حزن الخسارة

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

كانت لديها صديقة مقربة تكاد لا تفارقها يوماً، وبلغ مقدار تعلقها بها أنها تعجز عن تحمل بعدها بأي حال من الأحوال، وكأنه اعتماد نفسي معقد يحتاج إلى تحليل عميق. وحدث ما كان مطوياً في مجهول الغيب؛ فقد انتقلت صديقتها إلى بلدة أخرى لظروف خارجة عن الإرادة، فاستشعرت حزناً شديداً على فراقها، وكأن جزءاً من نفسها قد فارقها إلى غير رجعة، وصارت ساهمة واهمةتعجز عن جمع شتات نفسها التي بعثرها حزن الفراق.

الخسارة أمر نواجهه جميعاً، وهي تتنوع بين فقدان عزيز غيّبه الثرى بمرض أو حادث، أو هجر صديق ممن نعوّل عليه في منزلقات الحياة، وحتى ركود التجارة أو ضياع الوظيفة أو عجز القُدرة؛ كلها من صور الخسارة التي لاشك تصيبنا في رحلة الأيام.. وفقدانالأوطان ليس من ذلك ببعيد. كما أن بعض الناس يستشعر الحزن نتيجة عدم القدرة على تحقيق النجاح أو الوصول إلى المبتغى الذي يأمله. حتى العجز عن تحقيق الأحلام له التأثير المحزن نفسه الذي نستشعره حال خسارة عزيز أو شيء غال ثمين. ولا عجب في ذلك؛ فمن الناس منْ يتعامل مع أحلامه على أنها مورد حقيقي لا ينضب لآماله وطموحاته. ويختلف التعبير عن الحزن لدى الشعوب على تنوعها، كما أن طول فترته يختلف أيضاً عبر الثقافات المختلفة؛ فالأيرلنديون يقيمون له “حفلة” حيث يتحدث الأصدقاء والأقارب عن الموتى ويحتفلون لمدة ثلاثة أيام، وفي ثقافات أخرى يستمر حزن الأرملة على زوجها لسنوات أو ربما للأبد.

وللخسارة تأثير شديد على بعض الناس، تحيل حياتهم دماراً، فلا تغادر أبصارهم تلك النقطة السوداء التي تلوح لهم في الأفق،ترعاها أبصارهم الكليلة فلا يحيدون عن مرآها قيد أنملة. إلا أن بعض المتمرسين من الناس منْ يفلح في وضع الحزن في منظوره الصحيح متحلين بمهارات التعامل مع الضغوط النفسية الناجمة عن الخسارة مهما كانت فادحة. وبالتحليل النفسي للحزن عند من يستشعرونه؛ سنجد أنهم يمرون بأربع مراحل وهي الرفض والغضب والاتفاق ثم القبول الذي يكون في كثير من الأحيان أشبه بالاستسلام منه بذلك التدبير الفعال للتعامل مع الحزن، والذي نأملجميعاً أن نبلغه. إن البناء العقلي للتعامل مع الحزن يستلزم استحضار الأوقات السعيدة والعمل على إبقائها حية في الذهن.وكذلك ضرورة اليقين بأن خلف أية خسارة تتوارى مكاسب نفسية ومادية. كما يقتضي التعامل مع الحزن أن نتأهب داخلياً لوقوع ما لا يُستحب مما يكسبنا حصناً نفسياً في اجتياز المفاوز الضيقة للحياة، والسدود الصعبة فيها، والمنحنيات الخطرة على طريقها.

اترك تعليقاً