الرئيسية / مقالات مختارة / ثورات العالم الافتراضي

ثورات العالم الافتراضي

نزار السامرائي 

 

ظهر العالم الافتراضي بقوة في المنطقة العربية بعد نجاح الثورات التي اطلق عليها الربيع العربي سواء في تونس او مصر او ليبيا او غيرها ، اذ اكتشف الناس ان شباب الثورات كانوا يتواصلون ويستجمعون خطاهم عبر موقع التواصل الفيسبوك الذي اصبح الاول على شبكة المعلومات (الانترنت) ما دفع البعض ان يطلق على هذه الثورات ايضا اسم ثورات الفيسبوك للدلالة على الدور الذي لعبه هذا المجتمع الافتراضي في زعزعة اسس العالم الواقعي وبالتالي اسقاط انظمة ما كان احد يتوقع يوما ان تسقط بهذه الشاكلة.
وبقدر ما كان للفيسبوك اثره في ذلك الا انني اعتقد انه من التجني ان نمنحه تلك القدرة على فعل مثل هذا الامر ، فبالنهاية انه لم يكن غير وسيلة للاتصال ، وسيلة للقاء وتبادل الاراء بعيدا عن اعين اجهزة الرقابة الامنية التي تعد على المواطن انفاسه ..فالفاعل الحقيقي هو الانسان الحقيقي ، الانسان الذي تعامل مع الواقع واستطاع ان يحيل وجوده الرافض داخل المجتمع الافتراضي الى تظاهرات حقيقية تخرج الى الشارع بوضح النهار لتطلق شعاراتها باسقاط الانظمة.
ومع ذلك فأن الآمال الكبيرة التي كانت مبنية على جيل تشكل داخل عالم (الديجيتال) وتبادل الافكار والآراء بكل جرأة ،واستطاع ان يشكل نوعا من الحرية الفكرية داخل العالم الافتراضي ، سرعان ما انتكست بعدما عادت الانظمة لتتشكل من جديد بجوهرها القديم ولكن بلباس آخر يتمظهر بالديمقراطية ، ويتمترس بأصوات الناخبين لكنه في الوقت نفسه يتسلح بالمنطق القديم وجوهر حكم الانظمة القديمة ذاتها.
الامر الذي جعل مواطنو العالم الافتراضي يشعرون بالخديعة ، وان ذلك الانتقال الذي تمكنوا تحقيقه بنقل منطق الرفض والثورة من عالم الافتراض الى عالم الواقع لم يك لدى الآخرين غير حصان طروادة الذي نقلهم من الهامش للواجهة ليكونوا نواة لأنظمة جديدة تفرض منطق القوة والصمت ،لكنها ربما كانت اكثر شراسة بعدما عرفت كيف تولج العالم الافتراضي نفسه لتخلط الاصوات التي ضاعت وسط الضجيج والزعيق. وما لفت انتباهي تلك العبارة التي نسجها استاذ الفلسفة كريم الجاف على موقعه في المجتمع الافتراضي والتي تقول ” في يوم ما كان يقال الثورة يخطط لها الأذكياء وينجزها الشجعان ويقطف ثمارها الانتهازيون.اما اليوم فأقول الثورة يخطط لها الفيسبوكيون،وينجزها الشباب،ويقطف ثمارها الأسلاميون(المتأسلمون)”.
وبقدر وضوح العبارة والخطاب الذي تتضمنه الا ان ما لفت انتباهي في الخطاب الذي تحمله هو ان الثورة يخطط لها الفيسبوكيون وليس الفيسبوك فالانسان هو الجوهر وليس الآلة ،كما ان الشباب هو من ينجز الثورة ، فهو المستعد دوما للاندفاع الى امام الركب ليتبعه الاخرون ربما على استيحاء او تخوف ،ولكن من يكسب الرهان اليوم هم المتأسلمون ، أي اولئك المتخذين الدين وسيلة ، فيكون اساس التعامل النفس الامارة بالسوء ،وليس الروح الوثابة التي تدعو لاصلاح المجتمع وبنائه روحيا وماديا.وبالنتيجة فان العالم الافتراضي يصبح وسيلة ايضا لصيد المغانم بالمراقبة والترقب.
ومن هذا الباب اصبح النافذة التي يطل منها الساسة لرؤية المجتمع الذي ابتعدوا عنه في الواقع .
واذا كان العالم الافتراضي اصبح اليوم هو البديل الاتصالي للكثيرين حيث يتجاوزون به عامل المكان والزمان، فأنني اجده تحول ايضا من وسيلة انبنت داخلها روح الثورة ، الى جدار دعائي يجرب به الساسة بالونات اختباراتهم ،ويجد فيه الشعراء والادباء والمثقفون بديلا عن المقهى لقضاء اوقات فراغهم وتبادل الحوار والنقاش في كل ما يخطر على البال ، كما انه فرصة لانصاف المواهب كي ينشروا كلماتهم التي ربما لن تجد طريقها للنشر على الورق.

 

اترك تعليقاً