الرئيسية / مقالات مختارة / سجال الهوية ..لغة المنطق

سجال الهوية ..لغة المنطق

أسعد العزوني

الرائد لا يكذب أهله ،والمثقف الملتزم لا يخدع أهله،وأنا أرى أن غربي النهر وشرقيه حتى جبال الأوراس هم أهلي وأحبتي وإخوتي،رغم واقع الحال الذي لا يسر في بعض الساحات ،بسبب وجود أجندات يعمل بعض المستثقفين  على تنفيذها ،دون النظر إلى سوء عاقبة ما يقومون به على شعوبهم، وأؤكد أن أحدا لم يفوض أحدا بالتحدث بإسمه.

ما أخوض به  هنا ،هو إنحطاط وإنحدار مستوى سجال الهوية في الأردن ،وطرح سؤال خبيث هو :من هو الأردني ومن هو الفلسطيني؟ ولعل خطورة ونجاسة هذا السؤال  ،تكمن في توقيت طرحه ومن يخوض فيه،إنه الرويبضة حتى لو كان حاصلا على شهادات السوربون وأكسفورد وهارفارد كلها، لأن الذي لم يتعلم أبجديات المنطق ويحفظ سورة الولاء والإنتماء لأمته ، لا يعد متعلما بل هو أجهل الجهلاء.

هذا هو بيت القصيد بلا رتوش،وإن بقينا في الأردن على هذا الحال ،ننجر وراء الرويبضات وننفذ أجندات البعض ، التي تهدف إلى جر البلاد والعباد إلى ما  لا يحمد عقباه، فإننا سنهزم أنفسنا بأنفسنا ،ولذلك فإن على الجميع أن يقرأوا هذا السفر الوحيد ويحفظوه عن ظهر قلب،وهو أن كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة ،أرض الحشد والرباط ،هو أردني الولاء والإنتماء ،وفيما يخص المكون الفلسطيني،فإن سؤال الهوية يطرح عليه في حال إقرار حق العودة ،فمن أراد أن يعود إلى فلسطين فهذا حقه الطبيعي ،ومن طاب له العيش في الأردن فهذا حق له ،ولذلك أقول أنه من المعيب جدا أن يقال للفلسطينيين في مثل هذه الظروف :خذوا ملوخيتكم وإرحلوا ؟؟!!

الأردن كما  هو معروف يؤوي العديد من المكونات الإجتماعية  الناجمة عن الكوارث الإنسانية بدءا من شواطيء غزة وإنتهاء بمنطقة القفقاز ،حيث إخوتنا الشركس والشيشان ،مرورا بالعديد من البلدان العربية التي وجد بعض أبنائها الأردن حضنا دافئا له، فهناك المصريون والشوام  والأكراد والعراقيون والموريتانيون واللبنانيون والمغاربة والحجازيون ومن بني معروف “الدروز”،وبحق فإن الأردن هو البلد العربي الوحيد الذي جمع كل هذه المكونات ،ويرقى بذلك إلى مرتبة الدولة القومية رغم أنه لم يطرح شعار القومية  كما فعل البعض .

السؤال هنا هو: لماذا يتم التركيز على المكون الفلسطيني؟هنا تكمن الكارثة ،إنها الأجندة الخبيثة التي تهدف إلى تفجير الأردن ،وبسلاح أبنائه وجهل البعض ،ولست معنيا بأصل هذا المكون أو ذاك،لأن مفهوم المواطنة عندي واحد لا يتجزأ.

في محاضرة له بالنرويج في شهر حزيران المنصرم ،خاطب مدير معهد بيغين- السادات الإسرائيلي الحضور النرويجي بأن إسرائيل تشعر بأسف شديد لأنها فشلت  بإثارة حرب أهلية في الأردن ، وقد سبقه إلى التعبير عن هذه الرغبة الأمنية رئيس وزرائه نتنياهو عندما “بشر”وزراءه ذات إجتماع بقرب دخول الأردن في دائرة الفوضى الداخلية،وعززت هذه الفكرة إحدى العرافات الإسرائيليات التي قالت أن الأردن سيدخل الفوضى الداخلية في شهر أيار 2013،لكن الله سلم ،ونجا الأردن من  الدعوات الإسرائيلية لإغراقه بالحرب الأهلية،وعلى ما يبدو أن هذه الرغبة ستتحقق على أيدي بعض أبنائه ممن تربوا على أيدي الأجنبي بغض النظر عن هويته.

لمن لا يعرف فإن التجنيس والتوطين وقعا على الفلسطينيين في الأردن قسرا وبطريقة مؤسسية ،ولا أدري ما الذي جعل بعض التابعين يفتح هذا الملف ،وأغلب الظن أن الجهل بالتاريخ والجغرافيا  هو السبب ،إذ أن هناك من لم يقرأ عن مؤتمر أريحا وتداعياته والوحدة بين الضفتين عام 1950،وتداعيات حرب عام 1967،وإن دل هذا على شيء ،فإنما يدل على الجهل المطبق بمن يخوض في هذا السجال وبهذه الطريقة.

لم يكن الفلسطينيون عالة على أحد ،وهذه ليست منية ولا تمنن ففيهم الأغنياء وقد أسهموا ببناء الأردن وإستظلوا بظله ،ولم يعتبروا أنفسهم غرباء فهم بين أهلهم ويعلمون أن موضوع الإحتلال جعل لهم خصوصية ،ويتمنون أن يزول هذا الإحتلال اليوم قبل الغد ،وأما بالنسبة لمن يقول أن الفلسطينيين يصبحون وزراء ونوابا في البرلمان ،فهذه قصة يجب الخوض فيها بطريقة أخرى ،كما أن هناك من الشركس والشيشان والأكراد والموريتانيين  والشوام ،وغيرهم ممن تقلدوا وما يزالون يتقلدون مناصب عليا ،ويعد البعض  منهم ،من صناع القرار، ومع ذلك لم نجد من يتحدث عن هذا الموضوع ،مما يدلل  على وساخة أجندة إتهام الفلسطيني بالمحاصصة.

ليس سرا ما أقول فإن تحذيرا بريطانيا  ذات أزمة جاء فيه أن:” تشيرشل  رسم خارطة الأردن وهو ثمل ،ولذلك فإننا قادرون على شطبه  ونحن واعون لما نعمل”، وهذا التحذير يحتم علينا ألا نحيد عن الإنتماء والولاء لهذا البلد ، كي لا يظن كائن من كان أنه قادر على شطبه أو تعديل حدوده أو العبث فيه بحجة سوء سلوكنا.

الإسرائيليون والأمريكيون  يتمنون منذ زمن لخبطة الأوراق في الأردن ،وتحديدا قيام الفلسطينيين بالعبث فيه ،وقال ذلك صراحة أحد السفراء الأمريكيين في صالون السيد طاهر المصري الذي طالب الفلسطينيين صراحة أن يتحركوا ضد النظام في الأردن ،وسيجدون أمريكا  على أهبة الإستعداد لدعمهم وتسهيل مهمتهم ،وكل ذلك من أجل عدم تمكينهم من العودة إلى بلادهم،لكن السيد طاهر المصري حسم الأمر بجملة واحدة  جاء فيها :”يا سعادة السفير لتعلم أن الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين ،وعندما علم الراحل الحسين بالواقعة قرب منه السيد طاهر المصري.

ما أود الخلوص إليه من تلك الواقعة هو أن الفلسطينيين لم ولن يفكروا يوما في  التوطين في الأردن ،لأنهم يعلمون جيدا تبعات ذلك،كما أنهم لم ولن ينسوا وطنهم الذي “بيع ” ليهود بحر الخزر .

ما يجري هذه الأيام من تسخين للنقاش حول الهوية في الأردن ،وإنحرافه من خلال ردود فعل يسجلها مجهولون معلومون هو للضغط على الفلسطينيين كي يقبلوا بأي حل ،وتكون الغلبة لإسرائيل.

هناك سيناريو  لختم السجال المنحط على الهوية في الأردن وهو  قيام ثلة من الموجّهين بالتحرش بأحد المخيمات الفلسطينية ومثلهم يقوم بالتحرش بإحدى القرى الأردنية ،وعندها ينفجر الوضع ،وبعد ذلك تحط قوات إسرائيلية وأمريكية في الأردن بحجة حماية الفلسطينيين وعندها سيتم فرض الوطن البديل ،ونكون قد خربنا بيوتنا بأيدينا ،فهل سيرحمنا التاريخ؟

اترك تعليقاً