الرئيسية / سياسية / قرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن الانتخابات يكشف إرادة المشرع الدستوري

قرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن الانتخابات يكشف إرادة المشرع الدستوري

 

د.بشار نصر الدين الحطاب

  باحث في القانون الدستوري

   كشف قرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن الطعن رقم (99/اتحادية/ 2018) المقدم على قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب رقم (45) لسنة 2013 عن إرادة المشرع الدستوري في ارساء مبادئ الحكم الديمقراطي الملازمة لوسائل التدوال السلمي للسلطة، حيث بينت فى قرارها  الطبيعة الآمرة لقواعد الدستور، وعلوها على ما دونها من القواعد القانونية، وضبطها للقيم التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة، مما يستوجب العمل بها إخضاع القواعد القانونية جميعها – وأياً كان تاريخ العمل بها – لأحكام الدستور، لضمان انسجامها مع المفاهيم التي تناولتها، فلا تتفرق هذه القواعد فى مضامينها باختلاف النظم السياسية التي يناقض بعضها البعض، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التي تطلبها الدستور كشرط لمشروعيتها الدستورية. 

وقد أكدت في حيثيات حكمها أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يضع القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، ويرتب الضمانات الأساسية لحماية الحقوق والحريات العامة، ويرسم  لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها، وأن أختصاص السلطة التشريعية بسن القوانين دون غيرها يستوجب  أن تمارس وفق القيود الضابطة لنشاطها، بما يحول دون تجاوز القواعد الدستورية، لاسيما تلك التي رسمت طريق ممارسةالإرادة الشعبية لحقها في المشاركة في الشأن العام خصوصًا دورها في مراحل تكوين السطة التشريعة، وبصدد قرار المحكمة الاتحادية العليا بشان دستورية بعض أحكام قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب، نورد في بعض جوانبه الملاحظات الأتية:

1-   أكد القرار أن إسباغ الصفة القضائية على أعمال القضاة المكونين لمجلس مفوضية الانتخابات كجهة عهد إليها المشرع بإدارة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لحين المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات، لاينال من استقلال السلطة القضائية ولكنها تعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائي الذي يغلب على تشكيله الطابع القضائي حيث تتوافر في أعضائه ضمانات الكفاية والحيدة والاستقلال، لكونه مقصورًا على عناصر قضائية خالصة، تم اختيارها ليس على أساس شخصي، وإنما بحكم مناصبهم الوظيفية.
2- إن المادة (3) من قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب المقضي بعدم دستوريتها قد رتبتالحرمان من ممارسة الحقوق السياسية للناخبين العراقيين في الخارج، وانتخابات الحركة السكانية لمحافظات معينة (وانتخابات النازحين قي المخيمات وانتخابات التصويت المشروط وانتخابات التصويت الخاص في اقليم كردستان. فإنه بذلك يكون القانون قد رتب جزاء، يوقع تلقائيًا، ودون حكم قضائي، بما يمثل افتئاتاً من السلطة التشريعية على اختصاصات السلطة القضائية، وانتحالاً من المشرع لهذا الاختصاص، وذلك بالمخالفة لنص المادتين (47 ,61) من الدستور.  فضلاً عن تبنيه تقسيمًا تشريعيًا بين المواطنين لا يرتكن إلى أسس منطقية، وما استتبعه ذلك من انفصال أحكام القانون عن أهدافه التي عبر عنها في اسبابه الموجبة بالحفاظ على النظام الديمقراطي في العراق، ليكون اتصالها به واهيًا، وليغدو التمييز الذي أورده مستندًا إلى وقائع يتعذر حمله عليها، ومصطنعًا لفوارق غير حقيقية بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة وهم شريحة الناخبين، بما يوقعه في دائرة مخالفة مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، المقررين بالمادة (16,14) من الدستور .
3- تناولت المادة (3) من قانون التعديل الثالث لقانون الانتخابات استثناء مراكز الاقتراع التي جرت الانتخابات فيها وفق نظام الكوتا للاقليات مخالفة صريحة لاتجاه الدستور في المادة (14) منه الذي أكدعلى مساواة العراقيين أمام القانون دون تمييز، ليقوم المجتمع على أساس المواطنة، حيث أنه من المقرر في قضاء المحكمة الاتحادية العيا أن مبدأ المساواة أمام القانون ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها، وأساسًا للعدالة والسلام الاجتماعي غايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها،باعتباره وسيلة لتقرير الحماية المتكافئة التي لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة، ونظام الكوتا للاقليات لايتعدى كونه مظهرًا من مظاهر التمييز الايجابي الذي يهدف إلى مشاركة شرائح اجتماعية معينة في صنع القرار، وقوام ذلك حق المواطنين في الترشيح والانتخاب، وتمكينهم من ممارستها، باعتبارها إحدى الوسائل الديمقراطية للتعبير عن أرائهم واختيار ممثليهم في إدارة دفة الحكم، وتكوين المجالس النيابية التي تُعد أهم مظاهر وتطبيقات ممارسة السيادة الشعبية
4- أكدت المحكمة الاتحادية العليا في معرض حديثها عن دستورية المادة (1) من قانون التعديل الثالث على حق السلطة التشريعية في الزام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بإعادة العد والفرز اليدوي لكل المراكز الانتخابية في عموم العراق، كوسيلة بديلة عن العمل بجهاز تسريع النتائج الالكترونية التي شابها القصور الذي لم يخفى أمره على أعضاء مجلس النواب نتيجة ما كشفت عنه تقارير لجنة التحقيق البرلمانية ذات الصلة واتجاه المجلس في غالبيته، لتأييدها، وإقراره لمقترح التعديل الثالث على قانون الانتخابات، ما يوحي بانسجامه مع قصد الأغراض التي كان يهدفها، وهو الأمر الذي يؤكد عموميته وتجريده، عما يوصمه بعيب الانحراف التشريعي. وذلك باعتماد النتائج على أساس العد والفرز اليدوي، ويشمل هذا العد والفرز الخيار التنظيمي في إطار السلطة التقديرية التي عقدها الدستور لمجلس النواب، وتمثل جزء من الإجراءات التي يعتد بها بغية الوصول إلى الحقيقة التي تصون إرادة الناخبين من التلاعب بها أو مصادرتها.

 

                                                                       

‏‫

اترك تعليقاً