جانب من مقارنة عقيمة

علي علي

علي علي

 

كما قال شاعرنا الشعبي: الناس تتنطّر العيد وانا اظل انطر هلاله… هذا هو حال العراقيين منذ عقود. تماما عكس مايشغل سكان الأمم التي تلت حضارتها حضارة بلاد وادي الرافدين بقرون، تشغل بالنا اهتمامات يومية عديدة، لاتتجاوز السؤال عن الكهرباء وزحامات الشوارع والأمطار والتفجيرات والتموينية والتعيينات، وأخريات لاتوجد في قاموس الدول التي تعيش القرن الحادي والعشرين بكل ماأوتيت من فرص في تسخير العلوم والتكنولوجيا لخدمتها.

فيما نعيش في وادي الرافدين وكأننا في كوكب غير كوكبهم، وزمان غير زمانهم. إذ مااجتمع عراقيان صباحا او مساءً، في معمل او مسجد او مقهى اوعلى قارعة الطريق، إلا وذهب بهم الحديث الى الترديات والإخفاقات التي شملت مفاصل الحياة في البلد كلها.

وهو أمر باتت علامات الاستفهام والتعجب حوله تتسع عاما بعد آخر، وأمست أصابع الاتهام لاتكفي لعد الأسباب والمسببات فيه، وتشير الى الأعداد الهائلة من الشخصيات التي تقف وراء هذا التقصير المتعمد والتهاون المغرض والتواطؤ المبيت.

فبدءا ومع نهاية كل عام وبداية آخر -أسوأ منه حتما- يُثار الحديث عن موازنة البلد، واللافت للنظر أنها تتناسب طرديا مع وضع البلد السيئ، فكلما ازدادت الموازنة ازداد الوضع سوءًا. كما لتفشي الفساد المالي والإداري في مفاصل المؤسسات والجهات المسؤولة عن تلك الخدمات، باع طويل وحضور فعلي في جملة تلك الأسباب التي يدخل من ضمنها الوضع الأمني، والأخير وليد الوضع السياسي في البلد، الذي بدوره هو نتاج صراعات ومناكفات و(مناگرات) ساسة وكتل وتكتلات وقوائم وأحزاب، كان حريا بهم ان يوحدوا النية الخالصة والكلمة الصادقة والتصرف السليم، لتلد لهم مجتمعة قرارات صائبة، تسفر عن أداء جيد في الواجبات خالٍ من التقصير.

ولمن يبوب الأسباب آنفة الذكر بحيادية مهنية، من المؤكد انه سيضع الفساد بنوعيه في أولوية أسباب الترديات، إذ يتضح له جليا ان الفساد آفة فتاكة في جسد الدولة، يغذيها ويرفدها ويدعمها الجميع بدءًا من المسؤول -على أعلى المستويات- في الوزارات والمؤسسات الحكومية، نزولا بالتدرج الوظيفي الى المدير العام فالمدير فالمهندس فالملاحظ، حتى الوصول الى العامل غير الفني، ومايزيد الطين بلة ان للمواطن دورا في توفير أرضية خصبة لترعرع الفساد وتناسله.

من هذا كله أراني ضعيف الحجة في نقاش مع زميل او صديق مقيم خارج العراق سنوات خلت، وأفشل في وضع النقاط على الحروف، حين تأخذنا أطراف الحديث الى النقاش حول مرافئ البلد المتردية، ولطالما أقع في مطب او مأزق لاأحمد نفسي على عقباه، لاسيما أن المقارنة بين بلدنا وبلدان العالم باتت عقيمة وغير ذات جدوى. فالتساؤل أول مايبدأ عادة بالتذمر من أوضاع العراق جميعها، يستقر أخيرا في الاستفسار عن تردي الجوانب الخدمية مع وجود ثروات طائلة تحت أرض البلد وفوقها. حيث أحاول جاهدا أن أعكس صورة جميلة لبلدي ولمسؤوليه المنتخبين، وأبتدع الأعذار في تلكئهم بهذا الجانب، لكنني أصدم بواقع خدماتيّ سيئ، يحاججني فيه من كان مقيما في بلد ليس فيه من الخيرات والثروات ما في العراق منها، وكم أشعر بالمرارة حين أسمع منه عبارة: (أيام الخير راحت).

فمتى تنهضون بواقع بلدنا المتردي يامسؤولينا كي يفتخر العراقي به وبكم وسط أقرانه الآيبين من خارج العراق؟ وهل يأتي يوم أستطيع فيه الرد بكبرياء واعتداد وثقة على صديق، حين يدور النقاش عن طبيعة العيش في دول المغرب والمشرق وأٌقارن بينها وبين بلدي؟.

[email protected]

قد يعجبك ايضا

اترك رد