روح الحضارة

المستقلةً – القاهرةً – بقلم المفكر المصري دكتور محمد سعيد

عجيب أمر البشر في ارتباطهم بأمهم الأرض وبطبيعتها الخلابة التي تتأنق جمالاً بالزهور، ذلك الرمز الصادق لروح الحضارة في أبهى معانيها، ولعلنا لا ندهش عندما نرى تلك الزهور مصاحبة لنا في أحوالنا كلها؛ صحة ومرضاً، فرحاً وحزناً، بداية ونهاية؛ إنها تشق معنا الحياة يوم تعلن وجودنا، وتزفنا يوم الفراق إلى أرض نرجو أن تزهو بنا.

ومن بديع ما تؤمن به شعوب الأرض ما تراه في ارتباط الياباني بالزهور؛ فإنه يرى فيها جمالاً ذاتياً وقداسة روحانية ترجع إلى قرون متطاولة في القدم، فقد كانت تقدم في المعابد البوذية، ويتغنى بها الشعب الياباني فيمناسباته المختلفة، كما يؤمن بها في معاركه حيث تتجسد أرواح الجنود في صورة أزهار الكرز فتتجلى في جمال وجلال. كما ترتكز تركيبة الزهور اليابانية على ثلاثة فروع رئيسة ترمز من خلالها إلى السماء والأرض والبشر. ولم تزل الأزهار رمزاً لجمال الشخصية اليابانية ومعبراً عن راقي مشاعرها ونبيل أخلاقها.

ولنتأمل معاً إبداع الشاعر الياباني أكاكورا عندما كتب يوماً عن الأزهار فقال: عرفت الإنسانية شعر الحب عندما عرفت حب الأزهار. إن اليوم الذي قدم فيه أول رجل باقة الزهر الأولى إلى محبوبته؛ قد نسج معراج ارتقائه نحو الإنسانية في أرقى معانيها؛ فقد تنزّه عن حاجات الطبيعة المادية فأصبح إنساناً حقيقياً، وبإدراكه الفائدة المتسامية لما هو غير مادي حلّق في سماوات الفن، وفي الأفراح وفي الأتراح ترى الأزهار هي الصديق الوفي الأمين، فنحن نحب والأزهار تلهمنا عبيراً فواحاً من شعر جميل، ونحن نتزوج وهي معنا جيلاً بعد جيل، وفي مرضنا وفوق فراشنا تراها خير قرين. وحتى في الموت تكون لنا المحضن الرحيم، وعندما نرقد في التراب فهي تبكينا بقطرات نداها فوق قبورنا كحبات لؤلؤ نقي وكقطر العبير. كيف نستطيع العيش بدونها؟ أهناك أقسى من تصور العالم كأرمل يحيا في غيابها؟ لكن مهما يكن ذلك مؤلماً فإنه عبثاً نخفي ما طوي في أنفسنا من واقع أليم؛ فنحن وبرغم دنونا من الأزهار لم نرتق لنكون في حضرتها، ولم تزل حقيقة الجوع لكل ما هو مادي راسخاً في كياننا ومتأصلاً في أعمق أعماق نفوسنا. ولم تزل شهواتنا أكثر ما يشغل ذهننا وجوارحنا. نفخر أحياناً أننا أخضعنا المادة، ولا ندري أن المادة هي التي أخضعتنا لها. حدثيني أيتها الأزهار اللطيفة يا دموع النجوم أتعرفين ما قد ينتظرك غداً من مصير رهيب غير معلوم؟!

إن لم يقم دليل على روح الحضارة عن اليابان غير حب الأزهار.. لكفانا هذا الدليل.

اترك تعليقاً