الرئيسية / مقالات مختارة / حلم الوصول للبحر:الحرب الشرق أوسطية القادمة هي الحرب الكردية التركية

حلم الوصول للبحر:الحرب الشرق أوسطية القادمة هي الحرب الكردية التركية

 

الدكتور رافد علاء الخزاعي

 إن قراءة التاريخ بتمعن واخذ جوانبه الجغرافية السياسية والتطور القومي للقوميات المنصهرة تحت ظل هويات وطنية شكلت لإغراض المصالح السياسية المشتركة الآنية والمستقبلية تحتم علينا إن ننظر بقوة وبتأمل وإمعان شديد للنهوض القومي الكردي في أوائل القرن الحادي والعشرين الذي شهد تغيرات كبيرة على صعيد الشرق الأوسط من تغير نمطية أنظمة الحكم  السياسي في المنطقة المحيطة بالجغرافيا الكردية وتغيير تحالف القوى الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية في عولمتها الجديدة في علاقاتها مع العرب وإسرائيل وإيران والكرد والاتحاد الأوربي وموقع كردستان المتميز في وسط هذه المعادلة مع الثارات الدينية القديمة مع تركيا العثمانية.

يعتبر الكرد اليوم، والذين يقدر نفوسهم بين ( 20-25 ) مليون نسمة،من القوميات الكبيرة  في العالم التي ليس لها كيان سياسي متميز، أو دولة خاصة بهم  رغم كون ” كردستان ” ، والذي  يعني بلد الكرد، يمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة تشمل أراضي من العراق وإيران وتركيا وأذربيجان وحتى سوريا ولبنان والأردن.

 ولكن هو بلد بدون حدود  معينة ومثبتة على الخريطة السياسية للعالم، ولا يدل على انه وطن يتطابق مع شعب ومع دولة كردية موحدة وإنما هو عدة مناطق منقسمة بين عدة دول إسلامية متجاورة أو متصلة ببعضها .

 ومما لا شك فيه هناك جملة عوامل سياسية وإقليمية ودولية لعبت دوراً مهماً في إفقار الكرد من وحدة قومية أو من كيان سياسي قومي خاص بهم.

وقد تنطبق هذه العوامل أيضا على بعض القوميات الأخرى التي مزقتها الحدود السياسية للدول، إلا أن ما يميز الكرد عنهم هو تفاعل هذه العوامل مع عوامل داخلية اجتماعية مرتبطة بطبيعة الكرد أنفسهم ساهمت مساهمة فاعلة في هذا الإفقار إلا في نظريات فكرية و احزاب كانت تحلم بدولة كردية موحدة.

  وعلى العموم يمكن حصر هذه العوامل في :

أولاً : علاقة الكرد بالدين الإسلامي

وثانياً : التركيبة الاجتماعية لهم

وثالثا : تفاهمت سياسية للدول الإقليمية مع المصالح العليا وقتها مع الدول الاستعمارية الكبرى  والتي من الناحية الستتراتيجية تغيرت الآن أو إن القوى الكبرى في تفكيرها الاستعماري الانكلو سكسوني كانت دائما تبقي مناطق صراع تستغلها في وقت لاحق كما هو في الهند أو الكويت في منطقة الحياد.

 بالنسبة للعامل الأول، يجمع معظم المؤرخين على أن الكرد لم يكن معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تبدأ بوادر هويتهم الكردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية.

 فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب  شمل

حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم المتميزة.

  لكن مع هذا، برزوا كمحاربين أشداء ومقاتلين في سبيل دينهم. وصلاح الدين الأيوبي،معروف بالأمثال المضروبة به في شجاعته وبسالته في خدمة الإسلام، فهو الذي كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه إلا أنه لم يفكر أو يسعى إلى تأسيس كيان خاص لأبناء شعبه الكردي فحياته كلها كانت مكرسة في بناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها.

 وهذه الحالة نفسها استغلها  السلاطين والأمراء الأتراك في تحالفهم مع الكرد  كقوة تعمل على حماية الإسلام ونشره , تتحول كفة التوازن في هذه العلاقات والاشتباكات، لصالح السلالات

التركية التي رجّحت إتباع سياسة التحالف  ألمصلحي مع الكرد بالأغلب لدى مرورها بميزوبوتاميا أو ما يسمى بلاد النهرين ونحو الوطن العربي ذلك أنها اعتبرتهم حليفاً إسلامياً لها في الوصول إلى أهدافها التوسعية في بلاد الأناضول.

 وتتجلى هذه السياسة التي سلكها الأتراك في كل معاركهم مع الفرس والصفويين في إثارة إمارة بابان وقتها لإثارة الاضطرابات على الحدود الإيرانية في حروب خاض غمارها الكرد بالنيابة عن الأتراك.

 أما  السلاطين السلاجقة الكبار فأَوْلَوا جُلَّ اهتمامهم للتوسع نحو الغرب مع سلاجقة الأناضول، لدى توغلهم في الأراضي الإيرانية. وفي الوقت الذي تطورت فيه حملات الأتراك التوسعية في الأناضول على حساب مصالح الروم والأرمن المسيحيين على الدوام، أخذ الطابع الإسلامي يحتل مكانة بارزة وأولية تدريجياً في الميدان الثقافي أيضاً.

 ولعبت الأساليب التي مارسها الأمراء الأتراك، والتي تتميز بكونها أمرن وأخف وطأة من البنى الإقطاعية الرثة للبيزنطيين، الدور المؤثر للغاية في ذلك. بالتالي أصبح التتريك واعتناق

الإسلام القَدَرَ المحتوم والبارز للأناضول، سواء في عهد السلاجقة، أو السلاطين العثمانيين الآتين بعدهم على الفور. ولم يقتصر مفعول التتريك والإكراه على اعتناق الإسلام عنوة على البُنى السياسية والأيديولوجية الفوقية فحسب، بل تنامى طردياً في البنى التحتية، وفي الجبال والسهول أيضاً.

 وبينما اعتمدت الطبقة الحاكمة العليا أساساً على المذهب السنّي الرسمي للإسلام، واللغتين العربية – الفارسية للتكلم بها.  وخلالها وطدت الشعوب الأرمنية والرومية والتركية والكردية أجواء تنعم فيها بالحياة الآمنة المشتركة منذ قرون سحيقة، ولولا جشع الشرائح البورجوازية – الإقطاعية العليا لمصالحها الخاصة، لاستمرت هذه الشعوب في حياتها المتداخلة حيث يسودها الوئام والصداقة والود والأمن.

  وكأن مرض النزعة القومية لدى الرأسمالية قد نَفَثَ سُمَّه في عُرى هذه الصداقة المقدسة بعد الحرب العالمية الأولى ، ليزجها في عداوات أشد هولاً وخطراً من الصراعات الإقطاعية الدينية، ويشعل بذلك فتيل الإبادة والفناء المقدر على تقاليدِ وثقافةِ حياةٍ استمرت آلافاً من السنين. إنه حريق لهّاب، يصاب فيه من في الأعلى بالانعزال والانفراد، ومن يكون في الأدنى يحترق بناره المضطرمة.

 وفي خضم هذه الإحداث وقف مصطفى أتاتورك بحرب التحرير ضد التحالف ما يسمى الهليني أو الانكليزي اليوناني الروسي وبشكل طبيعي برز التعاضد والتكاتف التركي – الكردي في هذه المرحلة، في مواجهة أطماع الروم والأرمن التي تبدت كخطر مشترك محدق بهم. أدى هذا التحالف والتعاضد إلى اكتساب حرب التحرير الوطنية في 1922 وتحقيق النصر فيها. وبينما عبّرت حرب الاستقلال والسيادة الوطنية، المتصاعدة بقيادة مصطفى كمال باشا لها في الأناضول، عن معاني سامية ونبيلة موضوعياً وذاتياً بالنسبة للأتراك؛ نراها بالنسبة للأكراد تبقى مجرد ظاهرة موضوعية بالغالب.

  أي أنها تبقى حرباً يساهمون فيها بوعي وطني محدود للغاية، ولكن بنوايا حسنة. لذا لم يطوروا مخططات ومشاريع التحرر كما هو في مشاركة الشيخ المجاهد محمود الحفيد في ثورة العشرين مع العراقيين في جنوب العراق ضد الاحتلال الانكليزي وكان كل الخيارين للأكراد هو الهوية الإسلامية فوق المطامع القومية ولكن بعد بروز الدولة البلشفية تنامي الوعي القومي الكردي في إطار الدولة القومية في دولة مهاباد للقاضي محمد.

  وهكذا نرى هذه التجليات تظهر تارة بقوة وتختفي تارة بقوة حسب التناغم الإقليمي العالمي فبعد اتفاقية الجزائر في 1975 ورفع شاه إيران دعمه للثورة الكردية نراها انهارت ورجعت بعد الحرب العراقية الإيرانية من جديد وكذلك حزب العمال التركي او الحركة الكردية الإيرانية نراها تظهر بقوة وتختفي حسب هذا التناغم وبعد حرب الخليج الثانية ظهرت بوادر تأسيس الدولة الكردية لتأخذ مداها في المصالحة الكردية في سنة 2001بين الفصائل الكردية المتناحرة .

 ولكن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وجد الأمريكان الأكراد حلفاء استتراتيجين  وشركاء مهمين ضمن سياسة واشنطن  في خارطة الأوسط الجديد في انهيار تركيا وإيران من خلال هذا التحالف وكما رسمها بريجنسكي وكيسنجر في نظريتهم المشهورة (ضرب أسفل الجدار) لتتساقط قطع البناء وإعادة بنائها هذه المرة حسب الرؤية الأمريكية الحديثة وليس حسب الروية التي اتفق عليها الاستعمار القديم ضمن اتفاقية سايكس بيكو.

كل هذه النقاط والتجليات بانت واضحة ألان للعيان بعد ثورة الربيع العربي وتفريغ الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل المزعوم وتهديم القوة العسكرية بيد ابناه الثائرين ضد أنظمة الحكم الفاسد مع ظهور النفط كقوة اقتصادية مطلوبة للسيطرة على اقتصاد أوربا الغربية وان مناطق إنتاجه في العالم العربي أو في كردستان  ويجب مروره ضمن خطوط نقل مؤمنة ومحمية من قبل الحليف الكردي إلى البحر الأبيض المتوسط عبر كردستان الجديدة التي ستكون ماردين احد سواحلها في القريب العاجل  وعلى اقل تقدير في 2016-2918 بعد ظهور ربيع تركي إيراني شبيها بربيعنا العربي يهز منظومة الدولتين نتيجة التحدي الاقتصادي والضغوطات المعيشية الاجتماعية والديكتاتورية الإسلامية وتزايد الاحتراب الأثني القومي الطائفي المعدة خطته سلفا.

  فهل يا ترى سنشهد هذا الحلم الكردي في الوصل الى البحر الأبيض المتوسط بعد إن تغيرت طبيعة التحالفات الإقليمية العالمية أم هي مجرد أحلام؟؟؟

اترك تعليقاً