الرئيسية / مقالات مختارة / شهادة وفاة موقعة بانتظار ميت

شهادة وفاة موقعة بانتظار ميت

الدكتور رافد علاء الخزاعي

في بداية حياتي الطبية كطبيب مقيم كنت مغرورا وكنت اعتقد إني الذكي الوحيد في هذا العالم الذي سيصحح كل الأخطاء ولكن انصدمت من الدرس الأول ففي إحدى خفاراتي في الطوارئ والعناية المركزة استقبلت مريضا  وهو احد السواق الأتراك الذين كانوا ينقلون البضائع إلى العراق بسيارتهم الملونة والجميلة استقبلت هذا المريض  الذي تم إخلائه إلى المستشفى من قبل الشرطة لإصابته بطعنة سكين نافذة في الجمجمة وقد كسر مقبض السكين وبقت السكين عالقة في الدماغ  نتيجة خلافه مع صديقه الأخر على لعبة قمار وهم يحتسون الخمر وكان المريض فاقد للوعي التام المهم  بعد برهة من النظرة السريعة قررت إن لا أتحرش بالسكين وأبقيها في مكانها لحين حضور الطبيب الجراح الأخصائي في الصباح وقد  وضعت المريض على جهاز التنفس الصناعي ونقلته إلى ردهة العناية المركزة وعندها قررت إن اكتب شهادة الوفاة للمريض ووقعتها تحضيرا لموته ولكن انتهت خفاراتي والمريض لم يمت وانأ في استراحتي في دار الأطباء ناداني عامل الدار إن دكتور محمد علي اختصاص الجملة العصبية يطلب حضوري لردهة العناية المركزة فورا وانأ أحث الخطى إلى الردهة التي تبعد عن دار الأطباء قرابة الإلف متر انتابتني الكثير من الأفكار حول مدى التوبيخ الذي سأحصل عليه من الطبيب الاختصاص لعدم سحب بقايا السكين (النصل من الجمجمة) وغيرها من الأفكار وانأ أتحسس في يدي شهادة الوفاة المؤجلة للمريض نفسه كانت لحظات تهذب من غروري وتجعلني أقول مالي ومال الطب وهكذا وانأ ادخل الردهة استقبلتني الممرضة الجميلة جانيت وهي تضحك وتقول استعجل دكتور إن دكتور محمد علي ينتظرك وطلبك أكثر من مرة وهو في الردهة وكانت جانيت هذه من أحسن من يقرأن الفنجان للأطباء وطلبة الكلية فقلت لها وانا البس ملابس العناية الفائقة الخاصة ها يا جميلتي يا جانيت هل أنبئك فنجانك اليوم عن رزالة( توبيخ ) علني لي ……وهي تضحك وتقول الفنجان  ليس له علاقة بالتوبيخ وإنما التوبيخ والشكر يأتي على حسب جهد الانسان,,,,,,,

وانأ أقف وجها لوجه إمام أستاذي ومعلمي دكتور محمد علي وبحضور الأطباء المقيمين والأطباء المقيمين القدامى ومن حظي العاثر إن طبيبة كنت معجب بها قبل يوم وكنت ارسم لحلم حب مستقبلي كانت موجودة في المكان ……

وقتها اصفرت الدنيا في عيني وانأ اسمع صوت دكتور محمد علي…..

دكتور رافد أتخبرنا لماذا اكتفيت بتضميد الجرح  وإجراء الإسعافات الأولية ولم تنتزع النصل من الجمجمة………

قلت له وانأ خجل جدا وعيني تنظر إلى الأرض تارة والى الأجهزة التي تراقب العلامات الحيوية للمريض……. أستاذي إنا طبيب مقيم وكان هذا أسبوعي الثاني في حياتي الطبية فكنت حيران بين إن انزع النصل وان أبقيه فقلت لنفسي إذا نزعت النصل وحصل نزيف اشد نتيجة الحركة ماذا اعمل وأردت( إن أتملق أكثر حتى اخلص من الرزالة المنتظرة) ونزعت النصل وحدث نزف فليس إمامي إلا إن  أستدعيك في منتصف الليل أو ابقي حائر إمام الطبيب ولكني قررت إن ابقي الوضع للصباح واجري الممكن من مضاد حيوي وإسناد تنفسي للمريض وإعطاء دم وسوائل وضماد خارجي للجرح وانأ بغدادي أستاذي متعلم  من مثل (انطي الخبز لخبازته حتى لو يأكل نصفه)

فقال الدكتور محمد علي  هيا اذهب اغسل وحضر نفسك للدخول معي لصالة العمليات حتى تخبز معي الخبز وضحك……

ولكني رغم ابتسامته لازلت خائفا لما يخفي القدر من رزالة منتظرة……..

المهم دخلنا للعمليات وهذه اول مرة ادخل في حياتي الطبية والعملية ادخل عملية فتح جمجمة …..وبعد حلاقة راس التركي وتحضيره وفتح الجمجمة للمريض كانت المعجزة……

نعم شاهد إن نصل السكين كان منزلقا بين الغشاء السحائي لفصي الدماغ من الأعلى وهو مجاور الشريان الدماغي الأوسط وهو الشريان الرئيسي للدماغ وهنا ابتسم دكتور محمد علي وهو يقول لي بلكنته التركية الكردية عافرم عافرم …..زور باش ……أبدعت يا دكتور رافد……هل علمت ان لو حركت النصل بدون رؤية واضحة لكنت جرحت الشريان وفقدت المريض …..ماذا يقول مثلك يا رافد مال الخبازة……قلت له وانأ غير مصدق إني نفذت من الرزالة وانأ اغمز لجانيت أنطي الخبز لخبازته حتى لو يأكل نصه,,,,,

فقال لي وهو صارم في قوله تعلم درسا دكتور لا تتورط في امر لا تعرف مستقبله مضمون وإنما عليك بالرؤية الواضحة للأمور كأنك ترى في النهار دوما ولا تأمن لليل خوفا من انقطاع الكهرباء فتبقى في ظلمة لا تعرف ماذا تعمل……

بعد ان انهينا العملية دعاني دكتور محمد لأكلة باجة على الطريقة التركية الجميلة وانأ أقول له دكتور أنت تتفتح الجماجم وتعشق الباجة……………

وهو يضحك ويقول لي من كثرة أكل الباجة عرفت التشريح الدماغي فان لا فرق بين دماغ الخراف وبعض الناس لأنها تقول دوما لذابحها فقط ماع …..ماع…………ماع……………..

ضحكت وشربنا الشاي وانأ يوميا أتبختر على جانيت وانأ أقدم لها وردة حمراء لأتعرف أكثر على تطور الحالة الصحية للمريض الذي وقعت له شهادة الوفاة الذي غادر المستشفى بعد رقود شهر كامل وعاد للعراق بعد ستة أشهر محمل لنا بالهدايا من تركيا وانأ لازلت احتفظ بشهادة وفاة لمريض لازال حيا انظر لها كلما ضاقت الأمور لأتعلم  التفاؤل في الحياة إن حياتنا لا يقررها البشر وإنما الله وحده…..

رباط الكلام: إن توقيع شهادة وفاة لوطن ذو تاريخ عريق وشعب حي قرار خاطئ ومبني على قصور في الرؤيا الواضحة لأنه شعب قادر على تجاوز المحن وتسليم خبزه لخبازته الذين لا يأكلون نصفه.

اترك تعليقاً