حيل نفسية

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

ما زال يشكو مر الشكوى من أي نقد يوجه إليه، وحاول مراراً وتكراراً أن يلتمس طرقاً تنجيه من مواقف اللوم المعتاد، واستشعر أنه قد وصل إلى مرحلة لا يجب معها أن يتعرض لمثل هذا الحرج المتكرر، ورغم ذلك فإن المحيطين به لم يسكتوا عنه لوماً لاذعاً مُفرطاً، مما جعله يشعر أنه محط الهجوم الأوحد في هذه الحياة؛ فصار حاد المزاج عنيفاً معزولاً عن الناس.

وهكذا النقد عندما يوجه إلى بعض الناس، يستجلب مشاعر الضيق والضجر، حتى اكتسب سمعة سلبية إذا ما طرق أسماعنا. والسؤال الآن هل من الممكن أن نستفيد من هذا السلوك الإنساني؟ مع تسليمنا أن النقد يجب أن يقدم في ثوب لبق أنيق، حتى يتلقاه الطرف الآخر بصدر رحب شفيق. ولكن هبْ أن الناقد كان فاقداً لهذه المهارة وهم كثير في حياتنا– هل نستطيع أن نكتسب طرقاً للاستجابة الإيجابية لمثل هذه المواقف الحياتية؟ وذلك عن طريق الإنصات الكامل لمن يوجه الانتقاد، وهو الإنصات الموضوعي الذي لا يؤخذ على محمل شخصي، والذي نبحث فيه عن معلومات مفيدة ينطوي عليها موقف النقد، مع النظرة المحايدة للشخص الذي يقوم بهذا الموقف. كما ينبغي أن نتجنب الهجوم المضاد؛ ففيه تجاوز للنقد وتخلُص منه ومن قيمة ما يتضمنه من نصائح ورسائل تصحيحية وتقويمية، كما يتضمن إهانة ضمنية للطرف الآخر. والنقد ولو كان قاسياً؛ إلا أنه مفيد في الارتقاء الشخصي، ولعل التعامل الناجح معه يمكن أن يزيد من فاعليته، وذلك بحيل نفسية من خلال التفكير في السؤال الآتي: ما أوجه الاستفادة من هذا الموقف؟

إن البارعين في التعامل مع النقد يعزلون السلوك الذي يُنقدون فيه بعيداً عنهم، كأنه خارج نفوسهم يطالعونه بأعينهم، وبالتالي فهم يراقبون سلوك الانتقاد دون أن يمسهم ليحددوا الجوانب المفيدة فيه ويتصرفون حيالها. بينما هؤلاء الذين يفزعهم النقد يأخذونه داخل أنفسهم يتخيلون المعنى الحرفي السلبي له؛ فكأنه يخترق صدورهم مثل سهم صلد باتر وشعاع مظلم نافذ.

عندما تواجه النقد خذه كأنه شيء أهدي إليك، ضعه أمامك وقلّبه واكتشفه، واسأل من أهداه أسئلة تكشف عن مضمونه، وسترى أنك أكثر راحة نفسية في التعامل معه، ولن يؤثر فيك التأثير السلبي الذي كنت تستشعره. حافظ على وجود مدى بينك وبين النقد، واجعل التعليقات النقدية على مسافة منك، ضع حاجزاً من الزجاج إذا أردت، وانظر وجوه الصواب والتزمها وهنّات الخطأ واجتنبها.

إن الاستجابة الذكية للنقد من المهارات الناجعة التي تجعل حياتنا مختلفة، فإنها تدعم ذواتنا، وتربطنا بالآخر على نحو أكثر رقياً وصفاءً.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.