غاندي العراق في اعتصام الحويجة / ظافر العاني

عرفته منذ سنوات قليلة ، شاب يتفجر غيرة وشهامة على وطنه . التقيته يومها في مقر الدكتور اياد علاوي في حشدٍ جماهيري للعراقية التي هو من أشد الناس دعماً لها ، فاعجبتني روحه الوطنية العالية ، واندفاعه المخلص ، وصفات القيادة الشابة التي يندر ان تجدها في أحد غيره ، علي العبيدي ، شاب ولا كل الشباب ، واعياً بطبيعة مايمر به وطننا من محنة كبيرة ، لكنه كان متفائلاً بمستقبل واعد ، ووطن واحد لطالما حلم به علي ، وانتمى لمؤسسات المجتمع المدني المعنية بالشباب وتنمية القدرات وكان ترتيبه الأول في كل الدورات التي خاضها ، فهو لا ينتمي لأي مؤسسة منها طلباً للجاه او السحت الحرام ، وإنما ينتمي لها عن إيمان برسالتها .
ليس له من شهادة يحملها إلا الدبلوم التقني وقد توظف بها مدرباً فنياً في معهد الحويجة التقني ، لكن علي عندما يتحدث ، كأنه يحمل شهادات عليا في الفلسفة والمنطق . وهو لا يجامل حتى القيادات ويقول رأيه بكل إخلاص وتجرد . لذا أحببته وأحببت صحبته . وأقسمت عليه انه ما أن يصل بغداد في كل مرة إلا ويتصل بي ليكون ضيفي . وقد فعلها ، وكنت افرح بلقياه فهو يعيد لي الأمل بان في شبابنا من نستطيع ان نأتمنه على وطننا واجيالنا القادمة ونحن راضون .
شاب مسالم لم يدع فتحة في قلبه ليتسلل لها العنف حتى في عز الحرب الطائفية ، والحويجة معروفة عشائرها بأنفتها وشجاعة أبنائها ، لكن علي العبيدي كان شيئاً آخر ، هو أشبه بغاندي يؤمن مثله بفلسفة العنف السلمي ، كان يقول لي لندع القاتل يقتلنا ولا نرفع عليه السلاح ، ان دماءنا سترهبه وستجعله يعيد النظر في مواقفه .
– ولكن ألا يجعل هذا الجلادين يتمادون ؟
– محتمل دكتور ، ولكن الخيار المسلح ليس هو الحل ، ومن غير الجائز مواجهة العنف بالعنف ، إذ كيف عند ذاك يميز الناس بين الضحية والجلاد .
– إلا تعتقد ان هذا الموقف يؤثر على معنويات الناس حين تطالبهم بالاستسلام لمصيرهم .
– لا دكتور انا لا أطالبهم بالاستسلام ولكني اتمنى عليهم مواجهة العنف بأسلوب حضاري لعل الطرف ألاخر يمل من التقتيل .
– لا علي لا ،، الجلادون لا يستحقون ان يعاملوا بهذه الطيبة .
– لكن العراق يستحق ، وبغير ذلك من الممكن ان ندخل حرباً أهلية ، فهل يرضيك هذا؟
– طبعاً لا.
 واستسلمت لمنطقه واحترمت قناعاته .
قبل أربعة شهور جاء بغداد وزارني وسألته عن كركوك والحويجة ، فرأيته فرحاً أكثر مما اعتدته منه وسألته السبب فقال :
– دكتور ان قاعدة المتمسكين بالسياسة السلمية في اتساع مستمر وسنعمل في الحويجة منصة للكرامة والشرف للمطالبة بحقوقنا العادلة ولكن بشكل سلمي .
– اذن ستفعلون مثل إخوانكم في الرمادي .
– هذا صحيح ، مطالبنا واحدة ، وتتلخص بالعدالة والمواطنة ، لانريد اكثر من ذلك .
رأيته بعد ذلك أكثر من مرة على شاشات التلفاز يعتلي منصة المعتصمين في الحويجة وكنت أسمع صوته أعلى من كل المتظاهرين وهو يصيح :
سلمية ،،،، سلمية ،،، سلمية ،،،، سلمية .
اذن هو مازال على العهد باقٍ ، انه غاندي العراق .
اتصلت به عصر اليوم وانا قلق من اخبار التحشدات العسكرية لتطويق اعتصام الحويجة .
سألته عن الموقف فقال لي :
– دكتور بالنسبة لنا نحن متمسكون بحقنا في التعبير عن رأينا .
– ولكن معلوماتنا ان السلطة في نيتها اقتحام ساحة الاعتصام .
– إذن ليقتلونا ، نحن ليس لدينا ما ندافع به عن إنفسنا ولا حتى سكاكين مطبخ .
– ماذا انتم فاعلون
– نحن موجودون دكتور ولن نترك ساحة الاعتصام السلمي مهما كان .
– الى متى يا علي ؟
– حتى ينفذوا مطالبنا كلها ألم يقولوا عنها انها مطالب شرعية وعادلة ، فلماذا لاينفذوها .
– قد يحتاج الأمر الى وقت .
– ربما ، ولذا نحن باقون في ساحة الاعتصام حتى يحين وقت تنفيذ وعودهم .
– ماذا عن الهجوم المحتمل .
– لن يخيفنا ،  ولو أقدموا على حماقة مثل هذه فان دماءنا ستهزمهم . سنجابههم بسلميتنا .
اتصلت مساء اليوم بعلي العبيدي على هاتفه في الحويجة ، لكن الرد كان  يأتيني دائماً  ( الرقم المطلوب مغلق أو خارج نطاق الخدمة )
وارتجف قلبي على علي العبيدي وعلى ساحة إعتصام الحويجة
فادعوا لهما بالسلامة .
قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. صفاءالزيدي يقول

    اللهم اجعلهابرداوسلام على كل العراق والعراقيين

اترك رد