الرئيسية / مقالات مختارة / حررنا الفاو وإحتلوا العراق / ظافر العاني

حررنا الفاو وإحتلوا العراق / ظافر العاني

يوم إحتُلت الفاو عام ١٩٨٦ كنت جندياً في الجيش العراقي الباسل ، وكنت اقضي للسنة الرابعة خدمتي الإلزامية . كانت وحدتنا يومذاك عند حقول مجنون ، لكن اخي احمد تحركت كتيبته الى الفاو وكان مخابراً، ولكنهم لا يضعونه في الغالب إلا في الرصد الأمامي حيث بينه وبين العدو امتاراً معدودات ، وانا منذ ان وعت عيناي على اخي احمد ، لا أراه إلا وهو يرتدي بدلته العسكرية وبسطاله الأسود المعفر بتراب المعارك .
كان آمرنا يومها المقدم محمد رشيد صالح ، الذي ما ان بدأت معارك الفاو حتى أخبروه بان أخاه وكان جندياً في احد الألوية المشتركة في معركة الفاو قد استشهد ، ولما استأذن من آمريه ليوصل جثمان أخيه الى عائلته ، استشهد هو ألاخر بالقرب من الفاو حيث سقطت احدى القنابل على سيارته فوصلت الى بيتهم في ساعة واحدة  بقايا اجساد شهيدين .
كنت اعرف ان أمي ستموت قهراً ، وأنها لاشك شقت ثيابها ، وكسرت عظام صدرها لطماً على إبنيها فهي لاتعرف مصيرهما ، ولم تكن الاتصالات متاحة . لكني يومها توسلت بآمر بدالة الفرقة ان يُحصِل لي تلفون بيتنا وكان رقمه 4223355 ، لكنه اعتذر مني قائلا بان ظروف المعارك لاتسمح باشغال البدالة بمكالمة عائلية ، توسلت به واذللتُ نفسي من اجل الوالدة ، فَرَقَ لحالي لكنه اشترط ان أجري المكالمة في وقت متأخر ، وقبلت العرض شاكراً .
وحصلتُ الحاجة في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، ولكنها ما ان رفعت السماعة ملتاعةً وقال لها عريف البدالة : حجية عندكم مكالمة من الجبهة .
حتى سمعتها وهي تصرخ قبل ان تسمع صوتي :
–  يبوووووو
وسمعت ذلك الصوت الذي لطالما سمعته منها في الخطوب  ، لطم الصدر الذي تكسرت أضلاعه بعدد المعارك التي خاضها أبناؤها وهم جنود .
– ماما أني ظافر .
لكنها لم تسمعني ،  فقد سمعت صوت ارتطام سماعة الهاتف التي سقطت من يدها على الارض لتستغرق في عويلها ونحيبها .
– ماما والله مابيه شي . ماما ،،، ماما
لم يهدأ صراخها حتى جاءت أختي إيمان وألتقطت سماعة الهاتف وهي الأخرى تصرخ .
– إيمان أني ظافر ( قلت ذلك حتى لا اترك أي وسواس لها )
– ماما هذا ظافر . (  صاحت بفرح منادية على الحاجة التي سقطت مغشياً عليها )
واحتاجت إيمان الى وقت طويل كي تفيقها من اغماءتهاو لتقنعها بان ظافر بخير .
– أسمعه ،، أريد أسمعه ،، انتِ تكذبين عليَّ .
– ماما والله أني ظافر . ( قلت بأعلى مافي حنجري من صوت )
– احمد مات ؟ ( قالتها وهي تصرخ )
ظنت أني احمل لها نبأ استشهاد ابنها احمد .
– لا والله مابيه شي ، أصلا انا اتصل لأقول لك باني ذهبت الى احمد ورأيته وهو بخير ، ووحدتهم لم تشترك بالمعركة أصلا .
– الله عليك يُمه .
– الله عليَّ .
لا اعرف ماذا سيقول بعض المتدينين حين يقرأون أني أقسمت كذباً ، وسأقول لهم :ولو كنت قرأت كل فقه الديانات السماوية التي تُحرم القسم بالله ، لأقسمتُ لها كذباً .
مابالكم ؟ إنها أمي بأضلاع قفصها الصدري المكسور . فلا تُسمعوني فتاواكم لأنها لن تمس شغاف قلبي.
في الصباح رجوت نائب الآمر النقيب رائد عبد الرزاق ان يمنحني إجازة ولو ليوم واحد كي ابحث عن اخي بين رفات الشهداء في الفاو . وبالرغم من انه ذكَّرني بمصير المقدم محمد لكني الحفت في الرجاء فقبل على مضض .
كان احمد جندياً في الكتيبة 214 مدفعية ثقيلة متجحفلاً مع اللواء 47 فرقة 11 وهو نفس اللواء الذي قاتل العدو الامريكي في أم قصر عام 2003 .
وصلتُ الفاو وانا أتنقل من زيل الى زيل ( وهي سيارة شحن عسكرية ) ، وارى على طول الطريق طوابير الشهداء الملفوفة بالعلم العراقي لتذهب الى أحبتها يلقون عليهم نظرة الوداع ، وما أسعد الجنود الذين انتهوا ببتر احدى قدميهم او كلاهما ، او مزقت اجسادهم الشظايا اللئيمة لكنهم مازالوا يشمون الهواء .
وحدها الصدفة التي جعلتني اعثر على أحمد ، لاتسألوني كيف ؟ لعل ربي أراد لي ان أبر بقسمي الكاذب لأمي مضطراً . وجدته في احدى الخيام في المنطقة الخلفية لساحة المعركة ، فقد إنسحبت كتيبته من المعركة بعد أن لم يبق منها إلا بضعة أنفار فقد استشهد وجرح كُلُّ من فيها.
وبعد عناق مشحون بالعواطف الأخوية المبللة بدموع اللقاء عدتُ راجعاً لحقل مجنون ، حيث وحدتي العسكرية التي تحمل الرقم 2706 .
كان خبراً مفجعاً لنا جميعا ، فقد إحتل الإيرانيون أو الفرس المجوس مدينة الفاو بعد معركة راح ضحيتها عشرات الآلاف من الجنود والضباط . وقد أدركت القيادة العسكرية متأخراً انها خسرت المعركة نهائياً وان استعداداتها لتحريرها ليست كافية .
التقينا في الإجازة الاعتيادية نحن الاخوة انا واحمد وسلمان ، وعدنا الى وطننا الصغير المملوء بالحب ، عدنا الى أحضان أمي التي دارت انكسار هزيمتنا العسكرية بانتصار لقاءها بنا فتلك هي معركتها منذ ان حملتنا في بطنها ، وقد كان سلمان وقتها جندياً ، ولكن في بغداد وفي مديرية ادارة الضباط ، بعد ان تم إلغاء الفرقة التاسعة التي كان جندياً فيها ، فقد عُرفت فرقته وقتها بان النحس يلازمها ، فهي ما دخلت معركة إلا وواجهت حرباً ضروساً ، حتى أبيدت أكثر من مرة فقررت القيادة العامة إلغاء اسمها نهائياً ، وتوزيع بقايا جنودها ، وكان نصيب سلمان ادارة الضباط .
في عام 1988 وفي 17 نيسان منه ، في مثل هذا اليوم ، تحررت الفاو من براثن الاحتلال الايراني في معركة ستظل دروسها تحمل عبراً عظيمة للتخطيط العسكري رفيع المستوى وللبسالة منقطعة النظير وهي ماتزال تُدَرس في أرقى المعاهد العسكرية العليا .
كان تحرير الفاو إيذاناً بتجرع السياسيين الإيرانيين كأس الهزيمة والتنازل عن عنجهيتهم غير المبررة ، والقبول بوقف القتال وإنهاء معركة امتدت ثمان سنوات بسبب رفضهم كل الوساطات الدولية . وكانت فرحةً كبرى للعراقيين على امتداد خارطة الوطن الحبيب ، فرحة لا أظن شعباً تمتع بحلاوتها مثلنا ، إلا لأولئك من العراقيين !! الذين كانوا يقاتلون الى جانب الحرس الثوري الايراني يومها .
واليوم . ماذا عن اليوم ؟
أخي سلمان إستشهد نهاية عام 2005 برصاصة اخترقت عينه وخرجت من الخلف، وهو جالس في المقهى مع أصدقاءه في مدينة الشعب  . مِن قِبل مَن ؟ من عصابات مرتبطة بالحرس الثوري الايراني . وأخي أحمد غادر بغداد الى الموصل بعدما نجاه الله من عبوة لاصقة انفجرت على من كان يحاول ان يضعها اسفل سيارته عام 2010 ، وتناثرت اشلاء القاتل في احدى شوارع الاعظمية ولكن  من قبل من ؟ من احد افراد  مليشيا مرتبطة بفيلق القدس الايراني  ، أما ظافر فمازال يقول بإيمان لايتزعزع بان الاحتلال للعراق هو احتلال إيراني .
هل تريدون الدليل ؟ حسناً . قال اليوم قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني مفاخراً ( بأن العراق لن يعود للوراء ) ،،،
وهو يقصد بان العراقيين لن يستطيعوا بعد اليوم تحرير الفاو ، ولا تحرير العراق من قبضته .
وانا أجد نفسي مضطراً ان اقول له بينما استذكر يوم تحرير الفاو .
انت واهم يا قاسم سليماني ، والعراقيون ، كل العراقيين ، سيجعلونكم تتجرعون كأس الهزيمة من جديد .

4 تعليقات

  1. ظافر العاني طائفي بعثي نتن

  2. قادمون وانتم تعلمون ذلك

  3. would like to comment on a friend set difficulty.The official also did the right

  4. شكرا للطائفي البعثي العاني الذي يفتخر بالقادسية ويذكر بها وهو يتمنى في سره ان يعرج على كربلاء ويكمل الفخر بيزيد وابن زياد…شكرا له تنبيهنا انهم قادمون بكل قذارة بني امية وال سعود وعلى مد ى 14 قرن ولكن هيهات والايام بيننا

اترك تعليقاً