الرئيسية / مقالات مختارة / حكومة ما بعد الانتخابات -التحديات والتوقعات-

حكومة ما بعد الانتخابات -التحديات والتوقعات-

 

د. خالد عليوي العرداوي

 

انتهت الانتخابات البرلمانية في العراق بكل ما لها وعليها من ايجابيات وسلبيات، وهي انتخابات وصفها احد المرشحين المشاركين فيها بأنها لم تكن انتخابات بالمعنى التنافسي المتعارف عليه، بل كانت معركة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، من حيث الخطاب السياسي المتبادل بين المتنافسين، واستغلال وسائل القدرة التي يمتلكها كل طرف من أجل التأثير على الناخبين وإضعاف خصومه، واستثمار الامتدادات الإقليمية والدولية لجميع الأطراف قبل وبعــد الانتخابات من أجل رسم ملامح المرحلة القادمــة، وهي مرحلة سيكون من ابرز تحدياتها كيفية تشكيل الحكومة؟، ولكن قبل الخوض في هذه الفقرة لا بد من الإشارة إلى ما يلي:

1- إن الحكومة القادمة ستولد ولادة صعبة وعسيرة، بسبب طبيعة الصراعات المأزومة التي تجري بين القوى السياسية في العراق، وانعدام البوصلة الهادية لصناع القرار للعمل بما يحقق الصالح العام للشعب.

2- إن الحكومة القادمة لن ترى النور بسرعة وقد تستغرق وقتا في حال تشكيلها لا يقل عن ثمانية أشهر إلى سنة بعد الانتخابات.

3- إن الحكومة القادمة سوف تتشكل في بيئة إقليمية ودولية ملتهبة تؤثر في سياساتها العامة والتفصيلية، وفي موازين القوة بين شخصياتها القيادية ومكوناتها السياسية، وستمارس عليها ضغوط غير نمطية من قبل الاستقطابات الإقليمية والدولية.

4- إن الحكومة القادمة سوف تواجه تركة ثقيلة من التحديات والمشاكل الموروثة من حكومات ما بعد الاحتلال على مستوى الاستقرار الأمني – السياسي، ومستوى الخدمات والبنية التحتية، ومستوى السياسة الاقتصادية – المالية للبلد، ومستوى السلوك والقيم السياسية السائدة، ومستوى البنية الاجتماعية والعلاقة مع الآخر، ومستوى العلاقات الدولية والإقليمية، فيجب أن تكون حكومــة ذات معايير قيادية استثنائيــة لتنجح في معالجــة وتخطي هذه التحديات.

5- إن الحكومة القادمة ستكون الفيصل في الحكم على إمكانية بقاء العراق كدولة تتمتع بوحدتها السيادية الحالية أو تفتح الباب لمشروع تقسيم العراق ليأخذ طريقه إلى التطبيق العملي ضمن مدى زمني متوسط قد يستغرق الـ 10 إلى 15 سنة القادمة.

وبناء على هذه المعطيات الصعبة، يمكن أن يتأرجح تشكيل الحكومة العراقية القادمة بين أربعة سيناريوهات احتمالية، وكما يلي:

السيناريو الأول: (سيناريو التفاؤل)

حكومة أغلبية وطنية مريحة

يقوم هذا السيناريو على احتمالية حصول إحدى الكتل السياسية المتنافسة في الانتخابات البرلمانية على أغلبية أصوات الناخبين العراقيين، وبالتالي أغلبية مقاعد البرلمان العراقي، مما يؤهلها لتشكيل الحكومة دون الحاجة إلى إجراء صفقات تقوم على المحاصصة مع بقية الكتل، وتكون حكومة متجانسة ومتماسكة وتعمل كفريق واحد من اجل مصلحة الشعب وتطبيق برنامجها الانتخابي المعلن، فيما يأخذ بقية خصومها موقع المعارضة في البرلمان. وستكون نتائج هذا السيناريو في حال تحققه كبيرة جدا، على مستوى قوة الحكومة وقدرتها على تنفيذ برامجها، ومستوى المعارضة التي ستنشغل فعلا بمراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها عند تقصيرها، لاسيما عندما تعمل الحكومة والمعارضة بهدف واحد هو تحقيق المصلحة العامة وإعادة الاعتبار للعراق كشعب ودولة.

لكن على الرغم من ايجابيات هذا السيناريو الكثيرة جدا إلا أن معطيات الساحة السياسية العراقية الحاضرة والمؤشرات الأولية للانتخابات لا تشجع عليه ولا تشير إلى إمكانية تحققه، وحتى لو تحققت الأغلبية فرضا لمصلحة كتلة ما، فستستثمر هذه الكتلة الفرصة لطرد منافسيها واحتكار السلطة لمصلحتها الخاصة حتى لو تعارض سلوكها هذا مع الصالح العام، طالما استمرت منظومة القيم والممارسات السياسية السائدة في العراق اليوم على حالها. إذا فهذا السيناريو مستبعد حصوله، ولا يمكن تصوره للحكومة القادمة.

السيناريو الثاني: (سيناريو حكومة الشراكة)

حكومة أغلبية على المستوى الطائفي وأقلية على المستوى الوطني

يبدو من خلال هذا السيناريو أنه ربما تحصل إحدى الكتل السياسية الشيعية المتنافسة على أغلبية مؤثرة في فضائها الشيعي – الطائفي-، دولة القانون مثلا، تجبر من خلال ذلك بقية الكتل الشيعية على احترام وجودها، والتحالف معها، بعد فتح قنوات التفاهم والتفاوض مع الكتل الكردية والكتل العربية السنية، لتشكيل حكومة ائتلافية، تعيد إنتاج حكومة الشراكة الوطنية الحالية الفاشلة، فتكون الدولة أمام حكومة ضعيفة غير مستقرة، وبرلمان ضعيف غير قادر على الحسم، فيزداد انحدار دور الدولة على مستوى المدى والقدرة، وقد تلجئ الحكومة الاتحادية لتلافي ضعفها، والتخلص من النقمة والسخط الشعبي المتصاعد عليها إلى تفعيل مشروع الأقاليم أو الإدارة اللامركزية الواسعة في العراق لنقل كثير من ملفات الحكم والإدارة إلى حكومات هذه الأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة بإقليم، فتستمر الخلافات والصراعات بين الكتل، وتتعمق الشقة بين المكونات على المستوى الاثني والديني، وتبقى كثير من الملفات والقوانين معلقة في ظل تردي الواقع الأمني والخدمي والبنيوي للدولة وتصاعد مستوى الفساد في الحكم والإدارة، وربما سيكون هذا السيناريو هو الأقرب إلى التحقق، ولكي تنجح هكذا حكومة وتتخلص من سلبيات حكومة الشراكة الحالية عليها تبني قواعد الديمقراطية التوافقية الصحيحة والمعمول بها في البلدان المتقدمة التي مرت بأوضاع مشابهة للوضع العراقي الحاضر، وقطعا لن تكون لبنان نموذجا لهذه الديمقراطية لأنها نموذج محكوم عليه بالفشل عاجلا أم آجلا، وفي مقدمة هذه القواعد وأهمها إطلاقا وجود النخبة السياسية الممثلة تمثيلا حقيقيا لمكوناتها الاجتماعية، والتي تمتلك نزعة وحدوية حسنة النية في التعامل فيما بينها من أجل تصفير المشاكل والأزمات ومنع تراكمها، وتحويل مشاعر الانقسام والتنافر في القاعدة الشعبية إلى مشاعر اتحاد وانسجام وتعايش لدى النخبة، تنعكس بشكــــــل واضح في أداء الحكومــــــة على مستوى التشريعـــــــات والممارســــات.

السيناريو الثالث: حكومة الإنقاذ الوطني

يعتمد هذا السيناريو على احتمالية عدم حصول أي كتلة سياسية على أغلبية مؤثرة،، وفشل الكتل السياسية العراقية المتنافسة في التوصل إلى صيغة معينة لتشكيل الحكومة القادمة، فتصل بعد مدة زمنية غير قصيرة إلى طريق مسدود، يقنعها بأن الحل الوحيد أمامها هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني بإطار زمني محدد، تحل البرلمان وتشرف على انتخابات برلمانية جديدة بهدف تغيير خريطة التوازنات السياسية من خلال أشراك الشعب ــــــ بتدخل مباشر من المرجعيات الدينية، والقوى الاجتماعية العشائرية والقبلية، والمنظمات المدنية الفاعلة، والقوى الإقليمية والدولية المؤثرة، ووسائل الإعلام المختلفة ـــــــ في حل معضلة الكتل السياسية. لكن هذا السيناريو في اخف المساوئ سوف يطيح بالعملية السياسية الحالية، وسيفتح الباب مشرعا لاحتمالات كثيرة غير مأمونة العواقب، وسيواجه العراق – مؤسسات وأفراد- امتحانا عسيرا قد لا يتجاوزه، فتغرق البلاد في أتون الفوضى والارتجال والمشاريع اللحظية غير المدروسة لفترة طويلة.

السيناريو الرابع: السيناريو الأسوأ

يستند هذا السيناريو إلى احتمالية انعدام وجود أغلبية مؤثرة لأي من الكتل السياسية المتنافسة، كما في السيناريو الثالث، وفي نفس الوقت تنعدم نزعة التعقل والرغبة في التوصل إلى حل لديها، مما يترك البلد بلا حكومة شرعية حقيقية، طبعا وتنعدم حينذاك رغبة الكتل في التوافق على إبقاء الحكومة الحالية كحكومة تصريف أعمال مؤقتة، فتلجأ كل كتلة إلى حلول ووسائل متطرفة في التعامل مع منافسيها، وبعد مدة من الصراعات بين هذه الكتل وحواضنها الشعبية، قد ينفتح الباب مشرعا أمام حرب أهلية عراقية عنيفة تقود من جديد إلى تفعيل مشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات على أسس طائفية وأثنية. قد يكون هذا السيناريو بعيد التحقق عند الكثيرين من المهتمين بالشأن العراقي، لكن إلغاء احتمالية وقوعه، يؤشر عجزا فاضحا في الاستقراء والتحليل السياسي، فهناك بعض الأقلام تنظر إلى مشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، البعض يسميها كردستان وشيعستان وسنستان، والبعض الآخر يسميها بلاد سومر (دولة شيعية) والغربية (دولة سنية) وكردستان (دولة كردية)، ولتلافي وقوع مثل هذا السيناريو سيكون من المفيد تجفيف منابع التوتر التي تؤسس له وتدفع باتجاهه من قبل كل القوى والأطراف السياسية وعلى اختلاف مسمياتها وانتماءاتها الداخلية والخارجية، لان هذا السيناريو هو السيناريو الكارثي الذي لا يخرج منه احد مستفيدا.

أن انزلاق العراق لأي من السيناريوهات أعلاه عند تشكيل حكومته القادمة، يعتمد اعتمادا كبيرا على طبيعة العقلية التي تمتلكها نخبه السياسية الفاعلة، ومدى استعدادها للتحول من مرحلة بناء السلطة وعقلية رجال المعارضة إلى مرحلة بناء الدولة وعقلية رجال الدولة، ولعل من الأمور المفيدة التي يمكن أن تيسر وتعجل عملية التحول هذه هو الأخذ بالتوصيات الآتية:

– تجاهل المعيار الطائفي والأثني قدر الإمكان عند تشكيل الحكومة، والانطلاق من المعيار الوطني في رسم ملامح المرحلة القادمة لاختيار المسؤول الأكفأ والأصلح.

– ضرورة امتلاك مشروع وطني شفاف وقابل للتحقق يستهدف تحقيق العدل في الحكم، والعدالة في التوزيع، والاستثمار الأمثل للثروات البشرية والاقتصادية، ويستند إلى منظومة أخلاقية وطنية رائدها التعايش والسلم الأهلي وتجفيف منابع التوتر والأزمات، يشرف على انجازه أناس قادرون على فهم بيئتهم الداخلية والخارجية ويحسنون التعامل معها.

– إجراء تجديد حقيقي للقيادة على مستوى العلاقات الخارجية والداخــلية، فالتحـــديات الاستثنائية تتطلب قيادة استثنائية قــادرة على مواجهتهــا.

– جعل المواطن شريكا للحكومة في رؤيتها ورسالتها وأهدافها، وشريكا لها في معالجة الأزمات والتحديات التي تعترضها، وشريكا لها في الفوائد والمغانم التي تكتسبها، ولا يكون كما مهملا لديها لا تذكره إلا عند مواسم الانتخابات، فتخسر الحكومة بهذه العقلية والسلوك الناجم عنها أهم شركائها ومصدر سلطتها ووجودها.

* مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

اترك تعليقاً