جيل التغيير

نزار السامرائي

مما لاشك به أن التغيير الذي حصل في العراق بعد نيسان 2003 كان تغييرا شاملا ، لم يقتصر تأثيره على النظام السياسي بل أصاب بنية النظام الإجتماعي والثقافي والأقتصادي بشكل عام. وتعدت نتائجه الى النظام القييمي والتربوي الذي ترافق مع ظهور أنماط جديدة للحياة أمتزجت بالتوجه نحو شبكة الأنترنت والهواتف النقالة ما جعل الجيل الذي نشأ وترعرع وسط هذه التغيرات ينبني على أسس جديدة تمتزج بها المعلوماتية بالتقنيات الحديثة بالتمرد الذي يسود الحياة بشكل عام.

مع التغيير نشأ جيل دخل المرحلة الأبتدائية والعراق يعيش مرحلة طاحنة من صراع طائفي كاد أن يؤدي بالمجتمع الى الهاوية، مع صعود التيارات السياسية الدينية والعرقية القائمة على نبذ الآخر والتمترس خلف آيديولوجيات منغلقة سعت الى جذب الشباب اليها بشتى الطرق التي تزرع الكراهية والأبتعاد عن الآخر.

ومع وصول هذا الجيل الى المرحلة المتوسطة حتى سقط ضحية الإرهاب والجماعات المسلحة التي تبنت العنف بشكل غير مسبوق ومحاولة الاستحواذ على مقدرات المجتمع بالتهديد والوعيد دون تردد من استخدام السلاح والتصفيات الجسدية بأسم مفاهيم محرفة للدين، أنتجت واحدة من أعنف وأشد الآيديولوجيات كراهية للآخر وفق مفاهيم تعدت أية قيم سوية، فامتلأت المقابر بالضحايا وتصاعدت جيوش الأيتام والأرامل بأعداد غير مسبوقة وتهدمت مدن وقرى بالكامل، واصبح الهدف الحفاظ على ما بقى من البلد بتوجيه كلّ الإمكانيات لمقاتلة التنظيم الإرهابي المسمى (داعش)، الأمر الذي فسح المجال لآيديولوجيات سياسية مدعومة من الخارج بالهيمنة والأستحواذ على مقدرات البلد، ويرتبط مصير المجتمع بما يتم الأتفاق عليه ويحدد له في خارج البلاد اقليما ودوليا.

وعند وصول هذا الجيل الى المرحلة الاعدادية كان الوضع الاقتصادي الذي انبنى في ظلّ نظام هجين لا قاعدة أساسية معروفة له، قد وصل الى ادنى مستوى، مع تفشي الفساد بمفاصل الدولة جميعها، بعدما اصبحت طبقة ذيلية منتفعة هي من تستحوذ على العقود والمشاريع وتوجهها بالشكل الذي يحقق لها المنفعة والارباح بغض النظر عن الحراك داخل المجتمع.

حين وصل الجيل الذي نشأ في ظلّ التغيير الى المرحلة الجامعية والتخرج كان كلّ شيء يسير نحو الأسوء، والوعود والشعارات التي كان يسمعها طيلة فترة نشأته لم تكن الا أكاذيب منمقة، والآمال التي كان يرسم مستقبله على ضوئها اصبحت سراب جعله في حيرة من أمره وهو يرى مستقبله معتم، في الوقت الذي رافق هذا انفتاح على العالم المتقدم وهجرة واسعة بأتجاه الغرب.

كلّ هذا اججه الاحساس باللامعنى، باللاجدوى من كلّ ما يجري في ظلّ نظام سياسي مبني على الهيمنة تحت خيمة الممارسة الديمقراطية التي كادت أن تتلاشى بعد أن اصبحت مخرجاتها عبارة عن امتيازات خرافية لتصبح الصورة البانورامية ( هيمنة كتل معينة على الوضع السياسي تحولت تدريجيا الى هيمنة عائلية على الكتل نفسها، هيمنة الاعراف العشائرية على الحياة الاجتماعية والتحول نحو تقاليد القرية والريف حتى داخل العاصمة، هيمنة طبقة طفيلية على الحياة الاقتصادية راحت تفرض شروطها على الواقع) هذه الصورة بمجملها دفعت بأتجاه رفض العملية السياسية برمتها، هذا الرفض الذي تجلى بأتجاهين، الاول مقاطعة الانتخابات الاخيرة بشكل واسع وغير مسبوق، والثاني التشكيك بالخطط والبرامج الحكومية وطروحات مجلس النواب وفاعلية رئاسة الحكومة، وبالتالي الحكم بعجز الدستور عن أن يكون الخيار الافضل للعراق.

وما زاد من الامر بلة التشكيك بنتائج الانتخابات وتدافع المرشحين من سياسيين ونواب سابقين لوسائل الاعلام للكشف عن فضائح ما يجري في الاروقة السرية للحكومة والبرلمان والمؤسسات الكبيرة في الدولة، في الوقت الذي يعاني جيل وصل لمرحلة التخرج والعمل من البطالة والفاقة، وفيما تدور اسر الشهداء وجرحى التصدي لتنظيم داعش والارهاب، وشيوخ فنوا اعمارهم في خدمة مؤسسات الدول من مكان لمكان على أمل براتب تقاعدي يسد رمقها منح نواب الشعب انفسهم حقوقا أبدية لم يتمتع بها احد قبلهم زادوها بحقوق لعوائلهم واتباعهم تقتطع من اقتصاد العراق ليتمتع بها من يعيش خارجه، فتسخر الاموال العراقية لنمو بلدان اخرى.

هذا الامر الذي جعل من الشباب يعلن العصيان وينتفض ضد كلّ الخراب الذي وصل البلد اليه نتيجة السياسات المغلوطة، وبدل من أن يتم تدارس الأمر بشكل صحيح وأن تتفهم الحكومة الدوافع والأرهاصات التي انتجت الاحداث بدءا من مدينة البصرة الطافية على بحر من الذهب دون منفعة لأبنائها، راحت تختلق الذرائع والاتهامات للشباب لتزيد الامر سوءا وتلقي بمزيد من حطب الاحباط على النار المتوهجة داخل الجيل الذي قرر التمرد واحداث التغيير وان بالقوة بدلا من الرضوخ لهيمنة الايديولوجيات التي تسوق لها وسائل اعلام ما عاد احد يستمع اليها بعد أن انتج هذا الجيل وسائله الخاصة التي يتبادل عبرها الاخبار والمعلومات ويمهد لتمرد سلمي لا عنفي، للاسف لم يفهم على طبيعته الحقيقية ما ادى الى سقوط ضحايا جلهم من الشباب بأعمار صغيرة آمنوا بأن ما حدث في العراق عام 2003 سيكون منطلقا لبناء البلد وفق اسس سليمة يمكن أن تصل به على الاقل الى مصاف الدول الاقليمية القريبة، ولكن للأسف وقعت الطبقة السياسية المهيمنة ضحية مخططات هذه الدول نفسها التي تجد أن العراق بنهوضه سيكون منافسا أقتصاديا قويا فحاولت جرجرته الى ما وصل اليه مجرد سوق كبيرة لمنتجاتها ومخططاتها وآيديولوجياتها، الامر الذي لم ولن يتوافق مع آمال وطموحات جيل التغيير الذي قرر أن تكون له الكلمة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.