شكرا !!!

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد حسب النبي

قيل عن برنارد شو أنه كان بخيلاً محباً للمال، وكان لا يكتب عبارة لأحد إلا بمقدار ما يدفع له من مال؛ وبمعدل دولار عن كل كلمة، وفي يوم من الأيام طلب إليه أحدهم أن يكتب له عبارة تذكارية، ولم يكن معه إلا دولار واحد، فكتب له برنارد شو كلمة واحدة فقط وهي “شكراً”. فاغتاظ الرجل وقال له: أنت رجل تبحث عن المال، فأجابه برنارد شو في هدوء: يا أخي إنها كلمة تحمل كوامن الأسرار.
عجيب أمر هذه الكلمة بما لها من تأثير نفسي عميق في النفس الإنسانية، فإنها تمتد كنسائم السلوى الخفية، تسري في قلوب متلقيها ملاطفة مؤنسة، ولقد فطن برنارد شو إلى ذلك؛ فأهدى هذه الكلمة -البسيطة في بنيانها، العظيمة في أثرها- للرجل الذي كان يريد عبارة تُذكِّره به، وقد غاب عنه أن لكلمة شكراً سُنّة كونية في التأثير لا يختلف عليها سَويٌ عاقل، حيث تقابل المعروف المبذول وتتجاوزه؛ فقد حملت في طياتها بلسماً شافياً ودواءً ناجعاً معافياً.
ورغم أنّ صُناع المعروف والصادقين في بذله لا يريدون من ورائه جزاءً ولا شكوراً؛ إلا أنه وفي أعمق أعماق نفوسهم ارتقاب لكلمة يفتحون لها نوافذ القلب وأبوابه، يلتمسون عبيرها اللطيف كحبات الندى وقطرات الماء التي تبعث الروح في الأوراق والأغصان، لتثمر في حُب مزيداً من زهور وثمار، تضحك مستبشرة عن فرح خالص يطرب النفس ويرقي الروح.
وباسط الكف للمعروف وقد استودعه كبذور طُرحت في بستان حياته؛ فشقت طريقها بعزم في الأرض، وتعالى لُبابها في فرح ليلوح في وجه الشمس، وقد دانوا جميعاً لمن أعطى ومنح، فسارعوا إليه مرددين.. شكراً، يرون فيها راحة لنفوسهم وإسعاداً لضمائرهم، ونزعاً لقيودهم وأثقالهم، وقد كبلوا بالمعروف ودانوا للجميل. إنهم يستشعرون الألم الذي يسبق اكتمال اللؤلؤ في محار البحر، ولا يهدأ حتى يطرح لؤلؤته الجميلة تسر الناظرين وتبهر المتأملين، وإذا بمن أعطى ومن شكر يرتفعان معاً في فضاء الحياة، يحلقون فيها راضين مرضيين، مؤمنين أن الحياة إحسان وعطاء، والشكر سخاء وبقاء، وأريحية من يعطي في شكر من يبقي في نفسه أثراً من امتنان.
إن مجتمعاً شاعت فيه شكراً، يورث أهله تعاشر الفضيلة؛ سيماهم فيها قلوب رقيقة، وعقول مستنيرة، ونفوس مستريحة وأبدان صحيحة. فلننشر الشكر بيننا كباقات ود نتبادلها فتخضع نفوسنا، وما أنبله من خضوع، وندين لقائلها كما تدين الأرض لنور الشمس، بعد أن اتشحت بظل ما تلبسها من قيد الجميل، فتردد في صوت عذب شكراً، فما أبهاها من كلمة وما أسناه من تعبير.

اترك تعليقاً