فيروس كورونا: تأمّلات ممارس صحي عام متخصص في علم الوبائيات

إنيس باريز

مدير شعبة الصحة والتغذية والسكان –البنك الدولي

 

لا ينقضي يوم واحد الآن دون أن يغمرنا وابل من المقالات الطبية والنشرات الإعلامية التي تتناول التطورات السريعة لفيروس كورونا المستجد الذي يُطلق عليه COVID-19. ولهذا ما يبرره حقاً، بعد أن تفشى الوباء عالمياً ليبلغ عدد المصابين به نحو 100 ألف حالة مؤكدة على مستوى العالم.

ولا يسعني سوى التساؤل حول كيفية تعامل الجمهور العام مع هذا الكم الهائل من المعلومات، في الوقت الذي أجدها عصيّة على الاستيعاب والفهم وأنا الطبيب المُدرّب والأخصائي في علم الوبائيات والممارس في مجال الصحة العامة على مستوى العالم. وكيف لنا أن ننتظر من عامة الجمهور التعامل معها جميعاً والتمييز بين ما هو غث وما هو سمين منها، وتفادي المتاجرة بالخوف وتأجيجه؟ فواقع الأمر أنك لن تُصاب بفيروس كورونا حال استلمت طرداً قادماً من الصين أو إذا تناولت الطعام في أحد المطاعم الصينية، مع وجوب الالتزام بأحدث المستجدات ذات الصلة ومواكبة التغييرات الواجب تفعيلها على السلوكيات الأساسية. فبيت القصيد في النهاية هو التواصل مع الجمهور العام بالرسائل والإرشادات الصحيحة والتي تضمن الامتثال إلى أفضل الممارسات المستندة إلى أسس علمية. وعلينا أن نتساءل، هل كان بإمكاننا تحقيق أفضل مما حققناه، في ظل انتشاره في المجتمعات المحلية في نحو 20 بلداً من مناطق مُختلفة حول العالم؟

للإجابة على هذا السؤال، علينا العودة إلى مطلع شهر يناير/كانون الثاني، وتجاوز ما تسبب في تفشيه منذ البداية. يتزايد التداخل والترابط بين العلوم البيئية للبشر وللحيوانات – فلننظر مثلا إلى قطع غابات الأمازون لأغراض الزراعة وتربية الماشية، أو القطع الجائر لأشجار غابات كاليمنتان من أجل إنتاج زيت النخيل. ومن المتوقع أن يتزايد ظهور الأمراض حيوانية المنشأ التي تصيب الإنسان نتيجة للتقلبات المناخية والبيئية السريعة، ومع استمرار زحفنا كبشر باتجاه مناطق الحيوانات، بما في ذلك الكائنات الناقلة للآفات والأمراض الحيوانية التي تُصيب الإنسان. بل ونستمر في صيد ونقل وتناول الكثير من تلك الحيوانات كطعام، متغافلين تماماً عن المبادئ الأساسية لنظافة الأغذية.

وخلال الفترة بين خروج مارد فيروس كورونا من قمقمه حتى الإبلاغ عن أول حالات الإصابة، والتي قد استغرقت بضعة أسابيع عادة، يكون العنصر الأهم هو سرعة اكتشاف التركيب الوراثي للفيروس وخصائصه، ولا تقتصر أهمية ذلك على البدء في إجراءات تطوير لقاح وعقاقير، بل للتعرّف أيضاً على أكبر قدر من المعلومات حول آليات انتقاله. وأود أن أركز في هذا المقام على آليات الانتقال.

فلا شك أن معظمنا قد سمع عمّا يعرف بعدد التكاثر الأساسي (R0) – R naught أو R zero حسبما يشار إليه، وهو عدد الحالات الجديدة التي يمكن لحالة إصابة واحدة نقل العدوى إليها في المُجتمعات غير المحصنة والمعرضة للإصابة. وجميعنا يعلم أنه إذا كانت قيمته أكبر من الواحد (R0>1) فهذا يعني انتقال العدوى، أي أن الشخص المصاب سينقل المرض إلى أكثر من شخص. ومن المقدر أن يبلغ عدد التكاثر أو R0 لفيروس كورونا نحو 2.2 (أعلى من الإنفلونزا الموسمية).[1] وكي تتمكن تدخلات الصحة العامة من منع انتشار الفيروس وانتقاله، فإن هذه القيمة تكون في حد ذاتها أقل أهمية من فهم العناصر الأربعة المُستخدمة في تقدير القيمة والتصرف بناءً عليها. أول تلك العناصر هو فترة الإعداء أو القدرة على إحداث العدوى (D)، بسبب الإصابة بفيروس كورونا، من شخص مُصاب إلى آخر مُعاف. وتزداد أهمية ذلك عندما تبدأ قدرة الفيروس على الانتقال قبل انتهاء فترة الحضانة، أي قبل أن تظهر الأعراض على المريض، كما هي الحالة مع فيروس كورونا.

والعنصر الثاني هو فرصة انتقال الفيروس (O) إلى شخص آخر. حيث يشيع حدوث ذلك نتيجة لتعامل شخص مصاب مع المحيطين به من أفراد أسرته أو المخالطين له في مجتمعه أو زملائه في العمل أو المدرسة؛ حيث ينتقل عبر الهواء أو الماء أو الأسطح؛ أو من خلال التواجد في أي تجمعات جماهيرية ضخمة (كمباريات كرة القدم ومواسم الحج والحفلات الموسيقية على سبيل المثال لا الحصر)، بينما يكون حاملا للفيروس وقادراً على نقل العدوى. ويمكن أن تصل فرصة انتقال الفيروس (O) إلى الصفر، أي تنعدم تماماً فرصة نقله للغير، إذا ظل الشخص معزولا تماماً نتيجة مرضه الشديد أو احتجازه بالمُستشفى! ولا يسري ذلك إلا على عدد قليل من المصابين بالعدوى.

والعنصر الثالث هو إمكانية انتقال (T) الفيروس. وبافتراض أن هناك فرصة لانتقاله، فمن الضروري دراسة آليات انتقال الفيروس وطبيعة التواصل الشخصي بين الأفراد، حيث تنتقل الفيروسات التنفسية من شخص لآخر عبر الرذاذ المنبعث من المُصاب عند السعال أو العطس؛ أو عن طريق الأسطح الملوثة به (مثل الصنابير ودرابزينات السلالم ومقابض الأبواب وقضبان الحافلات). وتعتمد احتمالية انتقال العدوى على طبيعة التلامس بالإضافة إلى عدد من العوامل المحيطة الأخرى مثل ضغط الهواء والرطوبة ودرجة الحرارة، حيث تؤثر تلك العوامل على المدى الذي يظل فيه ذلك الرذاذ معلقاً في الهواء وعلى المسافة التي يمكنه قطعها.

وعلى هذا، فإن طبيعة التواصل الشخصي بين الأفراد هو العنصر الحاسم في انتقال الفيروس. إنني أنتمي إلى ثقافة يشيع فيها الترحاب الحار، الذي لا يقتصر على المصافحة بالأيدي فقط، بل بالأحضان والقبلات على الخدين. وعشت أيضاً في مُجتمعات يحافظ فيها الأفراد على مسافة فيما بينهم عندما يتقابلون أو عند التحية، كأن يضعون أيديهم على صدورهم وينحنون باحترام ولطف. ولا يلزم أن يكون المرء عالماً فذّاً ليدرك أي نوع من التحية هو الأكثر تهديداً بنقل العدوى، إذا تساوت جميع العوامل الأخرى!

أما العنصر الأخير لمعدل الانتقال فهو استعداد (S) الفرد للإصابة عند التعرض للفيروس. فهل هو رضيع أم طفل أم سيدة حامل أم شخص مُسنّ؟ هل يعاني من مشكلات صحية أو ضعف في الجهاز المناعي، أم هل تعرض بالفعل للعدوى الفيروسية ثم اكتسب مناعة ضدها؟

يمكننا أن نخرج من هذا العرض الموجز لأسس علم الأوبئة، برسالتين رئيسيّتين. الأولى، هي أننا لا نستطيع السيطرة على فترة (D) الإعداء، إذا لم يتوفر أي لقاح أو علاج، كما هو واقع الحال مع فيروس كورونا المستجد. وليس بأيدينا سوى السيطرة على فرصة (O) الانتقال، إذا علمنا أن الفيروس قادر على الانتقال قبل ظهور أعراض الإصابة به، وهو ما يحدّ من فعالية عزل الحالة المُصابة. ولكن لا يزال هناك الكثير مما يمكننا فعله لتقليص فرصة انتقال (O) الفيروس و (T) والاستعداد (S) للإصابة به إلى أدنى مستوى ممكن. فالعثور على حالة الإصابة الأولى والسرعة في تتبع وعزل من تواصلوا معها هو مفتاح القضاء على الخطر قبل انتشاره. ويتطلب تحقيق ذلك استعدادات جديّة صارمة.

ومن المؤسف أن غالبية البلدان (في ضوء نتائج مؤشر الأمن الصحي العالمي لعام 2009) لا تتمتع فيما يبدو بإمكانيات المراقبة واكتشاف الحالات وتشخيصها، اللازمة للسيطرة على مخاطر الصحة العامة مثل فيروس كورونا والحيلولة دون انتشارها. وقد جاء في التقرير أنه “لا يتمتع أي بلد بالاستعداد التام لمواجهة الأوبئة والجائحات، بينما تعتبر معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الأقل استعداداً “. وتحتاج تلك الأنظمة الصحية إلى استثمارات ضخمة في مجالات التدريب وإمكانيات المُختبرات وإدارة حالات المصابين في بيئات رعاية صحية مُجهزة على نحو سليم ومدروس. ويُعد تعزيز استعداد أي بلد وقدرته على الاستجابة، تعزيزاً ودعماً لقدرات جميع البلدان الأخرى.

والرسالة المُستفادة الثانية هي ضرورة تمتع وسائل التواصل والإعلام الخاصة بوكالات وإدارات الصحة العامة بالقدرة على إحداث تأثير حقيقي في تغيير السلوكيات والمواقف. فجميعنا يدرك أهمية الإكثار من غسل اليدين وارتداء الكمامات عند مُخالطتنا للمحيطين بنا عند الإصابة بالعدوى. ويُسهم تزويد الجمهور بالمعلومات الأساسية لإحداث التغييرات السلوكية عند تفشي الجائحات، في ترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية للحفاظ على السلامة والصالح العام على مستوى العالم.

تشتمل السلوكيات الرئيسية على الأمانة في التبليغ والاختبار عند الاشتباه في الإصابة الفيروسية، والانعزال الاجتماعي طواعية والحد من التنقلات غير الضرورية  – وما يترتب على ذلك من مكاسب إضافية بشأن انبعاثات الكربون، إن جاز لي أن أضيف. كما يتحتم علينا توجيه الشكر والعرفان للعاملين في مجال الصحة لما يواجهونه من ضغوط وإجهاد من التعامل مع الحالات، وتفادي اللجوء لطلب خدماتهم في غير ضرورة، لنمكنهم من التركيز على الحالات الخطرة  ومن ظهرت عليهم الأعراض، والتركيز على صغار السن والسيدات الحوامل والمُسنين ومن يعانون من حالات مرضية موجودة سلفا نظراً لكونهم الأكثر عرضة للإصابة. ويتطلب تحقيق ذلك إعداد رسائل الصحة العامة الصارمة والمُحكمة بالاعتماد على العناصر الأربعة سالفة الذكر![2] ومن الممكن توظيف إمكانيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات باستخدام الهاتف المحمول في أغراض المتابعة الحية والمباشرة لتلك العناصر الأربعة لتبسيط أعباء المراقبة واكتشاف الحالات وعزلها، والمباعدة الاجتماعية، وتحديد المسارات الأنسب لتوجيه الجهود.

كلمة أخيرة. تسعى الفيروسات للنجاة والتكاثر، شأنها شأن جميع الكائنات الحية. لذا فإنها تتحور وتتطور لتزيد من قوة فتكها وقدرتها على الانتقال والنجاة.  ووفقاً لما تبدو عليه الأوضاع الحالية، يتمتع فيروس كورونا المستجد بمعدل تكاثر مساوِ أو أكبر لمعدلات فيروسات كورونا الأخرى مثل سارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، لكنه أقل منها فتكاً، حالياً على الأقل.[3] ومن المُحتمل أن يتحول فيروس كورونا إلى داء موسمي كالإنفلونزا، أو قد يتحول إلى جائحة حقيقية، في أسوأ الأحوال. ولكن مع اقتراب فصل الربيع في نصف الكرة الشمالي، فمن المتوقع أن يعمل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة على تقييد آليات انتشار الفيروس وتحسّن الأوضاع.[4] وبصرف النظر عن ذلك، فقد آن الآوان للمجتمع الدولي أن يتحلى بأسس العولمة الحقيقية. فكل البلدان سوف تعتبر ضعيفة الاستعداد لمواجهة هذه الجائحات، إن اتسم بلد واحد فقط بهذا الضعف.  وهذا سبب تفعيلنا للوائح صحية دولية على البلدان كي تمتثل لها، ولهذا نساعد كل البلدان التي لا تمتلك ما يكفي من مقومات لمواكبة الركب في هذا المسعى الأساسي. فجميعنا في مركب واحد وتظلنا سماء واحدة. بشراً وحيوانات على السواء!

________________________________________

[1] أوردت نشرات جديدة اعتراضاً على تقديرات مُنظمة الصحة العالمية، وتدعي أنها أعلى من ذلك، وتصل إلى نحو 3.3.

[2] الرموز (D) و(O) و(T) و(S) مُقتبسة مما أشار إليه آدم كوتشارسكي من كلية لندن للتصحّح وطب المناطق المداريّة في كتابه “قواعد العدوى” بالاختصار “DOTS”. وتجنبت استخدام هذا الاختصار لتفادي الخلط بينه وبين الاختصار DOTS المُعبّر عن المعالجة قصيرة الأمد تحت الإشراف المباشر لمرض الدرن (السلّ).

[3] يبدو أن معدلات الوفيات أقل مما جاء في التقديرات المُعتمدة على تعداد الحالات التي لم تظهر عليها الأعراض. ولا تزال تلك المعدلات أعلى بين المسنين، وخصوصاً ممن يعانون من حالات مرضية أخرى.

[4] ذكرت نشرة حديثة أن قدرة الفيروس على الانتقال ترتفع مع انخفاض درجات الحرارة والرطوبة، بالنسبة للإنفلونزا الموسمية على الأقل، ويحتمل أن يسري ذلك أيضاً في أشكال العدوى الفيروسية الأخرى المنقولة بالرذاذ عبر الهواء.

 

 

التعليقات مغلقة.

الان! تابع اخر الاحداث والاخبار حول فيروس كورونااقرأ المزيد ...
+ +