الرئيسية / مقالات مختارة / لماذا يطالب «ديزموند توتو» بمحاكمة «توني بلير» كمجرم حرب ورفض الجلوس إلى جانبه؟

لماذا يطالب «ديزموند توتو» بمحاكمة «توني بلير» كمجرم حرب ورفض الجلوس إلى جانبه؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

  في شهر آذار من عام ٢٠٠٣ شنت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا حربا على العراق هي من الحروب الأكثر كارثية في التاريخ المعاصر بالنظر إلى ما ترتب عليها من خسائر فادحة في الأرواح تجاوزت ١٠٠ ألف قتيل غير تشريد ٤ ملايين كلاجئين خارج العراق وتهجير عدد آخر مماثل داخل بلدهم، فضلا عن تدمير كامل للبنية التحتية للبلاد وبطريقة أعادت العراق ٥٠ عاما إلى الخلف.

 تلك الحرب من وجهة نظر كثيرين كانت غير شرعية من الناحيتين القانونية (حيث فشلت أمريكا وبريطانيا في استصدار قرار بشنها من مجلس الأمن) والأخلاقية (بالنظر إلى التداعيات الكارثية التي جلبتها للعراق)؛ حيث لجأ الرئيس الأمريكي «جورج بوش» الابن وتابعه رئيس الوزراء البريطاني آنذاك «توني بلير» إلى اختلاق حجج وذرائع شتى لتبرير قرار شن الحرب تراوحت ما بين نزع ما لدى نظام «صدام حسين» من أسلحة دمار شامل، وإسقاط هذا النظام الديكتاتوري الذي ينكل بشعبه، وإقامة نظام ديمقراطي بديل، وكذا حماية المصالح الغربية ومصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

 ونظرا إلى أن الحرب لم تكن شرعية من الناحيتين القانونية والأخلاقية، طالب البعض في مناسبات متفرقة بوجوب محاسبة «جورج بوش» و«توني بلير» على ما ارتكباه في حق شعب العراق من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 ولا يخفى أنه جرت محاولات في بعض الدول ومنها دول عربية لإجراء محاكمات شعبية للحليفين الأمريكي والبريطاني، وذلك من منطلق الصعوبة التي تكتنف في الوقت الحالي عملية تقديمهما للمحاكمة أمام القضاء الجنائي الدولي، فـ«بوش» و«بلير» مازالا طليقين يتمتعان بالحرية، و«بلير» بالذات يتنقل من دولة إلى دولة؛ حيث يلقي المحاضرات التي يكسب من ورائها ملايين الدولارات، كما يستقبل من جانب الملوك والرؤساء ومنهم رؤساء وملوك عرب على الرغم من أن مكانه الطبيعي وراء القضبان في قفص الاتهام لمحاسبته على جرائمه في حق ملايين العراقيين.

  ولقد ظلت محاكمة «بلير» و«بوش» مسألة أخلاقية للبعض ممن يزعجهم أن يفلت مجرمو الحرب من العقاب ولاسيما لو كانوا مسئولين في دول كبرى ومن بين من أزعجهم هذا الأمر القس «ديزموند توتو» كبير أساقفة جنوب إفريقيا.. الحائز جائزة نوبل للسلام عام ١٩٨٤، الذي كان له دور كبير في مناهضة نظام الفصل العنصري ببلاده، كما أن له مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية، فالرجل رفض مؤخرا المشاركة في مؤتمر «القيادة» الذي عقد في جوهانسبرج بسبب مشاركة «توني بلير» فيه وحرص على إصدار بيان يفسر موقفه قبل القمة رأى فيه أن قرار «بلير» بدعم غزو أمريكا للعراق هو أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقيا، ومن ثم فإنه من منطلق أن «الأخلاق والقيادة عنصران غير قابلين للانفصال عن بعضهما»، لذا سيكون من غير المقبول لرئيس الأساقفة أن يقوم بتقاسم المنصة في القمة المنعقدة مع «بلير».

 ولقد حاول القس «توتو» شرح وجهة نظره بصورة أكثر وضوحا فيما اتخذه من موقف في مقال نشرته صحيفة الأوبزيرفر البريطانية يوم ٢/٩/٢٠١٢ تحت عنوان: «لماذا لم يكن لدي أي خيار سوى رفض وجودي مع توني بلير؟»، فقد أوضح نقطتين تبادرتا إلى ذهنه عندما فكر في إمكانية أن يتقاسم منصة المؤتمر مع «بلير»..

  الأولى: ان «بلير» وفقا للقانون الدولي، ينبغي أن يكون مسئولا مسؤولية مباشرة عن الغزو غير القانوني وغير الأخلاقي للعراق، بل يعد مسئولا على نحو أدق عن المعاناة التي لحقت بالشعب العراقي.. والنقطة الثانية: ان المحكمة الجنائية الدولية في الواقع تعتبر مدانة نظرا إلى ممارستها سياسة الكيل بمكيالين عندما تقوم بتوجيه الاتهام لقادة أفارقة وآسيويين بسبب الاشتباه في ارتكابهم جرائم، وفي المقابل يُترك «بلير» ليتوجه إلى قمة القيادة في جوهانسبرج، بل يُمنح بالإضافة إلى ذلك ١٥٠ ألف جنيه إسترليني مقابل مشاركته في المؤتمر.

 هاتان النقطتان اللتان أشار إليهما «توتو» في واقع الأمر ثارت بشأنهما مناقشات على نطاق واسع في وسائل الإعلام البريطانية من جانب المعلقين السياسيين ورجال القانون؛ حيث ركزت هذه المناقشات من ناحية في مناقشة المبررات (غير القانونية) لشن الحرب على العراق سواء من حيث الخطأ الذي ارتكبته أجهزة الاستخبارات والذي استند اليه كل من «بلير» و«بوش» في البداية باعتباره تبريرا لغزو ؟؟العراق، وهذا المبرر لا علاقة له بالمحاولات الأخرى لإضفاء الشرعية الأخلاقية على الغزو من قبيل الحديث عن ديكتاتورية ووحشية صدام حسين في التعامل مع شعبه مع العلم أن كلا من بريطانيا والولايات المتحدة كانت تدعم صداما في حربه مع إيران. كما ركزت المناقشات من ناحية أخرى حول ما إذا كان ينبغي أن يكون «بلير» مسئولا عن التداعيات السلبية الناتجة عن قراره بالذهاب إلى حرب كانت لها عواقب دامية وكارثية على الأمة العراقية (حيث استعان «توتو» بأرقام تمت الإشارة لها في مقدمة التحليل).

 وقبل التعرض بالتفصيل لهذين الجدل والنقاش يجب أن نعرف أولا كيف كان رد فعل «توني بلير» على الملاحظات التي أبداها «ديزموند توتو»، فكما هو متوقع عارض «بلير» تعليقات «توتو»، نافيا ما قيل انه تصرف إما بصورة غير قانونية وإما غير أخلاقية فيما يتعلق بشن الحرب على العراق، ذكر «بلير» أنه رغم احترامه الكبير لدور رئيس الأساقفة «ديزموند توتو» في مواجهة نظام الفصل العنصري، فإنه يؤكد أنه من الخطأ تكرار الشائعة القديمة أنهم تعمدوا الكذب بشأن المعلومات الاستخباراتية التي تم الاستناد إليها في اتخاذ قرار الحرب على العراق، مع العلم أنهم أظهروا تحليلا مستقلا لكل الأدلة وبشكل واضح.. وإن أبدى استغرابه موقف البعض ممن لا يجدون أي صلة بين قتل «صدام» لمئات الآلاف من مواطنيه وأخلاقية الإطاحة به.

 وبناء على هذه النقطة الأخيرة فيما يتعلق بالمبرر الأخلاقي لمساعدة المواطنين العراقيين، يذكّر «بلير» بمذبحة «حلبجة»؛ حيث قُتل الآلاف من الأكراد في يوم واحد عن طريق استخدام «صدام» للأسلحة الكيميائية، وكذلك الحرب بين العراق وإيران التي بلغت الخسائر البشرية فيها ما يقرب من مليون قتيل سقط أغلبهم ضحية للأسلحة الكيميائية.. علاوة على ذلك قيامه بتصفية خصومه السياسيين، ومعاملته غير الإنسانية لعرب الأحواز، فضلا عن التعذيب المنهجي لشعبه.. وكل هذه الممارسات قد أقامت الحجة القوية لعزله من الناحية الأخلاقية.

 ورغم الحجج الأخلاقية التي يسوقها «بلير»، فإنه ينبغي تأكيد أن كلا من الحكومة البريطانية والأمريكية لم تكن بحاجة إلى إدانة «صدام حسين» بسبب إصداره أوامر باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الإيرانيين، أو ضد المواطنين العراقيين الأكراد مثلما كان الحال في مذبحة حلبجة، ولاسيما أن «بلير» لم يكن في السلطة حتى عام ١٩٩٧، كما أنه لم يتم انتخاب «جورج بوش» الابن حتى عام ٢٠٠٠، ومع ذلك، يمكن القول إن هذه الحجج كانت في سياق حملة شنها «بلير» و«بوش» وشركاؤهما بهدف تشويه صورة «صدام» من أجل توسيع نطاق «مشروعية» غزو العراق والإطاحة بـ«صدام»، بينما من الناحية السياسية البحتة، كان دعم الحكومتين البريطانية والأمريكية لـ«صدام» خلال حربه ضد إيران بمثابة قرار سياسي واستراتيجي يصب في صالحهما. وبالطبع الكل يعلم أن محاولات «بلير» و«بوش» لإضفاء الشرعية على غزو العراق عام ٢٠٠٣ قد باءت بالفشل، ولاسيما لجهة عدم العثور على ما يسمى أسلحة الدمار الشامل التي أعطت انطباعا بأنها تمثل تهديدا كارثيا وشيكا للاستقرار الإقليمي والعالمي.

ولقد ألمح «جورج مونبيوت» في مقال له بعنوان «قاربنا على رؤية بلير في لاهاي» المنشور في الجارديان يوم ٣/٩/٢٠١٢ إلى هذه النقطة عند تعليقه على محاولة «بلير» تبرير غزو العراق؛ حيث أشار إلى أن القضية الأخلاقية التي شن «توني بلير» بسببها حربه العدوانية على العراق لم توفر الأساس القانوني لتبرير شن الحرب، كما أن تلك القضية الأخلاقية لم تكن هي الدافع وراء الهجوم؛ إذ في سبتمبر عام ٢٠٠٠، قبل أن يتولى كل من «ديك تشيني» و«دونالد رامسفيلد» و«بول وولفويتز» مناصبهم في إدارة «بوش» الابن أصدروا جميعا تقريرا جاء فيه ما يلي: «في الوقت الذي لايزال النزاع قائما مع العراق، فإنه بات هناك مبرر قوي لوجود قوات أمريكية كبيرة في منطقة الخليج كي تتفوق على نظام صدام حسين».. إذًا هنا تكشَّف الغرض من الحرب وهو «الحفاظ على تفوق الجيش الأمريكي»، ويبقى الدافع لخلع «صدام حسين» غير أخلاقي، مع العلم أنه تم تسليحه وتمويله بشتى السبل من جانب الدول الغربية قبل عقدين من الزمن.

 وفي مقال آخر لـ«جون مونبيوت» ولكن هذه المرة على مدونته الخاصة يوم ٣/٩/٢٠١٢ تحت عنوان «خطوة نحو قفص الاتهام»، شكك في مصداقية المبررات التي تقدم بها زبليرس وعدد من المتعاطفين معه.. ولكن قبل دحض المبررات الأخلاقية التي لجأ إليها «بلير» والمذكورة آنفا، فند «مونبيوت» الأُسس القانونية التي استند إليها «بلير» لشن حربه على العراق.

 فبحسب ما أكد المدعي العام البريطاني آنذاك «جولد سميث» هناك فقط ثلاث طرائق يمكن أن يكون أي منها مبررا من الناحية القانونية لشن الحرب: الدفاع عن النفس، والتدخل الإنساني، أو وجود تفويض من مجلس الأمن الدولي.. فبالنسبة إلى للمبررين الأول والثاني فإنهما لا ينطبقان على هذه الحالة.. في حين حاول «بلير» مع حليفه «بوش» وفشل في الحصول على التفويض من مجلس الأمن. وقال له وزير خارجيته آنذاك «جاك سترو» إنه حتى تكون الحرب قانونية: ١) يجب أن يكون هناك هجوم مسلح على دولة أو يجب أن يكون مثل هذا الهجوم وشيكا، ٢) يجب أن يكون استخدام القوة ضروريا ويجب أن تتوافر غيرها من الوسائل الأخرى لتفادي الهجوم، ٣) في أعمال الدفاع عن النفس يجب أن تكون الحرب متناسبة وتقتصر تماما على غرض وقف الهجوم. وهي شروط لم يتوافر أي منها، بينما قال له مجلس الوزراء: «ستكون هناك حاجة إلى مبرر قانوني للقيام بالغزو»، ووفقا لما ذكره بعض كبار الضباط فإنه من الناحية القانونية لم تكن هناك أي مبررات في ذلك الحين.

 ودعما للنقطتين الرئيسيتين اللتين أثارهما رئيس الأساقفة «ديزموند توتو»، يشير «مونبيوت» إلى أنه بدون مبرر قانوني سيعد الهجوم على العراق عملا من أعمال القتل الجماعي؛ حيث إنه تسبب في وفاة ما بين ١٠٠ ألف إلى مليون شخص، ليعد بذلك من بين أكبر الجرائم في العالم على الإطلاق.. في حين لايزال «بلير» ووزراؤه يجيئون ويروحون ويجمعون المال أينما ذهبوا، وهو ما يكشف عن نظام غير سليم للعدالة الدولية ساهم «توتو» في كشف النقاب عن نفاقه.

ولقد ذهب كل من «جورج مونبيوت»، ومحامي حقوق الإنسان البارز السير «جيفري بيندمان» ؟ في تعليقات لهما خلال مناقشة عقدت على راديو بي بي سي (٤) مع اللورد «فالكونر» وزير العدل بالحكومة العمالية السابقة – خطوة أبعد من رئيس الأساقفة «ديزموند توتو» من خلال تحديد الأسس التي يمكن أن تعرض «بلير» للمساءلة عن جرائم الحرب بمقتضى القانون الدولي. ولكن مع ذلك، كان كل منهما سريعا في الإشارة إلى أن مثل هذه الأسس لا تقع حاليا ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يعد عقبة لا تمنع فقط محاكمة «بلير»، ولكنها كفيلة بجعل المحكمة الجنائية الدولية مدانة بازدواجية المعايير، فـ«مونبيوت» يرى أن جريمة «توني بلير» «معروفة بمسميين في القانون الدولي: الأول: جريمة العدوان والثاني: جريمة ضد السلام.. وتحدد وفقا لمبادئ محكمة «نورمبرج» لجرائم الحرب النازية باسم «التخطيط، والشروع، وإعداد أو شن حرب عدوانية»، في حين وقعت حرب العراق خارج إطار مُبَرّر لاستخدام القوة بموجب ميثاق الأمم المتحدة ؟ فبحسب نص المادة ٣٣ يجب على أطراف أي نزاع استنفاد جميع الأساليب غير العنيفة لحل نزاعهم المحتمل.

وبالمثل، اعترف السير «جيفري بيندمان» بأن «بلير» يجب ويمكن أن يُحاكم على أساس ارتكاب جريمة العدوان من منطلق أن الحرب كانت غير قانونية، لأنها تخرق أحكام ميثاق الأمم المتحدة التي تقول إنه يجب على جميع الدول أعضاء المنظمة الامتناع عن استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة.

 ولم يقف اتفاق «جورج مونبيوت» والسير «جيفري بيندمان» مع «توتو» فقط في مسألة وجوب محاكمة «توني بلير» أمام محكمة جرائم الحرب بسبب عدم شرعية غزو العراق وكذلك الآثار السلبية للغزو على الشعب العراقي، وإنما دعم الرجلان أيضا ما ذهب إليه «توتو» من اتهام المحكمة الجنائية الدولية بالكيل بمكيالين، ولاسيما أنها لم تدخل في اختصاصها حتى الآن مسألة التحقيق في جرائم العدوان. كما لاحظ «مونبيوت» أنه رغم قوة الاتهام الموجه لـ«بلير» فإن الوسائل ضعيفة، فقد تم توجيه الاتهام لـ٢٩ شخصا في المحكمة الجنائية الدولية، وجميعهم من الأفارقة (كما تم توجيه الاتهام للمشتبه فيهم في حرب البوسنة أمام محكمة جرائم الحرب بيوغسلافيا السابقة).

ويرى «مونبيوت» أن هناك سببا وراء ذلك فحتى عام ٢٠١٨ على أقرب تقدير، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية مقاضاة الأشخاص على الجرائم التي ارتكبت أثناء حرب غير شرعية، ولكن ليس على جريمة إطلاق تلك الحرب. ورغم أن محكمة «نورمبرج» وصفت العدوان بأنه «الجريمة الدولية العظمى»، فإن العديد من الدول القوية قاومت بصلف محاولة المساءلة على جرائم العدوان، وإن تمت الموافقة في عام ٢٠١٠ على أن يكون من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية المحاكمة على جريمة العدوان ولكن ليس حتى عام ٢٠١٨، أي انها ستكون قادرة على المحاكمة على جرائم العدوان التي ارتكبت فقط بعد ذلك التاريخ.

ومع ذلك فمن الممكن تقديم «بلير» للعدالة من قبل أي دولة من الدول (مجموعها وصل إلى ٢٥ حتى الآن) التي أدرجت جريمة العدوان في اختصاصها المحلي، وبالتالي إذا وطئت قدما «بلير» أيا من هذه الدول، فيمكن القبض عليه وتقديمه للمحاكمة أمام محكمة محلية.

 ومن اللافت للانتباه، أنه اعتبارا من يوم ١١/٥/٢٠١٢ قامت محكمة ماليزية بسابقة رمزية حين حاكمت الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش» الابن، وسبعة أعضاء رئيسيين في إدارته (هم: «ديك تشيني»، «دونالد رامسفيلد»، والمستشارون القانونيون «ألبرتو جونزاليس»، «ديفيد أدينجتون»، «وليام هاينز»، «جاي بايبي»، «جون يو»)، ووجدتهم جميعا مدانين بارتكاب جرائم حرب على أساس الأدلة التي قدمها الضحايا الذين عانوا التعذيب على أيدي الجنود الأمريكيين والمتعاقدين في العراق وأفغانستان.

 مثل هذه المحاكمة في واقع الأمر لا ينبغي الاستهانة بأهميتها الرمزية، نظرا إلى أنها الأولى من نوعها وربما تشجع بعض الدول الأخرى على إجراء محاكمات مماثلة لبعض الأشخاص الذين يشعرون بأنهم فوق القانون، وأنهم لن يتعرضوا للمساءلة عن العواقب الوخيمة لقراراتهم بلعب لعبة الحرب في أي مجال يرونه مفيدا لمصلحتهم الذاتية.

ومن المثير للاهتمام أن المحاولات التي جرت لتفنيد والطعن في كلام «ديزموند توتو» يمكن تصنيفها واعتبارها محاولات من البعض للدفاع عن «توني بلير» إما على أسس قانونية ضعيفة، وإما اختلاق مزاعم حول «توتو» تصل إلى حد التشكيك في نزاهته والمثال الأول الذي يمكن الاستناد إليه، يتمثل في بعض تعليقات اللورد «فالكونر»، في اللقاء المشار إليه في راديو بي بي سي (٤) حيث أعرب عن عدم اتفاقه مع السير «جيفري بيندمان» و«ديزموند توتو»؛ حيث دحض «فالكونر» الادعاء بأن «بلير» يجب أن يُحاكم كمجرم حرب، على أساس أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم ١٤٤١، قدم لـ«بلير» الأساس القانوني للذهاب إلى الحرب، وكذلك رفض القول إن «توني بلير» و«جورج دبليو بوش» تجب محاكمتهما على جريمة العدوان لأنهما قادا الدعوة إلى الحرب استنادا لمبررات كاذبة.. ويصر «فالكونر» على أنه في الوقت الذي كانت تتفاعل فيه الأزمة كان هناك اقتناع تام بأن «صدام حسين» يخزن أسلحة الدمار الشامل.

 ويوضح «فالكونر» أن الخلاف بينه وبين «جيفري» يدور حول: هل القرار ١٤٤١ يتضمن إذنا بالحرب أم لا؟ حيث أكد أن القرار كان بمثابة إذن بالحرب، بيد أنه نفى أن يؤدي الخلاف إلى القول بارتكاب جرائم حرب؛ إذ لفت إلى أن العالم حدد بشكل واضح جدا على مدى العقدين الماضيين ما تعنيه جرائم الحرب؛ حيث تتمثل في: الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتعذيب، وأنه من خلال مجموعة متنوعة من الإجراءات، يتم تقديم أشخاص للمحاكمة بتهمة ارتكاب هذه الجرائم.

وعندما ثار الجدل حول اتهام «توني بلير» بارتكاب جريمة العدوان، لم يكتف اللورد «فالكونر» فقط بتأكيد أن «بوش» و«بلير» كانا يشعران بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، ولكنه أشار أيضا إلى أن أي محاولة لمقاضاة «بلير»، استنادا إلى حجج أخلاقية وإنسانية فيما يتعلق بالتدخل في العراق، ستكون سابقة خطرة، وبالتالي سيكون قادة الدول في المستقبل قلقين بشأن مسألة التدخل بالقوة حتى لو كانت هناك مبررات أخلاقية للتدخل.

إن الجدل الذي أُثير حول التدخل في العراق والقول إنه مشروع أخلاقيا، لم يكونا سوى مجرد محاولة للدفاع عن أفعال «بلير». ومن النماذج الأخرى بهذا الصدد ما أشار إليه «أوليفر كام» في مقاله الذي نُشر بصحيفة التايمز يوم ٣/٩/٢٠١٢، فهو يرى أن صدام حسين كان شخصا مهووسا بأعمال القتل، وبالتالي فإن التدخل في العراق للإطاحة به لا يعتبر جريمة حرب ولكنه عدالة جاءت من السماء نتيجة التغير الذي طرأ في تقييم المخاطر المتعلقة بأمن الدول الغربية بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، وذهب إلى أن معارضي «بلير» ركزوا في المذابح التي وقعت في العراق بسبب إهمال الغرب في التخطيط لما بعد الحرب، ليشنوا هجوما غير مبرر على «بلير» كي يصوروا سياسته على أنها لم تكن سوى «اعتداء وحشي».

 ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن اللورد «فالكونر» رفض تأكيدات الأسقف «توتو» الصريحة بأن القادة الأوروبيين لن يكونوا عُرضة لنفس القدر من الملاحقة القانونية، التي يتعرض لها القادة الأفارقة والاسيويون؛ حيث نوه بأنه إذا كان هناك قادة أوروبيون لم يُقدموا للمحكمة الجنائية الدولية، فإن هناك قائمة كبيرة من قادة البلقان الذين ارتكبوا جرائم وحشية، قد تمت محاكمتهم من قبل محاكم دولية خاصة لجرائم الحرب.

ومن المثير للدهشة، كما تمت الإشارة أن هناك من المعلقين من شنوا هجوما لاذعا على «ديزموند توتو»، وصل إلى حد السخرية والتساؤل حول السلامة العقلية للرجل، في محاولة منهم للفت الانتباه بعيدا عن «توني بلير».. والمثال الأول الدال على استخدام هذه الوسيلة هو مدونة كتبها «جيك ويليس سيمونز» بعنوان «الأسقف ديزموند توتو: نفاق يرافقه الضحك»، التي نشرتها صحيفة التليجراف (المعروفة بمواقفها المؤيدة لإسرائيل) يوم ٣٠/٨/٢٠١٢؛ إذ حاول «سيمونز» تفنيد الانتقادات التي وجهها «توتو» إلى «بلير» من خلال رصد العلاقة بين الأسقف وحركة حماس الفلسطينية؛ التي ستقلب مسألة الأخلاقيات ضده، فمن وجهة نظره فإن «توتو» يُظهر قدرا من النفاق؛ حيث إنه في شهر مارس، اجتمع مع أعضاء من «حماس»؛ التي تنظر إليها بريطانيا والولايات المتحدة على أنها «جماعة إرهابية».. كما أن الأسقف عضو في المجلس الاستشاري لجماعة مثيرة للجدل تسمى مسيرة القدس العالمية؛ التي تهدف إلى عمل مسيرات لمدنيين تتجه نحو مدينة القدس.. وهذا المجلس الاستشاري للجماعة يضم اثنين من أعضاء حماس هما: «زاهر بيراوي» و«أحمد أبو حلبية».

ويزعم «سيمونز» أيضا أن «توتو» لديه تاريخ من المواقف المشكوك فيها أخلاقيا تجاه إسرائيل، ففي العديد من المناسبات، كان يعقد مقارنة (وهي مقارنة صحيحة) بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.. لافتا إلى ما قاله عام ١٩٨٨، عندما وصف «الصهيونية» بأنها «تشبه العنصرية» (وهو وصف صحيح أيضا).

 كذلك كانت هناك محاولات غريبة أخرى لتشويه سمعة «ديزموند توتو» كان منها محاولة «القس بيتر مولن» (الموالي لإسرائيل والمعادي للعرب) في مدونة بعنوان «أينبغي لـ«بلير» الموافقة على مشاركة الأسقف «توتو» في منصته؟ التي نشرتها أيضا صحيفة التليجراف يوم ٢٩/٨/٢٠١٢ حيث حاول «مولن» التقليل من أهمية دور الأسقف «توتو» في مكافحة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.. فـ«مولن» يرى أن دور «توتو» انحصر في انتقاد سياسة الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» في إقامة «علاقات بناءة» مع حكومة بريتوريا، فضلا عن أنه دعا جميع الدول إلى عدم الاستثمار في جنوب افريقيا.. رغم أنه كان يعي تماما أن ذلك ستكون له عواقب وخيمة ستمتد آثارها إلى السود الفقراء.. ويذهب «مولن» إلى أنه لو كان مكان «توني بلير» لكانت لديه تحفظات في الظهور على نفس المنصة مع الأسقف «توتو».

خلاصة القول، إنه سيكون من قبيل المبالغة في التفاؤل الاعتقاد أن الموقف الذي اتخذه الأسقف «ديزموند توتو» سيسبب ما يكفي من ضجة كفيلة برؤية «بلير» في قفص الاتهام في أقرب وقت ممكن، بسبب الغزو غير القانوني للعراق في عام ٢٠٠٣، ولكن مع ذلك، فإن خطب وكلمات «توتو» التي استخدمها لتبرير ما يدعو إليه لها دلالة مهمة، مثلما هو الحال بالنسبة للمحاكمة الرمزية في ماليزيا؛ التي حاولت ملاحقة الرئيس السابق «بوش» ومساعديه؛ إذ من الممكن أن تشجع هذه المحاولات دولا أخرى على اتخاذ خطوات (جريئة) مماثلة، ولاسيما الدول التي قررت إدخال جرائم العدوان في النظام القضائي الخاص بها.

فمثل «توني بلير» وحليفه «بوش» لا ينبغي أن يتركا طليقين هكذا بدون محاسبة على جرائمهما التي سقط وشُرد بسببها مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء سواء في العراق أو في أفغانستان، حتى يكونا عبرة لغيرهما حتى لا يستهينوا بحياة ومصائر الشعوب.. فـ«بلير» و«بوش» مجرما حرب وبالتالي فإن مظاهر التكريم وإغداق الأموال على شخص مثل «بلير»، بل استقباله من جانب بعض القادة العرب هو استهانة بدماء الأبرياء وعدم اكتراث بمعاناة الملايين من البشر ممن كانوا ضحايا قراراتهم وخططهم التآمرية على شعوب المنطقة.. وآخرها دوره المشبوه في محاولات التسوية بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية.

 عن  اخبار الخليج البحرينية

اترك تعليقاً