الرئيسية / عربي و دولي / كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية في الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية الدورة العادية(150)

كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية في الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية الدورة العادية(150)

المستقلة – القاهرة – وليد الرمالي

القي السيد احمد ابوالغيط اليوم كلمة هامة في
افتتاح المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية وكان نصها كالتالي :

معالي السيد الدكتور الدرديري محمد أحمد الدخيري
​​​​​وزير خارجية جمهورية السودان
أصحاب السمو والمعالي الوزراء،
أصحاب السعادة السُفراء،
السيدات والسادة،
​اسمحوا لي في البداية أن أتقدم بخالص التهنئة لكم جميعاً بمناسبة حلول العام الهجري الجديد، عسى الله أن يجعله عام خير وازدهار، وأمن واستقرار على الأمتين العربية والإسلامية.. وأرجو من الله العلي القدير ألا يمر عامنا هذا إلا وقد اطمأن الخائف، وعاد اللاجئ والنازح ، وأغيث الملهوف والمكروب من أبنائنا الذين يُكابدون المعاناة ويتحملون الألم في الدول التي يُمزقها الصراع والإحتراب.
اسمحوا لي أن أتقدم بالتهنئة لمعالي الدكتور الدرديري محمد أحمد الدخيري، وزير خارجية جمهورية السودان على تولي بلاده رئاسة أعمال الدورة 150 للمجلس الوزاري مُتمنياً كل التوفيق والنجاح لأعمالها، كما أتقدم بالشكر لمعالي السيد عادل الجبير، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، الذي قاد أعمال الدورة المنقضية بكل اقتدار ومهنية وحكمة.
السيد الرئيس،
تستمر سنوات الشِدة العربية، ويتواصل في ذات الوقت صمود العرب في مواجهة التحديات والمخاطر.. لا زالت الأوضاع في مناطق الصراع تدعو للقلق الشديد، بل وتتصاعد خطورتها، كما في الحالة السورية، ومؤخراً في ليبيا .. على أن الأسوأ قد يكون وراء ظهورنا … فقريباً سوف يحل وقتُ مداواة الجراح وإعادة البناء وعودة اللاجئين لديارهم، وإعادة إعمار ما تهدم، واستعادة روح الأمل والتحدي.
ها هي المدن التي دنستها جحافل العصابات الإرهابية الداعشية تتنفس نسائم الحرية من جديد .. وها هو العراق يُحقق نصراً غالياً، ويُجري انتخابات تُعزز استقراره وسيادته على كامل التراب الوطني … إن قوى الإرهاب ما زالت كامنة في الأركان، وخلاياه رابضة في الشقوق .. غير أن قدرتنا الجماعية على مواجهة هذا الفيروس الخطير قد تعززت بعد أن صارت لدى مجتمعاتنا إرادة النصر والصمود ودحر الإرهاب واستئصال شأفته .. وسيذكر التاريخ بكل الفخر التضحيات التي سطرها أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للدول العربية كافة في هذه المرحلة الخطيرة من أجل الدفاع عن أمننا وإنسانيتنا في مواجهة مغول العصر.
السيد الرئيس
تتعرض القضية الفلسطينية لهجمة شرسة لا زالت فصولها تتلاحق أمام أعيننا .. ثمة رغبة أمريكية غير مسبوقة في إفراغ القضية الفلسطينية من محتواها القانوني والسياسي والتاريخي والإنساني.. ونقول في عبارة واضحة: ماذا يتبقى من القضية الفلسطينية إذا أبعدت قضايا القدس واللاجئين من الطاولة؟ علام يتفاوض الفلسطينيون إذن؟ أي معنى يبقى لحل الدولتين الذي أيدته القمة العربية ويسانده المجتمع الدولي؟
اليوم .. يجري نعت القيادة الفلسطينية بالتصلب والتعنت.. يقولون إنها ترفض صفقة لم تُعرض عليها بعد.. ولكن المؤشرات والدلائل ماثلة أمامنا جميعاً.. هي ليست شكوكاً في النوايا، ولا رجماً بالغيب.. وإنما جملة من الأفعال والسياسات والتصريحات تواترت وتلاحقت عبر العام الماضي.. فقد جرى الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، في تحدٍ للإرادة الدولية، وليس فقط العربية أو الفلسطينية…واليوم تنفض الولايات المتحدة يدها من الأونروا، مطالبة بتفكيكها واستبدالها.
إن الهدف مكشوف ويتجاوز مسألة المساهمة المالية إلى التشكيك في شرعية الأونروا ذاتها –وهي منشأة بقرار أممي- وضرب مصداقيتها، تمهيداً للتشكيك في قضية اللاجئين برمتها، وكأن من أخرجوا من ديارهم قبل سبعين عاماً كانوا أشباحاً، وكأن أبناءهم وأحفادهم فقدوا الحق في الوطن الذي طرد منه الآباء والأجداد.. لو أن الأمر بهذه البساطة، ولو أن التاريخ يُكتب بهذه الصورة المجحفة، فعلام كان الصراع من الأصل؟ أليست القضية الفلسطينية، في جوهرها وأساسها، قضية أرض اغتُصبت وشعب شُرد لاجئاً ونازحاً؟
إن الموقف العربي واضح من قضية اللاجئين.. وسقفه هو المبادرة العربية للسلام التي تبنتها القمة العربية في مارس 2002 .. “التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194” .. مع رفض كل أشكال التوطين… لم يرفض العرب أو الفلسطينيون التفاوض بل هم سعوا إليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.. ما نرفضه اليوم هو أن يُفرغ التفاوض من أي مضمون، وتُغلق قضاياه الرئيسية واحدة تلو الأخرى قبل أن يبدأ الحديث حولها.. فهذا ليس تفاوضاً بأي حال، وإنما فرض لإرادة طرف، وترسيخ لواقع الاحتلال.
السيد الرئيس
يخطئ من يظن أن إجراءات مثل غلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن ستؤدي إلى تطويع الإرادة الفلسطينية.. يخطئ من يظن الفلسطينيين يقفون وحدهم .. يُخطئ من لا يُدرك دلالة تسمية القمة العربية الأخيرة في الظهران بقمة القدس .. حقيقة الأمر أن من يريد عزل الفلسطينيين لا ينجح سوى في عزل نفسه .. ها هي الإرادة الدولية تجتمع في يونيو الماضي على استصدار قرار أممي (بتأييد 120 دولة واعتراض ثمانية دول فقط) يدعو لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني بعدما تعرض أبناؤه من المتظاهرين السلميين للقتل بدمٍ بارد على يد قوات الاحتلال.. وها هي إٍسرائيل تتراجع عن مسعاها في الترشح للعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن بعد أن ووجهت بحقيقة الرفض الدولي لمسلكها وسياستها.. وأخيراً، ها هي دولة من أقصى الأرض تضع المبادئ قبل المصالح، والحق فوق القوة.. في 5 سبتمبر الماضي قررت الحكومة الجديدة في باراجواي الرجوع عن قرار اتخذته الحكومة السابقة بنقل سفارتها إلى القدس .. دعوني أحيي باسم هذا المجلس باراجواي ورئيسها الجديد “ماريو عبده” الذي بادر –بشجاعة واستقامة- إلى تصحيح الخطأ، وأعاد الأمور إلى نصابها.. وقد أرسلتُ له كتاباً بالأمس أشد فيه على يده، وأعبر له عن مشاعر العرفان والتقدير التي يحملها العرب جميعاً لهذا القرار النبيل.
إن الفلسطينيين سيخوضون معركتهم كما عودونا، بصلابة وإقدام.. وهم يحققون انتصارات حقيقية على ساحة الدبلوماسية والرأي العام العالمي.. لا أحد في العالم يُقر بتفكيك منظمة ترعى نصف مليون طفل لاجئ في المدارس، وخمسة ملايين إنسان يحتاجون العمل والعلاج والغذاء.. ولا أحد يقبل المنطق الإسرائيلي العنصري الذي يربط حقوق المواطنة بالديانة اليهودية، فيسلب 1.8 مليون إنسان من فلسطيني الداخل حقهم في أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة.. الضمير العالمي يأبى الإقرار بهذه المظالم … ونحن نراهن على أن يظل الاحتلال معزولاً ومكروهاً من الجميع.

السيد الرئيس
أنوه باستفحال بعض الأزمات العربية.. الوضع في سوريا يدمي قلوبنا، حيث السكان المدنيون في إدلب محاصرون بين سندان الإرهاب الأسود ومطرقة النظام وحلفائه.. لا أحد منا يرغب في ضياع سوريا الوطن .. ولا أحد منا يريد لسوريا الدولة أن تربح الحرب وتخسر الشعب.. كلنا يريد استعادة سوريا العربية التي نعرفها.. بتركيبتها السكانية التي نعرفها.. باستقلالها الحقيقي من دون تبعية أو تدخل خارجي .. لا مخرج حقيقيا سوى بمصالحة جادة تشمل المجتمع بكل أطيافه وطوائفه إلا مع من مارس منهم الإرهاب واستحل الدم.. لا بديل عن عملية سياسية يشترك فيها الجميع وتجد فيها المعارضة المدنية المعتدلة تمثيلاً حقيقياً، تحت مظلة الأمم المتحدة والقرار 2254.
السيد الرئيس
إن الوضع في اليمن لا زال يعكس إصراراً من ميلشيات الحوثيين، مستندين إلى حلفائهم في طهران، على التمترس خلف موقفهم الإنقلابي ورفض أي حلول وسط .. حتى أنها استنكفوا الحضور إلى المحادثات التي دعا إليها المبعوث الأممي في جنيف قبل أيام متذرعين بحجج واهية.. إنهم يتحملون المسئولية عن معاناة الشعب اليمني، ويمثلون خطراً داهماً على الأمن العربي-خاصة في منطقة البحر الأحمر- يتعين الاستمرار في مجابهته والتصدي له.
أما الوضع في ليبيا، فقد تعرض مؤخراً لانحدار جديد إلى العنف في طرابلس، وبما يبعدنا أكثر عن تحقيق التوافق الدستوري وعقد الانتخابات المنشودة.. ومن الجلي تماماً أن هناك ميلشيات وعصابات تقتات على الفوضى وتسعى إلى تمديد حالة الصراع لأنه لا حياة لها بغير استمرار فوضى السلاح وغياب السلطة والنظام العام .. هؤلاء الانتهازيون يتحملون النصيب الأكبر من معاناة أهلنا في اليمن وليبيا.
السيد الرئيس
لا أريد الإطالة ولكن أكتفي في آخر حديثي بالتنويه بحدثين مهمين.. الأول هو منتدى التعاون العربي الصيني الذي عُقد في بكين في شهر يوليو الماضي.. وانتهى إلى الخروج بإعلان بكين، وإعلان تنفيذي عربي-صيني يتعلق بمبادرة الحزام والطريق.. والمنتدى، وغيره من المنتديات المشتركة مع القوى الاقتصادية الرائدة في عالم اليوم، يُعد أولوية رئيسية على أجندة العمل العربي المشترك في المرحلة القادمة … والجامعة العربية تحرص كل الحرص على توسيع دائرة الشراكات العربية مع العالم .. إن هذه الشراكات تفتح خيارات وإمكانيات أمام الاقتصادات العربية والاستثمارات العربية والقدرات البشرية العربية .. وتعطينا الفرصة للتحدث مع شركائنا ككتلة واحدة، مما يمنحنا ثقلاً ووزناً.
وفي نفس هذا السياق، فإنني أدعو إلى بذل أقصى الجهد في التحضير الجماعي الجيد للقمة الاقتصادية القادمة في بيروت في يناير القادم بإذن الله.. وأتصور أنه من المهم الحفاظ على دورية انعقاد القمة الاقتصادية كل أربعة أعوام، ذلك أن المرحلة القادمة تستوجب توجيه العمل العربي الجماعي بشكل أكبر إلى هذا الجانب، سواء فيما يتعلق بتعزيز التعاون الاقتصادي أو تحقيق الربط بين خطط التنمية المختلفة، أو تنسيق الجهد المشترك لإعادة الإعمار.
وأصارحكم بكل صدق وتجرد بأن الأمانة العامة لجامعتكم تسعى بكل ما أوتيت من جهد وما توفر لها من إمكانيات إلى الحفاظ على هذه القنوات الضرورية للتنسيق العربي الذي يشمل مجالات أوسع كثيراً وربما أبعد أثراً من السياسة .. وأدعو الدول العربية مخلصاً ألا تضع الأمانة العامة في موقف العجز أو التقصير بسبب غياب الإمكانيات أو ضعف الإرادة.. إننا نُشارف نهاية عامنا هذا، ولم تتلق الأمانة سوى أقل من نصف مساهمات الميزانية.. وهو موقف لابد وأن يزعج كل حريص على العمل العربي المشترك، وكل من يعرف قيمة هذا العمل وتكلفة غيابه أو تراجعه.
ندعو الله أن يوفقنا إلى ما فيه خير الشعوب ورفعتها، وصلاح الأمة وعزتها.
شكـــــراً سيادة الرئيس

اترك تعليقاً