عند بوابة سجن ابو غريب / ظافر العاني

وسط الهاونات التي تساقط كزخات المطر ، والنيران التي تلتهم سجن ابو غريب وازيز الرصاص والدماء التي ملأت كل ممرات وساحات سجن ابو غريب المركزي ، وسط جثث القتلى والسيارات المحترقة ، وسط هذا العنف الذي يمضغ الاجساد بلا رحمة ، وقف عبد الخالق عند بوابة سجن ابوغريب المحطمة وهو يهم بالخروج منها . كان مترددا في ان يتخذ قرار الفرار مع السجناء الذين يتسابقون للهرب من الجحيم ، وقف عبد الخالق وليس بينه وبين الحرية الا مترين لا أكثر ، وبدأ يفكر في حياته التي تغيرت بتقرير كاذب من مخبر سري ، وقد عرف من هو ، كان شريكه في العمل ، وقد اختلفا على امور مالية ، شريكه الذي يريد الاستئثار بمبلغ البضاعة التي استورداها من دبي ، فدس عليه تقريراً لاحد اقرباءه المتنفذين بعد ان نفحه مبلغا كبيراً من المال ، اتهموه بالارهاب ، وقد اعترف بعد سياط التعذيب بطريقة الحنتور ، والعقرب ، اعترف بكل ماطالبه به المحققون الذين اعدوا له اعترافات مسبقة ، كان مستعداً لان يعترف على قتل ابيه الذي توفي بالسكتة القلبية قبل اربعة عشر عاماً ، فالتعذيب لايحتمل .

لطالما قلت لكم اني برئ ، وان لاعلاقة لي بالارهاب ، واني رجل مسالم ، بل اني لم ارتكب طيلة حياتي مخالفة مرورية ، لكنكم لم تصغوا لي ، وانتزعتم من ابهامي بصمة بلا معنى على اقوال لم اقلها ولم اقرأها .
وما اسهل قرار القاضي وما أظلمه : الاعدام شنقاً . كان القاضي مستعجلاً للف المادة الرابعة ارهاب كحبل حول عنقي بلا ذنب ، بلا شهود ، بلا دليل ، سوى تقرير كاذب وشهادة منتزعة .
لم يبق لي في الحياة الا ايام معدودات ، لحين المصادقة على قرار الاعدام الذي اتوقعه في كل يوم ، هل تستطيعون ان تتخيلوا انفسكم وانتم تنتظرون موتكم كل لحظة ، فيما تفكرون بحياتكم بعائلاتكم ، بسمعتكم الي تلوثت بتقرير كيدي ، تهمة ثمنها ورقة بيضاء ملطخة بحبر اسود ، ويمين كاذب .
كان ينتظر موته وقلبه معلق على أمل مخادع عن قرار عفو سيأتي لكنه لا يأتي .
وقف عبد الخالق يحادث نفسه ، وهو يتطلع الى المترين اللتين بقيتا امامه ، وقد تسمرت رجلاه :
مابالك يارجل ، اهرب واذهب الى الحرية ، اهرب من هذا الظلم ، اهرب فلم يبق بينك وبين احضان اولادك واسرتك الا هذين المترين ،
لكن قدميه تحجرتا اشبه بوتد مغروز عند ابواب سجن ابو غريب ، وهو يفكر بالقادم .
ماذا لوهرب ؟ سيقولون : هو لم يهرب الا لأنه مجرم بالفعل ، والا لماذا يهرب ؟
فهل يقدر اولئك ثمن الحياة وقيمتها ،لا ،، لايقدرونها لانهم لايتوقعون مثلي انها ستنتزع منهم على يد حبل رخيص ومخبر ارخص . ما أقسى الموت وانت مظلوم .
ولو هرب فالى اين سيولي وجهه ، هل يستطيع ان يعود لعائلته ، لابنه زيد ذو الاربع سنوات الذي تركه وفيه ثلاث ثقوب في القلب ، وكان يخطط ان يعمل له عملية جراحية ًفي اربيل حجز موعدها قبل ان يقبضوا عليه بيومين، هل يستطيع ان يحتضن فارس ، ولبيب ، واختهم أمل تلك الوردة التي ذبلت وهي تفارق اباها ، وتتوقع مجيء جثمانه في اية لحظة كما تقول لها امها ؟ هل يستطيع ؟
ياعبد الخالق لاتتوقع ان تعود حياتك كما كانت ، ستبقى مطارداً فاراً من الحكومة ومن عائلتك ومن نفسك ، اين ستكون وجهتك لو هربت ؟ لابيت يأويك ، ولا عائلة تحتضنك ، ولاصديق سيرضى ان يبقيك عنده ريثما ترتب اوضاعك .
لكن سجن ابو غريب اقسى ، والتعذيب فيه مهين، وانت لم يعد يقوى جسدك الناحل على احتماله ، لن يكون امامك فيما لو هربت من طريق الا الارتماء باحضان الارهاب ،اولئك اصحاب الفضل في حريتك الموهومة ، لا أحد غيرهم سيوفر لك ملاذاً امناً ، وسيحقنوك بجرعات قوية من الكراهية التي تحتاجها لصديق الامس الذي كتب عنك تقريره الكاذب وقلب موازين حياتك في لحظة واحدة .
طريقان لاثالث لهما امامك ياعبد الخالق ، وعليك ان تقرر : اما ان تعود الى السجن المحترق ، ولاولئك الذين سينتقمون منك ومن غيرك الذين لم يفروا ، وان تعد الساعات التي ستمر عليك لحين لحظة اعدامك ، او ان تفر من هذا العذاب الى عذاب الارهاب .
– اهرب ماذا تنتظر ؟ هيا .
ودفعته يدٌ قوة مجهولة وهي تجره الى خارج سجن ابو غريب ، دفعته هذان المتران دون ان تترك له فرصة إتخاذ القرار ، ليرى نفسه خارج بوابة العذاب ،
متجهاً لعذاب آخر .

2 تعليقات
  1. وكالة اوما نيوز يقول

    ربما خيالك ينبيء بصورة مظلوم و لانتحدث هنا عن دولة الامام علي .. لكن لم لم يكتب قلمك وصوتك الذي يتتأ عن مئات الاف الابرياء الذين اعدموا في المقابر الجماعية بتهمة الدعوة وبتهمة الانتفاضة رغم انهم لم يعرفوا الدعوة ولم يخرجو من بيتهم لانهم كانوا نائمين واحدهم قال للمحقق حين اتهمه بانه غوغائي ( انه شرف لا استحقه ) لان من يخرج على دولة صدام يجب ان يملك من الشجاعة الشيء الكثير وانا لا املك مثل هذا الشجاعة …. وانت لم تكن تملكها و لن تملكها لان الشجاعة ان تنصف الاخر و لاتكون اعور ارى الحقيقة بعين واحدة

  2. كريم زميزم يقول

    الاستاذ ظافر العاني سابقا مهنته مدرس رتبته عضو شعبة في حي الشعب السيد ضافر قصتك او روايتك تتميز بإخراج جميل تكلمت عن شخص افترضت انه بريء وعصرت مخك لكي تجد لهذا البريء مبرر للهرب ولكنك لم تكتب لنا عمن قتل الابرياء بدم بارد وساهم بقتل الالاف يا ضافر الى متى هذه الاساليب لم تعد تنطلي على الناس القضاء العراقي متهم بانه متراخي مع المجرمين ومتهاون وكذلك يطبق مساطر روتينية تجعل كثير من القتلة عليهم اعدامات عدة لا ينفذ فيهم الاعدام وانت تتكلم عن قصة من وحي خيالك المعروف بأنواع الابتكارات البعثية المكشوفة تبارك تهريب المجرمين بدل ان تطالب الحكومة بقيام احكامها ما تستحي الصلافة التركمانية الانكشارية عندك غير متناهية رحم الله الرصافي عندما قال قولته المشهورة اغسل يداك

اترك رد