الرئيسية / رئيسي / خمسة أوهام وخمسة دروس عن الصراع الامريكي الايراني

خمسة أوهام وخمسة دروس عن الصراع الامريكي الايراني

ظافر العاني ….

الوهم الأول: ان حكومة طهران ستغلق مضيق هرمز ولسوف يتضرر أمن الطاقة العالمي وامدادات البترول، وسيكون متعذرا على العراق ودول الخليج تصدير نفوطها من خلاله فتنهار اقتصاديات المنطقة .

إنها كذبة فلاتصدقوها ، صحيح أن ايران أعلنت اكثر من مرة انها لو تضررت فلن تكون الخاسر الوحيد وعلى جميع دول المنطقة دفع فاتورة آلامها ، ولكنها ليست اكثر من ادعاءات للتهديد وحسب ، فمنذ مجيء نظام الخميني عام 1979 وحتى الان أعلنت ايران عن تهديدها بغلق مضيق هرمز عشرات المرات مما يصعب احصاؤها ، لكنها لم تغلقه ولا مرة ، ولن تغلقه هذه المرة ايضا . فمضيق هرمز تمر عبره الامدادات النفطية العالمية وتعتمد عليه معظم دول العالم الغربي واليابان ، وبعض هذه الدول تتعاطف مع الموقف الايراني مالم يحدث صراع امريكي مباشر فتلتحق بالحليف الاكبر ، وبالتالي فان غلق المضيق سيجعلها تخسر حتى الدول القليلة المتعاطفة معها الان مما يوسع جبهة الخصوم عليها ، وبالتالي فهو خيار مستبعد . إذ هي دائما ماتترك فرجة مريحة تطل من خلالها على المجتمع الدولي .
الدرس الأول : إيران اعقل من ان تتهور بمعاداة العالم بأجمعه .

الوهم الثاني : أنها في حال تعرضها لهجوم امريكي فان ملشياتها في العراق والمرتبطة بالحرس الثوري الايراني ستبادر بالرد .

لا أظن أن حكام طهران مأخوذين بالوهم فيما يتعلق بالولائيين ( وأقصد بهم المسلحون خارج الحشد الشعبي )، فهؤلاء اصبحوا قططا سمان ومترهلة ، ولديهم شبكات مصالح تجارية كبرى ولا أخالهم مستعدين للتنازل عنها ، فقد حان وقت استمتاعهم بثرواتهم ونفوذهم السياسي ، أما صغار المقاتلين فإن عزيمتهم اصابها الفتور وهم يسمعون قصص ثراء زعمائهم على حساب دمائهم ، ومن قياس التجارب السابقة فما اسرع تبديل الولائيين العراقيين لولاءاتهم . قد يقوم مايسمى الزينبيون والفاطميون الافغان والباكستانيون او حزب الله ببعض التحركات المحدودة الأثر ، اما المترفون من الولائيين العراقيين فقد اصبحوا أباطرة مال وسماسرة عقارات .
بعض زيارات المسؤولين الايرانيين الأمنيين للعراق ليس بهدف تنسيق العمليات العسكرية وانما لرفع معنويات الولائيين والتأكد من ثباتهم .

في المعارك التي شارك فيها الولائيون خارج العراق ، لم يردوا على الضربات العسكرية المتكررة من القوات الامريكية وتحملوها بصبر يحسدون عليه رغم انهم في الوقت ذاته أثخنوا ببسالة نادرة اعداءهم من المعارضين العرب والارهابيين الاسلاميين جراحاً .

الدرس الثاني : أذرع ايران الخارجية مصممة لتهديد وإبتزاز دول المنطقة العربية وليس للصراع مع الدول الكبرى .

الوهم الثالث : ان المصالح الامريكية في العراق والمنطقة ستكون عرضة للتهديد والاستهداف .

ياله من وهم صعب التصديق . فأولا ليست هنالك مصالح امريكية واضحة وثابتة في العراق ، حتى سفارتها التي توصف بانها الاكبر في العالم تم تفريغها من موظفيها ولم يبق فيها الا عدد قليل ومحدود منهم وشركاتها النفطية سفرت اغلب عامليها . اما مقراتها الثابتة فإنها نائية وحصينة ، وقبل ذلك فان ايران ستتجنب كل مايمكن ان يفهم منه بان وكلاءها ضالعون بأي عمل عسكري ضد تواجد القوات الامريكية وخذ على سبيل المثال ردود الفعل على صاروخ الكاتيوشا الذي سقط قريبا من السفارة الامريكية وقد تنصل عنه الجميع بل وأدانوا القائمين به . فالادارة الامريكية اعلنت منذ استهداف قنصليتها بالبصرة إن أي عمل عسكري يطال وجودها في المنطقة من قبل وكلاء ايران فانها سترد على ايران مباشرة وليس على صغار حلفاءها ، وقد اعادت التأكيد على ذلك اثناء زيارة مسؤوليها للعراق كي يوصلوا لطهران رسالة مؤداها ان اي عمل عسكري يوجه لها من أي طرف في العراق فان ردها سيوجه لطهران وليس لغيرها . والأمر ذاته ينطبق على نحو كبير حول اي عمل عسكري تجاه حلفاء امريكا في المنطقة ولاسيما الدول الخليجية التي ترتبط بعلاقات ستراتيجية واتفاقيات عسكرية مشتركة ، وما انسحاب عدد من القطع الامريكية من الخليج العربي الا لأنها تأكدت ان لاتهديد ايراني للخليج .إيران غير مستعدة لإختبار صبر امريكا والدول الكبرى عليها فيما لو عرضت مصالحهم للتهديد المباشر ، اذ ماتزال تجربة العراق لم تبرد نيرانها بعد . وإذن ما الدرس المستنبط من ذلك ؟
الدرس الثالث: لإيران قدرة عالية على امتصاص الضربات لو شعرت بان ثمن الرد سيكون باهظ الكلفة .

الوهم الرابع : أن إيران لن تدخل المفاوضات مع الامريكان تحت التهديد : إنه إيهام دبلوماسي تعوزه الدقة ، فمنذ ان بدأت بوادر الازمة مع الامريكان والوساطات بين البلدين مستمرة واغلبها بطلب ايراني . بل ان ايران تأخذ مصالحها غلابا ولاتدخل المفاوضات إلا اذا شعرت بضعف موقفها ، ولطالما فعلتها حتى لمن تهتف لهم بالموت في كل يوم ( امريكا واسرائيل ) ، والمتابع يرى مقدار حركتها المكوكية وحركة الحكومات الصديقة لها خلال هذه الفترة بتشجيع ايراني عندما ازدادت وطأة الضغوط الاقتصادية عليها وقبلها كانت طهران اكثر تعنتا وصرامة . تُعّرف إيران بين الدول بأنها اكثر دولة تتقن المفاوضات والحوار مع الاعداء الكبار ، وتستطيع ان تتملص من التزاماتها الدولية عبر بوابة الحوار ، وهو جزء من تقاليد فارسية عريقة .

الدرس الرابع : الدبلوماسية الايرانية تترك الباب مواربا مع اعدائها من اجل مفاوضات محتملة .

الوهم الخامس : ان الصراع الامريكي الايراني صراع وجود .

هذا هو أكثر الأوهام شيوعاً وتضليلا ، فلا امريكا شيطان اكبر سينهيه المستضعفون الذين يقودهم الولي الفقيه ، ولا امريكا تريد ازالة النظام السياسي الايراني ، إيران تشاغب امريكا في مناطق اقليمية مهمة لها ولاتؤثر على معادلة الصراع الدولي ، وهي لاتنتظر من كل ذلك الا الاعتراف بمكانتها كلاعب اقليمي كبير ومادونها صغار ، وبمعنى ا خر تريد ان تلعب دور الشرطي في المنطقة ولكن لحسابها وليس لحساب امريكا كما كان يفعل الشاه ، أما امريكا فهي لاتهدف الى انهاء نظام الجمهورية الاسلامية كما فعلت مع العراق . هذا خيار مستبعد بل وربما لاتقدر عليه واشنطن ، اذ ان اقصى ماتنتظره منها ان تغير سلوكها الخارجي الذي تصفه بالعدواني والمتطرف ، وان تحد من نفوذها الأمني الخارجي مادام مقلقاً ومزعجاً ، وهي لو ارادت ان تكون لاعبا إقليمياً رئيسيا فليكن ، ولكن مع اخرين كبار وليس لوحدها وان يكون لحساب امريكا وبالتنسيق معها .

وبالتالي فان الصراع سيكون محدودا ومحكوما بضوابط لايمكن تجاوزها ، وهو تغيير انماط السلوك السياسي لكليهما لا أكثر . واخطر مايمكن ان يحدث فيما لو تعقدت الامور فانها ستكون ضربة عسكرية محدودة جدا تستهدف مقرات قيادة الحرس الثوري الايراني وربما بعض مواقع المفاعلات النووية ، او ( وهو الاغلب ) استمرار الحصار الاقتصادي وتشديد مدياته بما يجعل الشعب الايراني يضغط على قادته وقد يحدث انفلات شعبي وفوضى شاملة . لكن طهران التي تتقن المناورة مع الكبار ، فانها وقبل ان تصل علاقتها مع واشنطن الى نقطة اللاعودة وقبل ان يتوتر الرأي العام داخل شعبها ، ستبادر لتطمين امريكا والمجتمع الدولي ، وهو الخيار الأرجح . خيار يقلل الخسائر المحتملة والمجهولة ، ويحفظ شيئاً من كرامة نظامها السياسي ، ولايزعزع نظام الهيمنة الامريكي . الضربة العسكرية ستقوي المتطرفين من رجال الدين المحلفظين وتحكم قبضتهم أكثر ، اما العقوبات فانها تفقد النظام السياسي شعبيته وتزيد من حالة التذمر ، وهو ماتراهن واشنطن عليه وتتجنبه طهران .

الدرس الخامس : إيران مستعدة للمغامرة بكل شيء إلا سلامة وديمومة نظامها السياسي .

عضو مجلس النواب

اترك تعليقاً