الرئيسية / مقالات مختارة / سُنَّة العِراقِ والبَحثُ عَنْ الـمـرجعيّة!! / د. محمد عياش الكبيسي

سُنَّة العِراقِ والبَحثُ عَنْ الـمـرجعيّة!! / د. محمد عياش الكبيسي

مقالات مختارة : في زيارته للعراق سُئل الطيب أردوغان: لماذا التقيت المرجعية الشيعية في النجف ولم تلتق المرجعية السنّية؟ فقال: وهل للسنة مرجعية؟ قالوا: نعم، هذا قبر أبي حنيفة هو مرجعيتنا! فتوجّه إلى القبر وقرأ الفاتحة على روح المرجعية السنية!


       هذا ما يمثل اليوم جانبا من المعضلة السنّية، فالبحث عن المرجعية في الوسط السنّي أصبح اليوم شغلا شاغلا لكل المتصدّين للشأن العام، وحتى المالكي لم يفته أن يدلي بدلوه للبحث في الأسماء والوجوه لاختيار المرجعية السنّية «المناسبة»!


لكن لماذا المرجعية؟ وما وجه الحاجة إليها اليوم؟ وكيف يتم اختيارها أو تشكيلها؟ ولماذا لم تظهر هذه الحاجة في الأقطار الإسلامية الأخرى؟ هذه الأسئلة قد تفتح أبوابا واسعة وامتدادات عريضة في الدين والفكر والسياسة والثقافة والتاريخ.


في الحياة البشرية البدائية ينحاز الناس إلى ولاءات تضمن لهم قدرا من الحماية وشيئا من التنظيم، فكانت القبيلة إطارا مناسبا لتحقيق هذه الغاية، وكان شيخ القبيلة هو «المرجع الأعلى» وهو من يناط به حماية القبيلة بالسيف، وحل مشكلاتهم بالحكمة، وسد حاجاتهم بالبذل.


 


       وحين تكون القبيلة عاجزة عن مواجهة التحديّات الكبرى فإنها تلجأ إلى نظام «الحلف»، وهو إطار أوسع يضم قبيلتين أو أكثر بقيادة واحدة، وهذه صورة متكررة وشائعة. وكان من التجارب الناجحة في تاريخ العرب «معركة ذي قار» التي خاضتها القبائل العربية المتحالفة لردع الفرس وتأديب نظامهم الكسروي الذي كان يستهين بالعرب ويستبيح حرماتهم قبل الإسلام.


وهكذا تستجيب المجتمعات البشرية للتحديات حتى استقرت في صورة «الدولة»، وهي الإطار الأوسع والأكثر تطورا ومناسبة للحاجات البشرية المتزايدة والمتنوعة.


      وقد كان للإسلام الفضل الأكبر والمبكّر لهداية العرب وغيرهم إلى هذا النوع من التنظيم، حيث تمكنت الدولة الإسلامية ولقرون مديدة من سدّ هذه الحاجة وتقديم النموذج الأفضل في التجربة الإنسانية.


      طيلة القرون الماضية كانت الدولة الإسلامية بمؤسساتها المختلفة تمثل «المرجعية العليا» لكل المسلمين ما عدا الحالة النشاز في هذه التجربة وهي حالة»الطائفة الشيعية»، والتي اختارت «المعارضة المستمرة» لهذه الدولة على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، وهذه المعارضة ليست معارضة سياسية كالتي يعرفها العالم اليوم، وإنما هي معارضة لكل شيء وفي كل شيء حتى في المناسبات والفنون والأزياء وصيغ التعبير عن الذات، فهي هوية منفصلة بالكامل عن هوية الأمة.


     هذه الطائفة كان لا بد لها أن تنحاز لمرجعية أخرى غير مرجعية الدولة تستند إليها في تنظيم كيانها الداخلي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وبهذا تكون عندنا صورتان متغايرتان تماما: صورة الأمة بسوادها الأعظم «أهل السنة والجماعة»، وهذه اختارت الدولة مرجعية لها، والصورة الثانية: الطائفة، وهذه اختارت مرجعية خاصة بها لا تعترف بمرجعية الدولة، وإن انحنت لها في ظروف الضعف والتقية، وبين الصورتين صراع ممتد تاريخيا وجغرافيا وبينهما اطراد عكسي، فكلما قويت الدولة ضعفت المرجعية، وكلما ضعفت الدولة قويت المرجعية.


       وأخطر ما يمكن أن يواجه السواد الأعظم هو فقدان الدولة، وهذا قانون مجتمعي إنساني عام، فكل الشعوب المتحضرة التي تتخذ من الدولة مرجعية لها ستنهار بشكل كارثي حين تسقط الدولة ويحصل الفراغ في الدستور أو السلطة، وأهل السنة في العراق اليوم ليسوا استثناء من هذا القانون، والذين يتلاومون داخل الوسط السنّي ويشعرون بالفشل أو العجز مخطئون. وهم لا يقدّرون المشهد بالمقاييس العلمية التي تحكم المجتمعات الإنسانية، فلو حصل لفرنسا أو أميركيا ما حصل للعراق لما اختلفت الصورة بل ربما ازدادت سوءا، ومَثل هذه الحالة مثل المجتمعات المتطورة التي تعتمد اليوم على التكنولوجيا مقارنة بالمجتمعات التي تعيش في الكهوف، فلو تعرضت محطات الكهرباء الرئيسية للعطل أو التخريب فإنها ستترك نتائج كارثية في المجتمعات المتحضرة، بينما لن تترك أي أثر في الكهوف، بل ربما يحدث العكس، حيث سيستفيد سكان الكهوف من حالة الفوضى العامة في تلك المجتمعات، وهذا يعني أن أي مجموعة وضعت لنفسها نظاما صغيرا مهما كان متخلفا فإن وضعها سيكون الأفضل عند انهيار النظام العام.


       إذاً حالة أهل السنة في العراق مع أنها حالة مأساوية وخطيرة إلا أنها حالة طبيعية ومنسجمة تماما مع الناموس الكوني الذي يحكم الحياة الإنسانية. والمطلوب هو إيجاد الصيغة الجديدة التي تتناسب مع الوضع الجديد الذي رسمته التحديات والتي هي أكبر بكثير من طاقة المجتمع السنّي وإمكاناته الذاتية، وهذا ما يفسّر أيضا حالة التغاير بين المجتمع السني العراقي الذي يشعر بالحاجة إلى حد الضرورة لتشكيل المرجعية، وبين المجتمع السنّي الأوسع الذي قد يستغرب مثل هذه الحاجة وربما يعدّها نوعا من التقليد للحالة الشيعيّة!


       لقد مرت الأمة بحالات تقرب أو تبعد من الحالة العراقية اليوم، وكلها تدور بين حالة غياب السلطة أو ضعفها وبين تخلي السلطة عن دورها ووظيفتها، فمثلا حين انحازت الدولة أيام المأمون والمعتصم لفكرة «خلق القرآن» وهي فكرة غريبة عن عقيدة الأمة، كانت الحاجة ماسة لمرجعية رشيدة وقادرة على حماية هذه العقيدة، ومع وجود عدد كبير من الفقهاء والمحدثين إلا أن الأمة التفّت بشكل تلقائي وسريع حول أحمد بن حنبل ليكون «إمام أهل السنة والجماعة» لما تميز به من موقف مسؤول وشجاع، والمثال الثاني لمّا تخلت «الخلافة» عن دورها في تحرير القدس ومجابهة الصليبيين، لم ينتظر الناس هذه الخلافة حتى تصحو من غفوتها، بل انحازت إلى مشروع التحرير الذي قاده آل زنكي ثم استكمل على يد صلاح الدين، ولم يكن صلاح الدين خليفة للمسلمين كما يظن البعض، ولم يكن كذلك جزءا من قرار الخلافة في بغداد مع ما كان يقدمه صلاح الدين من الرسوم الشكلية لمقام الخلافة! والمثال الآخر لما سقطت بغداد على يد المغول ووصل الخطر إلى الشام ومصر، استجدت حاجة جديدة ومختلفة عن سابقتها، فالخلافة قد سقطت بالكامل، ودولة المماليك في مصر لم تكن محل ثقة الجمهور، فالتفّ الناس حول العز بن عبدالسلام ليعبّر عن إرادتهم في ضرورة التصدي للخطر المغولي بصياغة المشروع الناظم والذي لا يستبعد أي أحد حتى المماليك أنفسهم.


      من هذه الأمثلة -وغيرها كثير- ندرك أن صناعة المرجعية في الظروف الاستثنائية تمرّ عبر مراحل طبيعية:


المرحلة الأولى: وجود الحاجة العامة.


المرحلة الثانية: وجود الجهة المبادرة والمتصدية لهذه الحاجة.


المرحلة الثالثة: قناعة الجمهور بهذه الجهة والتفافهم حولها.


        إذاً على أهل السنّة في العراق اليوم أن يحددوا بالضبط ما الحاجة التي استجدت عندهم اليوم.. هل هي مثلا حاجة علمية تربوية؟ أو هي الحاجة للفتوى والاجتهاد؟ أو هي الحاجة لحماية وجودهم وهويتهم وحقوقهم؟ أو هي الحاجة لتحرير الوطن وتوحيد أبنائه ومكوّناته في إطار المرجعية الوطنية الجامعة؟ أو هي كل هذه الحاجات مجتمعة؟


      إن تحديد الجواب في المرحلة الأولى هو الذي يمثّل بوصلة الاختيار. وهذه الخطوة هي مسؤولية الجمهور نفسه وليس مسؤولية المرجعيات والواجهات، فالعلماء مثلا متنوعون في اختصاصاتهم وتوجهاتهم وإمكاناتهم، ومن يصلح منهم لسد هذه الحاجة قد لا يصلح لسد حاجة أخرى، والشكوى من التفرق والاختلاف لا تنتج حلا، كما أن من يفكر بجمع كل العلماء والقادة والواجهات السنّية في مؤسسة تنصهر فيها الكفاءات والمواقف في مشروع واحد فإنه ربما يفكر بطريقة «طوباوية» أبعد بكثير من الواقع، لكن إذا كان الشارع السنّي قد عرف حاجته بعد كل هذه السنوات العجاف فإنه أقدر الآن على اختيار صورة المرجعية التي يريد، والتي يراها مناسبة لتحقيق أهدافه، فالقرار حقيقة متروك للجمهور نفسه، فأحمد بن حنبل لم ينصّب من السماء، ولم ينصّب هو نفسه مرجعا لأهل السنّة، كما أنه لم ينصّب بقانون من الدولة، وقد كان العلماء في عصره منقسمين أيضا في مواقفهم، لكن الجمهور وحده هو الذي حسم الموقف.


      وإذا كانت المعضلة السنّية اليوم أكبر من أن يتحملها فرد ما مهما كان علمه ووعيه واستعداده للتضحية، فإنه في المقابل لا يتصور تحقيق إجماع ما في مثل هذه المعضلة، والأقرب من هذا هو الدفع باتجاه المتقاربين في الرؤية لصياغة المشروع الناظم والمعبر بالصدق عن حاجة الجمهور، وحين يلتف الجمهور حول مشروعه هذا فإنه سيحسم بنفسه حالة الانقسام والتردد التي كان لها من التبعات الثقيلة ما يزيد ربما على كل التحديات الأخرى.


       إذا كانت المرجعية لا تنزل من السماء، ولا تعين بقرار من الدولة، ولا يحق لشخص ما مهما بلغ أن ينصب من نفسه مرجعاً، فلم يبق إلا اختيار الناس والتفافهم حول من يثقون به فرداً أو مؤسسة أو جماعة، فما الذي يحول بين جمهور أهل السنة وبين هذا الاختيار؟


      الشائع اليوم أن الجمهور السني يلوم قياداته المتفرقة والمشتتة، وهذا اللوم قد يتحول إلى حالة من الإحباط تجعل هذا الجمهور مشلول الحركة وغير قادر على مواكبة التحديات، ولا حتى الدفاع عن نفسه، وهو ما ينذر بمستقبل مرعب وخطير عنوانه الأبرز»الضياع».


     وقد ظهرت مثل هذه المؤشرات الخطيرة في حدثين جزئيين لكنهما يحملان دلالات في غاية الخطورة:


    الأول: فضيحة الأسير(ليث الدليمي) والتي تناقلتها أغلب وسائل الإعلام وهو يستنجد بالضمير الإنساني لتخليصه وزملائه الأسرى من وطأة التعذيب الوحشي الذي يتعرض له كل المعتقلين السنة في سجون المالكي.


الثاني: اقتحام مسجد الآصفية في بغداد من قبل قوات حكومية رسمية وطرد الموظفين السنة، وتحويله إلى»حسينية الكليني!» بحجة وجود قبر الكليني في هذا المسجد، فالمسجد في «دولة القانون» يكون تابعاً للقبر! وهذا على فرض صحة حكاية القبر هذه، هذا المسجد الذي كان من أبرز المعالم السنية في بغداد، حيث كانت تتبعه مدرستان إسلاميتان تحملان اسمه، الأولى في بغداد والثانية في الفلوجة، وقد تخرج منهما أشهر علماء السنة في العراق، والمسجد بمدرستيه كان وقفاً عثمانياً أسسه القائد العثماني المعروف بآصف الزمان، تجدر الإشارة هنا إلى أن «آصفية الفلوجة» قد تحولت إلى أكوام من التراب بفعل الصواريخ الأميركية المباشرة، كما أن هناك مدارس عثمانية أخرى تتعرض اليوم للتصفية أو الاغتصاب، ومنها المدرسة «الحميدية» في سامراء والتي بناها السلطان عبدالحميد الثاني.


     ردة الفعل السنية كانت باهتة وضعيفة وغير متوقعة حتى من أكثر الناس تشاؤماً، وهذا من شأنه أن يفتح شهية المشروع الصفوي الإيراني لابتلاع السنة بكل تاريخهم وجغرافيتهم.


      والعقبة التي تحول دون الفعل المؤثر هي «تشتت القيادات»، وهنا لا بد من وضع النقاط على الحروف ووضع الحروف على السطور أيضاً:


      إن الاختلاف في الرؤى والتصورات شأن مألوف لدى كل النخب المثقفة في العالم، فتقويم الواقع وتقدير التحديات اليومية وحتى المصيرية وترتيب أولوياتها لا يخضع للوحي المقدس، والناس متفاوتون بمستوياتهم العلمية وخلفياتهم الثقافية والتربوية، ومن هنا جاءت فكرة «المنافسات السياسية»، حيث يتم عرض الرؤى والمناهج المختلفة على عامة الناس على شكل أحزاب سياسية أو قوائم انتخابية، ثم يكون الحسم بيد الجمهور، هذا هو آخر ما توصلت إليه الخبرة البشرية في إدارة المشاريع القيادية المتنوعة والمتنافسة.


     في الإسلام هناك تشجيع مفتوح للاجتهاد في كل ما لا نص فيه، وتشجيع الاجتهاد يلزمه بالضرورة القبول بنتيجته وهي الاختلاف، والذي يطالب بالاجتهاد ويتضايق من الاختلاف يقع في ازدواجية ثقافية معيبة، وعليه فمطالبة العلماء والمجتهدين والسياسيين والمثقفين بتوحيد اجتهاداتهم مطالبة غير واعية وغير مفهومة أصلاً، وتنم عن حاجة عاطفية ووجدانية أكثر من كونها تعبيراً عن رؤية علمية منهجية.


     إذاً الاختلاف في الرؤى والتصورات والاجتهادات بشروطها المعروفة حالة طبيعية ومنطقية وشرعية لا غبار عليها، لكن المشكلة تتلخص في الجانب العملي، حيث إن الجمهور يريد موقفاً موحداً وواضحاً ليتحرك على أساسه، وهو لا يفهم كيف يكون المصيب مأجوراً والمخطئ مأجوراً أيضاً، ولا يدري كيف يحول هذه الفلسفة المركبة إلى قرار ميداني يضمن للمجتمع وحدته وتماسكه ويحقق له أهدافه.


     ينطلق الإسلام في حله لهذه المشكلة من نقطة جوهرية، وهي التفريق بين ما يؤثر سلباً على وحدة الأمة وتماسكها وما لا يؤثر، فمثلاً غالب الفقه المتعلق بالعبادات الفردية والأحوال الشخصية وعقود المعاملات بين الأفراد.. إلخ هذا كله متروك للاجتهاد فقهاً وتطبيقاً ولا يضر الخلاف فيه، إلا في حالات معينة، أما الاجتهادات المتعلقة بالشأن العام في السلم والحرب والتفاوض والسياسات العامة ونحوها، فلا شك أن هذا لا يقبل فيه الخلاف «ميدانياً» وإن جاز فيه الخلاف «نظرياً» بمعنى أن الخلاف النظري بآلية الاجتهاد ينبغي أن يحسم في النهاية لصالح الموقف الموحد، فيكون الاجتهاد هو الساحة التي تجمع كل الاحتمالات والنظريات بمنتهى الحرية والوضوح، ثم يضع الإسلام أدواته في الحسم باختيار الأغلبية، كما حصل في غزوة أحد، حيث طرح أكثر من سبيل للمواجهة، إلا أن الأغلبية اختارت الخروج إلى أحد، أو باختيار السلطان الشرعي، حيث إن أمر القيادة التنفيذية يحسم اجتهادات الجنود والمستشارين، لكن ليس من بين هذه الأدوات منع الاجتهاد أو منع الخلاف.


     وبما أن أهل السنة في العراق ليس لهم «سلطان» قادر على الحسم بقوة القانون فلم يبق أمامهم إلا اختيار الأغلبية وانحيازهم لاجتهاد واحد أو مركب من بين الاجتهادات المطروحة على الساحة، وهذا يتطلب قدراً من الوعي وقدراً أكبر من الشعور بالمسؤولية.


       على الجمهور السني أولاً أن يضع إطاراً توصيفياً واضحاً لمشكلته، ومن خلال هذا الإطار سيتمكن من الجواب عن السؤال المستفز الذي عبر عنه أحد الكتاب العرب في مقالته «سنة العراق ماذا تريدون بحق السماء؟» وسيتمكن أيضاً من اختيار المرجعية التي يحقق من خلالها ما يريد. إن السني بالروح التي يحملها وهي روح الأمة وهويتها وتاريخها وبشعوره الوطني حيث يعد نفسه الباني لهذا الوطن ومجده وحضارته بينما اكتفى الآخرون بالمعارضة الشاملة والمستمرة- لا يستطيع اليوم أن يغير عنوانه أو موقعه، ولذلك انطلق لوحده رغم جراحاته ليدافع عن العراق في منازلة التحرير الكبرى ضد الاحتلال الأميركي، وقد كان يتوقع أن الآخرين سيتفرغون لتحقيق مصالحهم ومآربهم الانتهازية، لكنه ربما لم يكن يتوقع أنهم سيعاقبونه فوق ذلك على وطنيته، بل وسيتحالفون مع العدو الأميركي الذي تغذيه هو الآخر ثقافة الثأر من المقاومة وحاضنتها الطبيعية.


      إن السنة عليهم أن يعترفوا بالواقع الجديد على مرارته، وإن الدفاع عن العراق لن يكون بالتخلي عن وجودهم وهويتهم، بل إن ضعف السنة وضياعهم هو الذي سيقود إلى ضعف العراق وضياع هويته.


وفي هذا الواقع المرير لا بد من طرح الأسئلة المفصلية التي يجب أن نجيب عنها قبل البحث عن المرجعية، مثل:


 


1- هل هناك بالفعل مشروع طائفي يهدف إلى استئصال الوجود السني ومحو هويتهم وتاريخهم؟


 


2- هل هناك فرصة لأن يتمرد المجتمع الشيعي على أدوات التحكم الديني والسياسي لينضم بالفعل إلى المشروع الوطني أو الربيع العراقي؟


 


3- وإذا وقع أهل السنة بين خيارين: نظام مركزي بهيمنة شيعية مطلقة، وبين نظام فيدرالي يضمن للسنة خصوصيتهم الثقافية والدينية وحقوقهم المعيشية والأمنية، فما الذي يفضلون؟


 


4- إذا رفض السنة الفيدرالية ورفضوا الخضوع للهيمنة الطائفية فهل عندهم القدرة لفرض مشروعهم الوطني على العراق من شماله إلى جنوبه؟


 


5- إذا أصر الشيعة على انضوائهم في البيت الشيعي وتحت مظلة المرجعية فبأي عنوان سنخاطبهم أو نتحاور معهم، هل سنقول لهم: أنتم الشيعة ونحن أهل العراق، أو نحن الذين ليس لنا اسم؟


 


الإجابة الصادقة والمسؤولة عن هذه الأسئلة هي التي تعيننا على رسم خارطة الأهداف الكبرى وترتيب أولوياتها، ثم بعد هذا ننتقل إلى المشاريع المطروحة بأسمائها ورموزها، ونختار منها الأكفأ والأقدر على تحقيق هذه الأهداف، وسنجد أن العراق زاخر بالكفاءات والإمكانات الهائلة، وضم هذه الكفاءات في إطار مرجعي واسع ليس أمراً مستحيلاً، لكن المستحيل أن ندعو إلى مرجعية موحدة قبل أن نحدد بالضبط ماذا نريد من هذه المرجعية.


إن التقليد الأعمى للمرجعيات على وفق العرف الشيعي مرفوض في الإسلام، وإن الانبهار بالصور والرموز والمؤثرات الإعلامية لا يقود إلى حل، الحل أن نعرف مشكلتنا بالضبط، ثم نختار القيادة المناسبة لهذه المشكلة، وبعد هذا سنرى أصحاب الاجتهادات الأخرى سيذوبون في المجتمع، ومن هنا تتكون الوحدة المنشودة، وهو باختصار توحيد المرجعيات باتجاه الهدف، وليس توحيد الأهداف باتجاه المرجعية!


 

اترك تعليقاً