ستانفورد

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

توقف القطار في محطة بوسطن الأمريكية، ليهبط منه رجل وزوجه بملابسهما المتواضعة، ومن ثمَّ توجها إلى جامعة هارفارد المعروفة عالمياً، وقصدا مكتب رئيس الجامعة لمقابلته دون إذن مسبق، ولكن مديرة مكتبه رأت من شكلهما أنهما غير جديرين بحظوة اللقاء، فقالت لهما بأن رئيس الجامعة مشغول للغاية، ولكن الرجل وزوجه أصرا على الانتظار لمقابلة رئيس الجامعة، وانتظرا لساعات طويلة حتى وجد رئيس الجامعة أنه لا مفر من لقائهما، وحينما دخلا عليه أخبراه أنّ ابنهما درس في الجامعة لسنة واحدة ثم توفى، وكان سعيداً بدراسته في هذه الجامعة، فقررنا أن نتبرع لهالنخلد ذكراه. فأخبرهما رئيس الجامعة بأنه من الصعب تخليد اسم كل من درس في جامعة هارفارد، فقالا له إننا نريد أن نهب الجامعة مبنى يحمل اسم ابنيهما، فقال رئيس الجامعة متعجباً هل تعلمان كم تُكلف أبنية الجامعة؟! لقد كلفت 7 ملايين دولار، فقالت السيدة لزوجها: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نبني جامعة جديدة تحمل اسم ابننا؟ وغادر الزوجان ليلند وجين ستانفورد ليؤسسا جامعة ستانفورد العريقة عام 1884.

من الشائع المعلوم أن للهيئة دخلاً كبيراً في الحكم على الناس، والارتباط وثيق بين ثقة المرء بنفسه ومظهره وما يحمل من ثياب. ومن المعلوم أيضاً أن المظهر ليس فقط من معايير الحكم على الناس؛ فكم من أناس يحلقون في فضاء الكمال تتسع صدورهم للعالمين وقد ارتدوا من الثياب المتواضع الذي أرهقته السنون، وكم من أناس تراهم يرفلون في غالي الثياب كزخرف خارجي يستر كدراً لا تصفيه تلك السنون.

والذي اعتاد العجلة في إصدار الأحكام تسيطر على ذهنه سحائب سود تتبدى في صور ذهنية تختلف مع الواقع وتخالفه، ولا شك يتلوها حسرة وندامة.

ومثل هؤلاء من يسخر من صغير لصغر سنه وهكذا يظن- ولا يدري أن في الصغار يكمن الإبداع والذكاء والفطرة العقلية النقية. ولقد قرأت قصة طريفة لطفل كان يدخل محلاً للحلاقة، وكان الحلاق يسخر منه أمام الزبائن واصفاً إياه بالغبي لأنه كان يضع في إحدى يديه درهماً وفي الأخرى خمسة وعشرين فلساً، وكان يخيّره بينهما، وفي كل مرة كان الطفل يختار الأفلاس الخمسة والعشرين. وفي إحدى المرات سأل أحد الزبائن هذا الطفل مندهشاً عن سر أخذه الأفلاس وتركه الدرهم، فقال الطفل: لأني لو أخذت الدرهم ستنتهي اللعبة التي أستمتع بها.

فلنتعلم ألا نحقرن من الناس أحداً ولا نستصغرن صغيراً لصغره؛ ففي الصغار كبار، ولا نعيبن مخلوقاً لشكله، فالجاحظ ملأ الدنيا علماً.. وقد غابت عنه كل حظوظ الجمال.

اترك تعليقاً