ثقافة الحوار السياسي وأدبياته / عمران الكبيسي

الحوار في اللغة الرجوع، والشروع فيه يعني الرجوع إلى النظير ومشاورته في الأمور البينية، وهو وسيلة السياسي النبيه وأداته المثلى لإنجاز الممكن، وأول ما ينبغي للسياسة الرشيدة فعله فتح بوابة الاستشارة لتفهم المواقف بشفافية عالية، فالحوار مشروع سياسي لمد جسور التوافق بين المتعارضين، من أقصى المختلفين تعنتا وأكثرهم تطرفا إلى أدناهم اختلافا وأقلهم عددا، يتيح التباحث بين أطراف يرومون تصحيح المسار، بإظهار الحجة، وإقرار الحق، ورفع الشبهة، وتقويم مفاسد الفكر والرأي والاتجاه، وأول خطوة في طريق التراجع عن مواقف التطرف، والسير نحو الاعتدال والتصالح مع النفس والآخر، وأهم سبل النجاح في حل الأزمات والتقدم إلى الأمام بسداد.  

ويعكس الحوار الواقع الحضاري لثقافة الأمم والشعوب والتزامها المشورة بالرأي، وقدرتها على التواصل الفعال بينها، لمعرفة ما خفي من الحقائق، والاستدلال إلى النهج الصحيح في تحقيق التوازن بين نزعة الإنسان والجماعات إلى الاستقلال، وحاجتها إلى التفاعل والمشاركة، فهو مظهر إنساني حضاري، ومن أنجع وسائل الاتصال وإشباع حاجة الأفراد والجماعات والدول إلى حل وسط يحقق الوفاق والاتفاق بسلام، ويرجح كفة المبادئ والقيم والمصالح المشتركة العادلة، بعيدا عن خيار الأنا  المرتكز على الأغلبية والأقلية، والأقوى والأضعف، والأعلى والأدنى، والأغنى والأفقر، أو التخندق الفئوي للعرق أو الطائفة، والمكاسب الحزبية.  

ومن شأن أي حوار سياسي  جدي أن يبنى في الأصل على رغبة كل الأطراف المشاركة فيه بالمصالحة، وإيثار تفعيل سلم القواسم المشتركة باعتبارها الخيمة التي يستظل بها الجميع، وغيبت في فترة ما، لتكون من جديد أجندة عمل وخطة طريق يبنى عليها ويؤسس، مقابل ردم الفجوات، والتخلي عن تصعيد محطات التقاطع، وتنحية الخلافات والأحقاد، وتجنب التعصب، وتناسي المصالح الشخصية والمنافع الذاتية، والتغاضي عن المزالق التاريخية إيمانا بما سيولد من مبادرة الحوار، وتطلعات المستقبل، وقدرة المتحاورين على إصلاح ما أفسده الماضي، وفتح سجلات جديدة لآفاق التعاون أو التحالف والاتحاد، تثري الحياة السياسية وتغنيها سعيا لخدمة الصالح العام وتتضاءل ما عداه.

وللحوار الجاد أهداف وأسس وآداب وقواعد، بلورتها مسبقا والتمسك بها يسهل وضع إشكاليات السياسة المعاصرة على طاولة الطرح والبحث والتنقيب بروية وتأن وعقلانية تستقصي الموضوعية وتستقري تنوع الرؤى في ظل فرص الواقع المتاحة، وحتى لو أخفق الحوار مرة، ثبتت نجاحاته مرات، وفتحت خطوط ساخنة بين القوى المتدافعة والمتصارعة،  أفلحت في تخفيف حدة المنازعات على أقل تقدير، فمن أصوله وركائزه الأساسية إيمان المتحاورين سلفا بالتعددية، والاقتناع بعدم إمكانية تحقيق الأهداف الطموحة بالعمل المنفرد، وأن الحوار هو الحل الأمثل لحاجة كل طرف إلى الآخر، وإلا سيفقد الحوار صفة الشفافية، وصدق النوايا، وفي النهاية تكون النتائج المتمخضة عنه وعودا لا مصداقية لها، ويتجلى الخلل عادة في صياغة القرارات باحتيال على الخلافات المعقدة بصيغ فوقية متعالية ملغومة التفاصيل والجزئيات، وجاهزة للانفجار قبل أن يجف مدادها.

وينبغي التمييز بين نمطين من الحوار السياسي، حوار المبادئ والمثل، وحوار المصالح والمكاسب، الأول يكون على أساس الثوابت والقيم والاعتبارات الإنسانية والمعنوية، كالأمن والسلام العالمي في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو الثوابت الدينية كما في منظمة العالم الإسلامي، والقومية كما في جامعة الدول العربية، والجهوية الجغرافية في الوحدة الأوربية أو الإفريقية، والثوابت الوطنية بين الأحزاب والتجمعات المختلفة، وهو حوار يفترض أن يتعالى فيه المتحاورون على فروق الضعف والقوة، والغنى والفقر، والكثرة والقلة فيكون التمثيل فيه متكافئا، ولكنه يبقى عرضة للمساومات والمقايضة وفق التوازنات الدولية، أما حوار المصالح وبخاصة المكاسب المادية والفئوية فكثيرا ما يخضع للمعادلات السياسية، وغالبا ما يكون وسيلة لتحالفات مرحلية ومراهنة على الوقت، ويتعرض فيه الطرف الأضعف للابتزاز والتسليم بحكم الظروف والواقع، ومع ذلك يجمع السياسيون على أن الحوار يظل الوسيلة الأفضل للتفاهم على الرغم مما ينطوي عليه من مخاطر الاستقواء والتنازلات أحيانا.

وللحوار السياسي أدبيات وتقاليد يتفق عليها المتحاورون أو تقر بداهة، أولها مشاركة جميع الأطراف الفاعلة وبخاصة الممثلة في البرلمان، وهل الحكومة تشكل طرفا رئيسيا أو راعيا أو مراقبا أو خارج الحوار؟ ووقف الحملات الإعلامية ومناوشات العنف بادرة لحسن النوايا، ورغبة في توفير أجواء التصالح، والاتفاق على أن يكون الحوار مفتوحا إعلاميا وشفافا، أو مغلقا تلافيا للاختلاطات الجانبية. ويعيش عالمنا العربي اليوم في ظل ثورات الربيع العربي حالات احتقان وأزمات سياسية لا نستثنى منها أحدا، ونشهد دعوات حوار لو أردنا تقييم أي منها سياسيا وعلميا، وطرح صيغها الجارية على ثوابت الحوار السياسي الجاد وأدبياته قد لا نجد حوارا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي جملة مجاذبات واستعراضات دعائية لا شأن لها بثوابت الحوار ولا أدبياته إن لم تكن على النقيض منها. وأين هذا من ذاك؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد