الرئيسية / مقالات مختارة / قراءة في  كيفية تشكيل الحكومة المقبلة

قراءة في  كيفية تشكيل الحكومة المقبلة

سعد الكناني

 

انتهت الانتخابات البرلمانية في العراق بكل ما لها وعليها من ايجابيات وسلبيات، وهي انتخابات وصفها احد المرشحين المشاركين فيها بأنها لم تكن انتخابات بالمعنى التنافسي المتعارف عليه، بل كانت معركة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، من حيث الخطاب السياسي المتبادل بين المتنافسين، واستغلال وسائل القدرة التي يمتلكها كل طرف من أجل التأثير على الناخبين وإضعاف خصومه، واستثمار الامتدادات الإقليمية والدولية لجميع الأطراف قبل وبعــد الانتخابات من أجل رسم ملامح المرحلة القادمــة، وهي مرحلة سيكون من ابرز تحدياتها كيفية تشكيل الحكومة؟.

المالكي سيأخذ نفس المسار لعام 2010 ولن يسلم الحكومة بشروط الاخرين ،ومن هنا  ستولد  الحكومة الجديدة ولادة صعبة وعسيرة، بسبب طبيعة الصراعات المأزومة التي تجري بين القوى السياسية في العراق، وانعدام البوصلة الهادية لصناع القرار للعمل بما يحقق الصالح العام للشعب. وقد تستغرق وقتا في حال تشكيلها لا يقل عن ثمانية أشهر إلى سنة بعد اعلان النتائج الانتخابية .

والحكومة القادمة سوف تتشكل في بيئة إقليمية ودولية ملتهبة تؤثر في سياساتها العامة والتفصيلية، وفي موازين القوة بين شخصياتها القيادية ومكوناتها السياسية، وستمارس عليها ضغوط غير نمطية من قبل الاستقطابات الإقليمية والدولية.وستكون الفيصل في الحكم على إمكانية بقاء العراق كدولة تتمتع بوحدتها السيادية الحالية أو تفتح الباب لمشروع تقسيم العراق  كما يرغب له “البعض” ليأخذ طريقه إلى التطبيق العملي ضمن مدى زمني متوسط قد يستغرق من 10 إلى 12 سنة القادمة.

وهناك من يرى احتمالية حصول إحدى الكتل السياسية المتنافسة في الانتخابات البرلمانية على أغلبية أصوات الناخبين العراقيين، وبالتالي أغلبية مقاعد البرلمان العراقي، مما يؤهلها لتشكيل الحكومة دون الحاجة إلى إجراء “صفقات” تقوم على المحاصصة مع بقية الكتل، وتكون حكومة متجانسة ومتماسكة وتعمل كفريق واحد من اجل مصلحة الشعب وتطبيق برنامجها الانتخابي المعلن، فيما يأخذ بقية خصومها موقع المعارضة في البرلمان. وستكون نتائج هذا السيناريو في حال تحققه كبيرة جدا، على مستوى قوة الحكومة وقدرتها على تنفيذ برامجها، ومستوى المعارضة التي ستنشغل فعلا بمراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها عند تقصيرها، لاسيما عندما تعمل الحكومة والمعارضة بهدف واحد هو تحقيق المصلحة العامة وإعادة الاعتبار للعراق كشعب ودولة.

لكن على الرغم من ايجابيات هذا السيناريو الكثيرة جدا إلا أن معطيات الساحة السياسية العراقية الحاضرة والمؤشرات الأولية للانتخابات لا تشجع عليه ولا تشير إلى إمكانية تحققه، وحتى لو تحققت الأغلبية فرضا لمصلحة كتلة ما، فستستثمر هذه الكتلة الفرصة لطرد منافسيها واحتكار السلطة لمصلحتها الخاصة حتى لو تعارض سلوكها هذا مع الصالح العام، طالما استمرت منظومة القيم والممارسات السياسية السائدة في العراق اليوم على حالها.

إذا فهذا السيناريو مستبعد حصوله، ولا يمكن تصوره للحكومة القادمة.ويبدو من خلال هذا السيناريو أنه ربما تحصل إحدى الكتل السياسية الشيعية المتنافسة على أغلبية مؤثرة في فضائها الشيعي – الطائفي، دولة القانون مثلا، تجبر من خلال ذلك بقية الكتل الشيعية على احترام وجودها، والتحالف معها، بعد فتح قنوات التفاهم والتفاوض مع الكتل الكردية والكتل العربية السنية او ما يطلق عليه “سنة المالكي” ، لتشكيل حكومة ائتلافية، تعيد إنتاج حكومة “الشراكة الوطنية “الحالية الفاشلة، فتكون الدولة أمام حكومة ضعيفة غير مستقرة، وبرلمان ضعيف غير قادر على الحسم، فيزداد انحدار دور الدولة على مستوى المدى والقدرة، وقد تلجأ الحكومة الاتحادية لتلافي ضعفها، والتخلص من النقمة والسخط الشعبي المتصاعد عليها إلى تفعيل مشروع الأقاليم أو الإدارة اللامركزية الواسعة في العراق لنقل كثير من ملفات الحكم والإدارة إلى حكومات هذه الأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة بإقليم.

فتستمر الخلافات والصراعات بين الكتل، وتتعمق الشقة بين المكونات على المستوى الاثني والديني، وتبقى كثير من الملفات والقوانين معلقة في ظل تردي الواقع الأمني والخدمي والبنيوي للدولة وتصاعد مستوى الفساد في الحكم والإدارة، وربما سيكون هذا السيناريو هو الأقرب إلى التحقق، ولكي تنجح هكذا حكومة وتتخلص من سلبيات حكومة الشراكة الحالية عليها تبني قواعد “الديمقراطية التوافقية” الصحيحة والمعمول بها في البلدان المتقدمة التي مرت بأوضاع مشابهة للوضع العراقي الحاضر، وقطعا لن يكون لبنان أنموذجا لهذه الديمقراطية لأنه نموذج محكوم عليه بالفشل عاجلا أم آجلا.

وفي مقدمة هذه القواعد وأهمها إطلاقا وجود النخبة السياسية الممثلة تمثيلا حقيقيا لمكوناتها الاجتماعية، والتي تمتلك نزعة وحدوية حسنة النية في التعامل فيما بينها من أجل تصفير المشاكل والأزمات ومنع تراكمها، وتحويل مشاعر الانقسام والتنافر في القاعدة الشعبية إلى مشاعر اتحاد وانسجام وتعايش لدى النخبة، تنعكس بشكــــــل واضح في أداء الحكومــــــة على مستوى التشريعـــــــات والممارســــات.

أن انزلاق العراق لأي من القراءات أعلاه عند تشكيل حكومته القادمة، يعتمد اعتمادا كبيرا على طبيعة العقلية التي تمتلكها نخبه السياسية الفاعلة، ومدى استعدادها للتحول من مرحلة بناء السلطة وعقلية رجال المعارضة إلى مرحلة بناء الدولة وعقلية رجال الدولة، ولعل من الأمور المفيدة التي يمكن أن تيسر وتعجل عملية التحول هذه ” تجاهل المعيار الطائفي والأثني” قدر الإمكان عند تشكيل الحكومة، والانطلاق من المعيار الوطني في رسم ملامح المرحلة القادمة لاختيار المسؤول الأكفأ والأصلح. وكذلك  ضرورة امتلاك “مشروع وطني شفاف “وقابل للتحقق يستهدف تحقيق العدل في الحكم، والعدالة في التوزيع، والاستثمار الأمثل للثروات البشرية والاقتصادية، ويستند إلى منظومة أخلاقية وطنية رائدها التعايش والسلم الأهلي وتجفيف منابع التوتر والأزمات، يشرف على انجازه أناس قادرون على فهم بيئتهم الداخلية والخارجية ويحسنون التعامل معها. وحمى الله العراق.

 

اترك تعليقاً