ذكريات احسد عليها

لقطة عامة لقضاء الكحلاء

جبار النجدي

 

عن مدينة عشت فيها مدة طويلة من الزمن هي مدينة الكحلاء مدير ناحيتها في زمن الرئيس الهادئ الطيب عبدالرحمن

عارف كانوا يسمونه الناس ابا عقيل كان رجلا بسيطا جدا يتجول في الناحية و أسواقها بمفرده

لا احد يعرف اسمه لحد الآن، محاسب البلدية ابو ماهر، سمين يلبس روبا، مفوض الشرطة مأمور المركز خالد وريثه، وكان من بين شخصياتها الاثيرة في ايامها الجميلة على طاولة القمار في ناديها الجميل وغرفه المتداخلة الرجل المقامر الطيب جخيور، وينافسه كاظم برسم، وسليم، وابراهيم المصبح، وطه الطنطل

كان الناس وطبقة المثقفين والمعلمين في الكحلاء يتوجهون إلى النادي بعد نوم قيلولة الظهيرة، ثم يمضون إلى متعهم للتخفيف عن عناء الدوام الرسمي الطويل.

لم يكن لدى الناس هموما تشغلهم سوى التمتع بفسحة الحياة المتمثلة باللعب واللهو في النادي من أجل التسلية والترويح عن نفوسهم التي  تسمح  بأن يكونوا عائلة واحدة ومن كل الطبقات والرتب. فهناك الوان من الناس تربطهم علامتان بارزتان في المدينة، نادي الكحلاوي، ومكتبتها الاثيرة التي يديرها الأنسان الرائع والأنيق عبدالحسين طويب.

نقرأ في المكتبة صباحا أمهات الكتب، ونذهب  الى  النادي ليلا لكي نتمتع بسحر المكان  ونوادر الظرفاء مثل  جخيور، وصبري، وعلي الشيخ صالح، وغيرهم.

كان هدر الوقت من ذهب ومتعة لاتدانيها  متعة قبل بدء الحروب

في نادي الكحلاء يتساوى الجميع ليلا. المدرس، والموظف/ ورؤساء الدوائر المهمة، وضابط  الشرطة، والحمالون في السوق،  وكل الناس الذين ينفقون أوقاتهم بعد انقضاء فترة عملهم بالتلهي ويلعبون البوكر المكشوف والمستور بأوراق اللعب الملونة ،وتجمعهم هذه التسلية   بألعاب أخرى مثل لعبة  الكروس والرامي والواحد والعشرين،وغيرها من اللعب بالورق  ويتواصلون عبره حتى الفجر مثل البوبجي الآن  تماما وسواء بسواء.

كانت ناحية الكحلاء تمتلك مكتبة ضخمة تابعة للإدارة المحلية امينها العام الأنسان المؤتمن والخلوق والانيق عبدالحسين طويب. فكنا نقرأ في قاعتها المزودة  بالمراوح وهي أحدث التقنيات التبريدية في وقتها بعد مهفة الخوص اليدوية، وكان عبدالحسين طويب لا يعطي إعارة خارجية من الكتب حفاظا على كتب المكتبة من الضياع، لكنه سمح لي ولبعض الأصدقاء بالاعارة الخارجية بدون تأمينات ظنا منه بأننا سنصبح مستقبلا من الأدباء المهمين لاننا نكرس وقتنا للقراءة،  لكن بعض أصدقائنا لم يعيدوا الكتب المستعارة فسجل عليهم دعوة قضائية في المحكمة ولكنه لم يفلح في استردادها إلى يومنا هذا. كان الحرص شديد على الكتب  من قبله لاسيما امهاتها.

في الكحلاء كان اخوالي إسماعيل وصالح وصبري كل منهم يحتل موقعا رسميا في خدمة الناس.

إسماعيل مشغلا لمكائن الكهرباء التي تقع في أطراف المدينة مع المرحوم سعودي، وخالي صالح مسؤولا عن ضخ اسالة الماء للمدينة، وصبري يعمل في الصحة مشغلا لزوارق الفرق الجوالة التي تذهب الى الاهوار يوميا لمكافحة الأمراض المتوطنة وتقديم العلاج لهم.

كل منهم يمسك بعصب من اعصاب المدينة برواتب متواضعة  إنهم يقدمون الخدمة المجانية للناس ويتميزون بحسهم الساخر ونكاتهم التي تريح الناس  وتسعدهم كل يوم.

متنزه بلدية الكحلاء

مقابل منتزه الكحلاء الذي يقع على ضفة النهر تقع متوسطة الكحلاء، يجاورها الحمام الحكومي العام الذي كان يؤجره من البلدية  الحاج (طويب). كان مدير المدرسة الأستاذ عبدالكريم العويني  شديدا قاسيا لاتفارقه العصا أبدا ، فنرتعد عند مرآه حيث يجلدنا  بعصاه جلدا مفرطا لا أنتقاما ولكن حرصا منه على مستوانا الدراسي.

كان الكادر التدريسي من ارقى الكوادر التدريسية الاستاذ كامل زبالة لغة إنكليزية، استاذ منصور جغرافيا وتاريخ، صالح عبود رياضيات، استاذ صباح رسم، وخالد رياضة ومحمود الفلاحي وعباس لغة عربية، واستاذ حسين ابا علي منتدب من الابتدائية ليدرس في المتوسطة، كان كفوءا وخلوقا .

كانت المدرسة تتكون من عدة صفوف مجاورة للإدارة وساحة كبيرة جدا في الخلف. كنا نطوف في الفرصة هذه الساحة. منا من يقرأ الشعر، ومنا من يرقص ويغني. كان الطلاب يتجمعون على شكل (كروبات) كروبنا كان يتكون من ياسين غضبان، واحمد عبد الرضا (رحمهما الله) وداود سلمان، ورحيم عبدالله.

كان الطلاب متفاوتين  في اهوائهم السياسية كنا نخرج مظاهرات في المناسبات الوطنية متجهين إلى رأس جسر الكحلاء قرب ماكنة الحاج خريبط حيث يلقي بنا هناك الفلسطيني حرب كلمة حماسية يهاجم بها أسرائيل ونحن نصفق له بحماس قل نظيره

الكحلاء عبارة عن شبه جزيرة تحيطها الأنهار من ثلاث جهات لتصل هذه  الانهار في النهاية إلى الشلفة والاعيوج والرافعي وغيرها من مناطق الاهوار التي يصلها السكان عبر (الماطورات) التي كان يشرف عليها الحاج خضير والد المرحوم صبيح،و تتوقف في الغالب في طريقها إلى الاهوار فينزل ركابها لدفعها وإزالة بقايا البردي من( بروانتها).

تبدء مساحة الكحلاء كمدينة من  موضع ماكنة الكهرباء المحاذية للبساتين وتنتهي قرب ماكنة الثلج لحجي باقر وتمر في طريقها  بمتوسطة الكحلاء التي تجاور الحمام العام وبيوت الحياك  (  الحياج) القصبية.

لقد شهدت متوسطة الكحلاء حدثا هاما يتمثل بنقل مديرها السابق العويني وتعيين بدله الأستاذ الفاضل محمود الفلاحي فتنفس الطلاب الصعداء ذلك لأن الأستاذ الفلاحي لا يحمل معه عصا ويتعامل مع الطلاب برقة واحترام وود لا نظير له ويتمتع بصفات غاية في التواضع واحترام الآخر.

كانت السياسة التربوية للاستاذ محمود الفلاحي تختلف عن العويني كل الاختلاف كان لا يحمل عصا ويستمع للطلاب ويستقلبهم في إدارة المدرسة ليتفهم مشاكلهم كان طلاب متوسطة الكحلاء لديهم دعابات فكاهية رائعة يقوم بها أثنان من أهالي قرية الشعبة القريبة من الكحلاء وهما عبدالحسين، وآخر لا أتذكر اسمه الان ولكن اسم ابيه سيد إبراهيم، كانوا يعملون مقالب تجعل دموعنا تنسكب من الضحك والغريب أن دراستهما  انتهت بهم إلى الحوزة الشريفة ليصبحوا رجال دين معممين ومن ثم انقطعت أخبارهما.

كان في مدينة الكحلاء علامات بارزة في الثقافة والفن والشعر ومنهم الأستاذ الأديب والشاعر جبار عبيد، والشاعر المكفوف عبدالكريم الغرباوي، وعباس جبار الذي كان يعزف  الناي ليلا على المشاحيف المتجمعة في نهاية نهر الكحلاء الذاهب إلى الشلفة  والمجاور لمنتزها الذي يقابل تقريبا منطقة المنحدر.

وبالقرب من متوسطة الكحلاء وفي الجانب الآخر  يقع نادي الكحلاء وعلى مبعدة بسيطة  منه وبعيدا عنه بقليل  تقع المنطقة التي تسمى المنحدر وبالقرب منهما تقع دائرة اعتقد انها تابعة للبيطرة يتجمع هناك ليلا اناس يحبون الطرب والغناء  فنسمع منهم طور المحمداوي الذي يؤديه على الغالب وبأمتياز حسين نعيس ومجموعة من المطربين الذين قد عاش بعضهم مع سيد محمد، وجويسم، وخلف لازم وغيرهم.

كان يؤتى في الاعراس بالغجر الذين يسمونهم الكاولية إذ يقدمون في الاعراس فصولا من الغناء الغجري الذي يختلف تماما عن الغناء الريفي ويقوم الحاضرين بتعليق مبالغ نقدية على اثواب الراقصات الغجريات مكافأة لهن بواسطة دبابيس شوكية صغيرة بكل مودة وأحترام ولم ينشروا عليهن الأموال الورقية مثلما حدث فيما بعد وسمي ذلك بالكيت

لقد كانت أصوات الغجريات جميلة ورخيمة وجهورية وتهتز الناس  لهن طربا مع انهم يعزفون بواسطة آلة الربابة ذات الوتر الواحد حسب

كانت نخبة ممتازة من المدرسين والمعلمين تدرس في مدارس الكحلاء وساكنين فيها وأغلبهم يسكنون في دور الموظفين الحكومية مقابل أجر رمزي زهيد يستقطع من رواتبهم ومنهم عبدالغفار السامرائي (ابو عماد)، وحسن شهاب، ومجبل جاسم، ومحمد جاسم، و عبدالواحد (ابو ليث) وغازي مزيد، وياسر، وسالم، من الطائفة الصائبية المحترمة، وكاظم جواد، واستاذ منصور مدرس الجغرافيا، وعبدالجبار الرياحي (ابو صلاح) وخليل تايب الفلسطيني، ومهدي (ابو صلاح) وعادل عبدالرحيم، وصباح خضير، ورحيم طارش، وعبد الرضا منخي  وطائفة نادرة من المعلمات الكفوءات.

يقابل ذلك رجال يتمتعون بالغرابة ولمحة السحر منهم خضير ابو العنكبوش، وبيجي، وطه الطنطل، وغيرهم كثير

يقابل ذلك مجموعة من الظرفاء منهم عبد الرضا بوهان، وصبري حجي ناصر( ابو نادية) وجخيور دمث الأخلاق، وماهر يأتينا بلعب الورق، وعلي الشيخ صالح مدير املاك البلدية الطيب بكل معنى الكلمة. واناس طيبون حد السذاجة وحب الناس بلا حدود على رأسهم جمعة سويل، وحسن غضبان، وسليم، وأغلبهم يجتمعون في نادي الكحلاء ليلا وكان اقواهم بدنيا واكثرهم تحديا ابراهيم المصبح،و ابو طارق النجدي المصبح يعمل قصابا في سوق المدينة ووالده الحاج إسماعيل المصباح لديه (مغازه) في السوق والمغازه تعادل حاليا أسواق او مول وهو صديق جدي الحاج ناصر.

التعليقات مغلقة.