الرئيسية / مقالات مختارة / حق التظاهر مكفول على أن يكون سلميا

حق التظاهر مكفول على أن يكون سلميا

جميل ابراهيم/

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

إن حرية التعبير عن الرأي حق من حقوق الانسان الطبيعية، وهو الاصل الذي تنبثق منه كل الحقوق والحريات، وهو الركن الأساسي في الحقوق الممنوحة للإنسان في المواثيق والعهود الدولية والإقليمية والوطنية. فقد جاء في المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ما يلي: (1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. 2- لكل إنسان حق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها).

وتأسيسا على ذلك، أكدت الجمعية العام للأمم المتحدة أن حرية التعبير هي حق إنساني أساسي… وهي محك الاختبار لكل الحريات التي كرستها الأمم المتحدة. وجاء في نص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن (حق حرية التعبير يشكل واحدا من الأسس الجوهرية للمجتمع الديمقراطي وواحدا من الشروط الأساسية لتقدم وتنمية الإنسان). كما أشارت المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان إلى (أن حرية التعبير حجر الأساس الذي يستند إليه النظام الديمقراطي ولا مفر منه لتشكيل الرأي العام…).

وبالنظر إلى أهمية حق التظاهر كنوع من أنواع التعبير عن حرية الرأي، فقد نصت القوانين الوطنية والاقليمية والدولية على هذا الحق بالنص الصريح والواضح، وأكدت على أهمية احترامه وحمايته. ففي المادة (5) من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جاء الآتي: (دعماً لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، كل شخص له الحق، منفرداً أو بالاشتراك مع آخرين، على المستوى المحلي أو الدولي في الاجتماع سلمياً مع أشخاص آخرين وفي تكوين أو المشاركة في منظمات غير حكومية أو مجموعات).
وأقر ميثاق الامم المتحدة في المادة (12) منه (حق الفرد أو الجماعة في المشاركة في أنشطة سلم تندد بانتهاكات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وعلى الدولة اتخاذ كافة تدابيرها الأمنية لحماية المشاركين فيها) وبمقتضى ذلك يكون من حق أي متظاهر أن تحميه الدولة.

لكن حق التظاهر لا يكون حقا للإنسان، ولا يستطيع ممارسته ما لم يتقيد بالضوابط والأنظمة التي تحكمه وتحكم ممارسة الحقوق والحريات الأخرى. فكما أن حق الرأي والتعبير ليس حقا مطلقا للإنسان، فأيضا حق التظاهر ليس حقا مطلقا للإنسان، بل هو مقيد بالقيود القانونية والشرعية التي تضمن عدم إساءة ممارسته.
وأول شروط ممارسة التظاهر هو أن يكون التظاهر سليما، فالتظاهر الذي يستخدم السلاح لا يعد تظاهرا قانونيا ولا يكون محميا وفقا لقوانين حقوق الإنسان، بل هو خروج وتجاوز واعتداء على حقوق وحريات الآخرين. والتظاهر الذي يخرق سيادة الدولة ويعرض أمنها القومي ونظامها العام، ويوفر مأوى للجماعات المسلحة لا يكون تظاهرا سليما. والتظاهر الذي يدعو إلى العنف ويتبناه ويرفع شعارات عنصرية أو دينية أو طائفية، ويحرض على قتل أبناء الطوائف أو الاديان الأخرى ولا يلتزم بالآداب العام لا يكون تظاهرا قانونيا محميا.

وعلى هذا أشار العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في (المادة 18) في الفقرة (3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة (2) من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة).
وتؤكد المادة (21) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على حق التجمع السلمي وضرورة عدم وضع قيود على ممارسة هذا الحق باستثناء ما يتعلق بصيانة الأمن القومي، أو السلامة العامة، أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة، أو الآداب العامة، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

كما أشارت المادة (11) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة (15) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان على حق كل شخص في الاجتماع السلمي بدون سلاح مع عدم جواز فرض قيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك المفروضة طبقا للقانون، والتي تشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي لسلامة الوطن ومصلحة الأمن القومي، أو السلامة العامة أو النظام العام، وحماية الصحة العامة، أو الأخلاق العامة أو منع الجريمة، أو المساس بحقوق الآخرين أو حرياتهم.

وفي هذا الصدد، أقرت المادة (24) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان حق التجمع السلمي والتظاهر للمواطن وكفل له الحق في ممارسة أي نشاط سياسي سلمي، وأن يمارس الحق في اختيار من يمثلونه، وأن يُكون أي رابطة سياسية أو يشترك فيها، وأن يتظاهر سلمياً، بما لا يخالف ما نص عليه القانون المحلي. كما نصت المادة (38) من الدستور العراقي الدائم على أن (تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون).

ولان التظاهر لا يكون محميا في كل الأحوال، بل يمكن لقوى الأمن التصدي له إذا ما خرج المتظاهرون عن السياقات القانونية، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة حددت الإجراءات والتدابير التي تتخذها قوى الأمن (الشرطة، الأمن ، الجيش) عند قيامها بتأمين وحماية المظاهرات السلمية، وفى الوقت ذاته كيفية فض المظاهرات إذا تحولت من طبيعتها السلمية الى القيام بأعمال شغب أو تخريب، والأهم من ذلك وضعت القواعد والقوانين الدولية والوطنية للحالات التي يتم اللجوء فيها من قبل قوى الامن للدفاع عن نفسها والحدود التي لا يمكن تجاوزها.

نخلص مما تقدم إلى الآتي:
-إن حق التظاهر هو حق من حقوق الإنسان، وهو حق مكفول في القوانين الوطنية والإقليمية والدولية.
– إن التظاهر أحد الوسائل الحضارية للتعبير عن الرأي بهدف إيصال المطالب والحقوق والمظالم إلى السلطات الحاكمة، والتي يتوجب عليها بحكم كونها حامية للمواطنين ومنفذة للقانون أن توفر كافة مستلزمات التظاهر، ومنها حق حماية المتظاهرين.

– إن التظاهر حق محمي مادام في إطار التعبير السلمي، فان خرج عنه لم يعد حقا مكفولا ولا محميا، ويجوز للسلطات أن تفرق المتظاهرين وتحاسب المعتدين والخارجين على القانون والنظام العام.
– يجب ان تكون مطالب المتظاهرين مطالب مشروعة ووفقا للدساتير والقوانين الوطنية، فلا يجوز المطالبة بما يخالف الآداب العامة والنظام العام والقوانين النافذة.

– إن التظاهر لا يجب أن يكون سببا للتفرقة العنصرية والطائفية ومنبرا للخروج على القوانين والأنظمة الوطنية والاعتداء على حقوق المواطنين الآخرين، وإلا خرج عن كونه تظاهرا سليما.

– إن حق التظاهر لا يجب أن يكون سببا من أسباب تعطيل المرافق العامة، وممرا لتخريب الاقتصاد والتجارة لان هذا مما يمس بأمن البلاد واقتصادها ويعطل مصالح المواطنين.

– إن حق التظاهر ينتهي مع تحقيق المطالب أو بعضها أو بالوعد بتنفيذها وفقا لجداول متفق عليها بين المتظاهرين والسلطات الوطنية، وإلا تحول التظاهر بذاته إلى مطلب وليس وسيلة لتحقيق المطالب وبيان المظالم، فان حققت السلطات الوطنية أو وعدت برفع تلك المظالم واستمر المتظاهرون بمظاهراتهم بقصد إسقاط النظام أو عرقلة نشاطات الحكومة المنتخبة فان من حق السلطات الوطنية بل من واجبها المحافظة على الأمن العام بفض هذه التظاهرات وتفريقها.

 

اترك تعليقاً