدث عن الوضع في سوريا ومصير الأسد بلسان رخو، مقارنة بدعوة الرئيس السابق بوش الصغير الذي أجبر الأسد على الإنسحاب من لبنان بعد مقتل رفيق الحريري عام 2005 ، وإتهام الأسد بتلك الجريمة ، وإنهاء إحتلاله لذلك البلد العربي المنكوب بالجوار السيء ، وكان بوش يخرج ويقول : عليه الإنسحاب الآن ويكررها مرارا بلهجة الكاوبوي.

جاء إنعقاد مؤتمر جنيف 3 في ظروف أكثر تعقيدا من ذي قبل ، فروسيا حاليا تمارس الوصاية على سوريا بشكل لا لبس فيه ، كما أن الدول العربية التي تدعم المعارضة السورية تتسم بمواقف ضعيفة ، لأن الخصم الرئيسي على الأرض هو قوة عظمى ، كما أن الموقف الأمريكي غير مضمون ولا يراهن عليه أصلا ، وهو في حقيقة أمره داعم لنظام الأسد .

ولا يغيبن عن البال أن سوء العلاقات السعودية – الإيرانية قد قلل من فرص التحدث عن مؤتمر جنيف 3 بأريحية تتضمن بعض الأمل ، لأن ما يجري أصلا في سوريا وفي بعض حالاته حرب بالوكالة بين السعودية وإيران ، فما بالك وهما في أشد درجات الخصام ؟

رئيس وفد النظام الأسدي في مؤتمر جنيف 3 بشار الجعفري حسم القضية قبل أن تبدا وأعلن عن فشل المؤتمر بتلاوة ما وصفه بأنه “فاتحة قرآنهم الجديد” ، وهذه إشارة غبية منه للغرب ومستدمرة إسرائيل ، أنه ونظامه ليسوا من الإسلام في شيء ، وإنما هم مرتدون ملحدون ، كما أكد على عدم التفاوض مع وفد المعارضة ، وأن ما سيجري تحت الضغط هو مفاوضات غير مباشرة مع وفد المعارضة بإشراف المبعوث الدولي لسوريا دي مستورا، وهذا يذكرنا بالمفاوضات غير المباشرة بين نظامه “الثوري الإشتراكي الحر التقدمي العروبي القومي عدو مستدمرة إسرائيل ، وحليف موسكو وعدو واشنطن والذي يحب فلسطين” ، وبين وفد إسرائيلي في أنقرة لمدة ثلاثة أشهر عام 2008 ، والفق فيها وفد النظام على إطار إتفاق مع مستدمرة إسرائيل ، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذلك إيهود أولميرت طلب من رئيس الوزراء التركي في تلك المرحلة ، الرئيس الحالي لتركيا الطيب أردوغان أن يمهله فترة للتشاور ، لكنه ذهب وشن هجوما عنيفا على غزة في عملية هروب إلى الأمام ، لأنه لم يقبل منح النظام السوري فرصة العودة إلى شاطيء طبريا .

ليس من باب الجلد ، فإن أعضاء الوفد المعارض رغم حنكتهم السياسية ، دون ذكر الأسماء ، فإنهم ذهبوا مضطرين إلى جنيف ، وقالوا انهم فوجئوا بتكثيف القصف الروسي على السوريين منذ صبيحة الجمعة الماضي ، وهو اليوم الأول للمؤتمر حسب الأجندة الأولى.

واضح أن هذا التكثيف في القصف ليس رسالة من سطرين ، بل هي ملف كامل يتضمن تقسيم سوريا ، بمعنى أن روسيا لم تأت إلى سوريا فقط لتثبيت نظام الأسد ، بل كان جل هدفها تقسيم سوريا ، وضمان تفصيل الكيان العلوي ومن ضمنه قاعدتها البحرية على شاطيء البحر المتوسط في طرطوس ، وأن يكون هذه الكيان تحت الوصاية الروسية الأبدية بطبيعة الحال.

وها هي عجلة التقسيم تدور بتسارع يوازي حركة عدادات الطائرات الروسية التي تقصف السورييين ، وتقتل منهم العشرات كل يوم ، كل ذلك بتوافق غربي أمريكي ، يتماشى مع رغبة مستدمرة إسرائيل.

قد يعجبك ايضا

اترك رد