لا لمفاعل نووي جديد …..الافضل التخلص من الملوثات الاشعاعية

مفاعل تموز النووي

أ.د.عبد الرزاق عبد الجليل العيسى

حصلت وزارة العلوم والتكنولوجيا الرعاية والاهتمام من الحكومات المتعاقبة بعد 2003 من خلال منحها الأموال لشراء الأجهزة العلمية وبرامج تطوير مؤهلات مهارات ملاكها من خلال المشاركات في الدورات التدريبية او منحهم الاجازات الدراسية خارج وداخل العراق. ولكن للأسف لم نجد الانجاز الفعلي في هذه الوزارة وحتى للمشاريع والبرامج التي تبنتها والتي انفقت عليها الأموال الطائلة. لقد عملت على مناقشة مشاريع المسؤولين او أصحاب المبادرات لأكتشف ان معظمها نظرية وبعيدة عن الحقيقة لذا حاول بعض المسؤولين عن المشاريع التي يشوبها الفساد بعدم الحديث عنها امامي وكما حصل لمشروع تصفية الأسلحة الكيميائية. طرح علينا مقترح إعادة تفعيل البرنامج النووي العراقي وكان اعتراضي بضرورة تصفية المشاكل والكوارث التي سببها هذا البرنامج سابقا ودراسة أسبابها والاخطاء التي ارتكبت ثم بعدها يمكن التفكير ومناقشة فكرة انشاء مفاعل نووي سلمي عراقي. لذا على الجنة التي شكلت لدراسة انشاء مفاعل نووي، ضمن الاتفاق الاولي مع فرنسا، ان تكون  واقعية بتوصياتها  وتأجيل التفكير بالإنشاء لغاية تصفية المنشأة السابقة والتي بدأنا بها خلال الاشهر الأخيرة لفترة استيزارنا.

ان زيارتنا الثانية لموقع الطاقة الذرية (مدينة التويثة) في يوم الأربعاء 18 أيار 2018 رافقنا د.ماجد الساعدي، الذي كان له الدور الكبير في انجاز مهمة التخلص من بقايا الأسلحة الكيميائية، هدفها الاطلاع على المفاعلات الثلاثة المتضررة والتحقق من إمكانية تصفيتها ضمن الإمكانيات المادية، الشحيحة، والخبرة العراقية. دخلنا المنطقة الحارة، التي تضم المفاعلات والوحدات الساندة لها، بعد اتخاذ إجراءات الحماية من الاشعاعات حيث كانت مظاهر الإهمال الواضح على معالمها بشكل عام. استمعت الى حديث الخبراء والفنيين عن واقع المنشآت المدمرة والرؤى الأولية عن كيفية تصفيتها والتخلص منها واطلعت على الإجراءات المعتمدة لتصفية مفاعل تموز 2 والإنجاز البسيط الذي لا يتجاوز ال 20% بالرغم من الدعم الدولي المتمثل بالوكالة الدولية لطاقة الذرية في فينا والدورات والورش التي شارك فيها الخبراء والفنيين العراقيين ومنذ عام 2012.

بعد التشاور مع بعض المختصين اتخذت قرار البدء بتصفية مفاعل 14 تموز لخطورته على المنتسبين والمنطقة بكاملها ولأسباب عديدة ومنها ان هيكله الخارجي المهيأ للانهيار كونه قائم فوق الأرض  بارتفاع يبلغ ال 9 أمتار فضلا عن البناية الملتصقة به  والمعرضة للانهدام في أي وقت بسبب القصف الذي طالها في عام 1991.  لقد اتخذنا قرار التصفية بالرغم من ان الفترة التي اعمل فيها هي فترة تصريف اعمال وبعد انجاز الانتخابات واستلام أعضاء مجلس النواب الجدد مهامهم والمباحثات كانت قائمة لتسمية رئيس مجلس وزراء جديد.

لقد استمعت للآراء والخطط المختلفة لعملية تصفية مفاعل 14 تموز وقرأت دراستين لنفس الموضوع وبعدها حسمت الامر، بعد اجتماع ضم مجموعة من منتسبي الطاقة الذرية المتقاعدين وبحضور ممثل من هيئة المستشارين، باتخاذ قرارنا باعتماد أسلوب الطمر او الاحتواء لتصفية المفاعل وليس بعملية التفكيك الذي يحتاج الى مخازن او أماكن امنة لطمر مخلفات المفاعل المشعة.

للأسف ان المسؤول الأول عن الطاقة الذرية كان مع رأي التفكيك معتمدا على أمل انشاء مخزن للمخلفات المشعة في نفس المنطقة ومتناسيا احداث 2003 وهجوم بعض سكان المنطقة من الفقراء والمحتاجين  على الموقع للأستحواذ على حاويات المواد المشعة ليستعملوها في حاجاتهم اليومية مما سبب لهم الامراض السرطانية والتشوهات الخلقية. لقد تم التعاقد على اعداد تصاميم مخزن المخلفات المشعة، المزمع اقامته،  مع الاتحاد الأوربي، قبل استلامي إدارة الوزارة، بمبلغ تجاوز ال 2مليون دولار.

استثمرت تواجدي في فيينا، حزيران 2018، لحضور مؤتمر الفضاء العالمي الذي اقامته منظمة الأمم المتحدة للقاء مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو لغرض اعلامه بالأليات والمعالجات المقترحة من قبل الخبراء العراقيين لتصفية مخلفات مفاعل 14 تموز كونها ضمن سياقات والتزامات العراق الدولية حيث اوعزنا لمسؤول الطاقة الذرية، س، والمخول بالمخاطبات الخارجية للكتابة للوكالة لتحديد موعد للقائنا بمدير الوكالة ولكن الرد الذي وصلني برفضه واعتبار عملية تصفية مخلفات المفاعلات هو شأن عراقي داخلي. أصدرت امر بسحب التخويل من (س) ومنحه للدكتور ماجد الساعدي حيث تمت مخاطبات الوكالة وحدد موعد اللقاء في اليوم الثاني للمؤتمر. لقد تحدثت مع السيد يوكيا أمانو عن حاجتنا لتقيمهم الخطة العراقية لتصفية مفاعل 14 تموز وابداء ملاحظاتهم بالتعديل او الإقرار. لقد ابدى عن استعداده لبذل أقصى درجات التعاون واهتمامه بطلبنا من خلال ايعازه بعقد اجتماع في اليوم التالي مع مسؤولي قسم التعاون التقني وقسم الامن النووي في الوكالة للتشاور بشأن طلبنا حيث تم الاتفاق على التحاق عدد من الخبراء والفنيين العراقيين الى مقر الوكالة الدولية في فيينا خلال اسبوعين للاتفاق على برنامج التصفية التنسيقي يعقبه زيارة الخبراء الدوليين إلى بغداد لمتابعة تنفيذ الخطة العملية المشتركة والإجراءات الخاصة بتصفية المفاعل.

حصلت موافقة الوكالة الدولية على اعتماد خطة العراق بطمر مفاعل 14 تموز بتغليفه بالخرسانة الكونكريتية وبسمك يتراوح بين 1.5 – 0.5 متر، لضمان عدم تسرب الاشعاعات المفاعل فضلا عن عدم انهياره، مع إبقائه مفتوح من الأعلى لضمان استمرارية عملية المراقبة وحساب نسب الاشعاع في قلب المفاعل والتأكد من عدم حدوث أي تفاعلات فيه. تم اعداد تصميم لهيكل خرساني نصف كروي لغلق المفاعل من الأعلى ولكنه مفتوح من الجانب تحرسه بوابة محكمة تستخدم لدخول الاشخاص . احتسبت الكلفة التخمينية، لتفكيك المنظومات المرتبطة بقلب المفاعل مع هدم المباني المحيطة به وإزالة الأنقاض وتغليف المفاعل بالخرسانة، بمبلغ لا يتجاوز ال 500 مليون دينار عراقي.

تم إقرار خطة تصفية المفاعل بعد مناقشة التعديلات مع خبراء الوكالة في فيينا، اب 2018، حيث حضرنا اجتماعات المناقشات لتزامنها مع مؤتمر الدول الأعضاء للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

حصلت موافقة السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي على خطة عملية تصفية مفاعل 14 تموز وتخصيص المبلغ اللازم لها وتمت المباشرة في بداية شهر أيلول 2018.

انجزت مراحل تفكيك المنظومات المرتبطة بالمفاعل وإزالة المواد المشعة وبعد التأكد من نظافة المنطقة التي حول المفاعل وخلوها من الملوثات المشعة تم هدم المباني المحيطة بالمفاعل.

ان الخطة المقرة لتغليف المفاعل بالخرسانة الكونكريتية يجب ان تنفذ بثلاثة مراحل حيث أنجزت منها مرحلتين من خلال تغليف قلب المفاعل بارتفاع 2.5 متر وبسمك 1.5- 1متر وعندها توقف المشروع مع انتهاء مهمتنا في الوزارة بتأريخ 24/10/2018 . ان انجاز المرحلتين ضمنت منع اي تسرب للمواد المشعة من قلب المفاعل ولكن بقي الخوف من مؤشر انهيار الجزء العلوي من المفاعل والذي يمكن ان ينجز كمرحلة ثالثة بفترة زمنية لا تتجاوز الشهر ولكن للأسف بقي الحال كما تركناه مع العلم ان المبلغ المخصص لإنجاز المهمة كان متوفر ضمن موازنة 2018.

لقد كانت الأوليات التي تشير للكلفة التخمينية، التي اعدت قبل استلامنا للوزارة، لتصفية منشئات موقع التويثة مقدرة ب 86 مليار دينار عراقي مع مقترح احالتها الى شركات اجنبية، أصحابها عراقيين في الخارج واحدهم قابلني في مؤتمر الطاقة الذرية في فيينا، ولكن مذكرة تعديل الكلفة قدمت لنا في أيلول 2018 ومن دون ان نطلبها، قدر مبلغها ب 6.7 مليار دينار أي اقل من 10% من الكلفة المقدرة سابقا والمعدة من قبل نفس الاشخاص لذا تم إحالة القضية الى الجهات المعنية بمتابعة ملفات الفساد وبضمنها هيئة النزاهة.

ختاما أوصي المسؤولين عن برامج الطاقة الذرية بالعمل سريعا على اكمال تصفية المنشأة القديمة، والتي تعتبر بؤر للتلوث الاشعاعي، فضلا عن التخلص من الملوثات الاشعاعية المنتشرة في بعض المحافظات العراقية والموثقة في دوائر العلوم والتكنولوجيا ووزارة البيئة وإنقاذ العراقيين من احد مسببات الامراض السرطانية. وضرورة  القيام بالدراسة العلمية العميقة في الوقت الحالي أو في المستقبل قبل البت بأنشاء مشاريع سبق وان سببت الكوارث على العراق وكما نقول دوما اتقوا الله  وارحموا العراقيين واعملوا من اجل مستقبل ابنائكم.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.