تكثيف الاستجابة لأزمة جائحة كورونا الآن يُجنِّبنا أعباء وتكاليف ضخمة فيما بعد

سييلا بازارباسيولو

نائبة الرئيس، النمو المتكافئ والمالية والمؤسسات

أيهان كوسى

مدير مجموعة آفاق التنمية في مجموعة البنك الدولي

 

بعد عِقْدٍ من النمو المتواصل، توقَّف الاقتصاد العالمي فجأةً بسبب جائحة كورونا (COVID-19) . وليس السؤال المطروح الآن هو هل سيحدث كساد عالمي، وإنما ما هو مبلغ شدته وقوته، والسرعة التي تستطيع بها البلدان تجاوز الأزمة الصحية وتمهيد السبيل إلى التعافي الاقتصادي.

وتزداد أهمية الإجابة على هذه الأسئلة بالنسبة للاقتصادات النامية التي ستكون على الأرجح الأشد تضررا من الأزمة.

فحتى قبل تفشِّي جائحة كورونا، كانت معظم البلدان النامية بالفعل في وضع اقتصادي أضعف مما كانت عليه قبيل الكساد العالمي في 2009. فقد هبط معدل نموها إلى أدنى مستوياته في السنوات العشر الماضية. وتحوَّلت فوائض موازين المالية العامة والمعاملات الجارية في الفترة السابقة على 2009 إلى عجوز كبيرة. ووصلت الديون الخارجية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

وباختصار، ستجد هذه الاقتصادات صعوبة بالغة في تقديم استجابة فعالة حتى إذا كان الركود العالمي معتدلا. فما تشهده هو كارثة ذات أبعاد صحية واقتصادية متزامنة لا نظير لها في العصر الحديث.

ونحن، في مجموعة البنك الدولي، بصدد وضع تنبؤات مُفصَّلة من أجل تقريرنا عن الآفاق الاقتصادية العالمية الذي سيصدر في أوائل يونيو/حزيران. ويشير سيناريو خط الأساس الأولى قيد الدراسة إلى أنه من المحتمل أن تهوي اقتصادات الكثير من البلدان النامية في حالة كساد تام في 2020 قبل أن تعاود النمو العام القادم.

ويفترض هذا التنبؤ القاتم أن الأوضاع ستعود سريعا إلى طبيعتها. فهو على سبيل المثال يفترض أنه سيتم التوقف عن تدابير التباعد الاجتماعي وغيره من تدابير الحد من انتشار الجائحة في غضون ثلاثة أشهر، وأن الاقتصادات الكبيرة جميعا ستعود إلى تحقيق نمو سريع في الربع الثالث من عام 2020. وهو يفترض أيضا أن الأسواق المالية سوف تستعيد استقرارها مع استعادة ثقة المستثمرين سريعا. علاوةً على ذلك، يرى هذا التنبؤ أنه سيستمر العمل بحزم الدعم النقدي والمالي الكبيرة خلال الثمانية عشر شهرا القادمة.

خلاصة القول، إنه يفترض أن الأمور كلها ستسير على ما يرام. وحتى في ظل هذه الافتراضات، فإن الاقتصاد العالمي سيهوي في خضم كساد حاد في عام 2020 وسينكمش الإنتاج في الاقتصادات النامية بنحو 2%.  وسيكون هذا أول انكماش تشهده هذه الاقتصادات منذ عام 1960، وسيكشف أيضا عن ضعف أداء النمو على نحو يثير الدهشة بالمقارنة بمعدلات نموها التي بلغت في المتوسط 4.6% في السنوات الستين الماضية.

وقد تكون الآثار على النمو أسوأ بكثير إذا لم يتجسَّد مجرد أحد هذه الافتراضات. وحتى إذا تبيَّن أن ثلاثة أشهر من تدابير التخفيف كانت فعَّالة في إيقاف الجائحة، فإن المستثمرين والأسر قد يستمر شعورهم بالتوتر والقلق، أو قد لا تعود سلاسل التوريد المحلية أو العالمية إلى العمل.  وقد تُقلِّص الأسر استهلاكها، وقد تؤجل منشآت الأعمال استثماراتها حتى تتأكد من حدوث تعافٍ تام. وقد تستأنف حركة السفر الدولية بوتيرة متقطعة. وفي مثل هذا السيناريو، سيكون الضرر الذي يصيب الناتج العالمي أكبر، وسينتهي المطاف باقتصادات البلدان النامية في كساد أعمق قد يُقلِّص ناتجها بنحو 3%.

وتؤدي الانكماشات الاقتصادية الحادة في العادة إلى أضرار طويلة الأمد في الاقتصادات النامية، إذ تقلِّص معدلات النمو المحتمل لفترة طويلة بعد الكساد، وما ينجم عن ذلك من تأثير خطير على أوضاع الفقر وعدم المساواة.

وأمام واضعي السياسات فرصة ضيقة للحد من أوجاع الأزمة-واختصار مدتها. وفي البلدان النامية، ينبغي لواضعي السياسات بذل قصارى جهودهم للتركيز على الأولوية العاجلة، وهي التغلب على الأزمة الصحية. ويجب عليهم اعتماد السياسات التي تكفل إنقاذ الأرواح، وحماية موارد الرزق، ومساعدة منشآت الأعمال على اجتياز الركود، وتيسير الحصول على الخدمات العامة الأساسية بما يتلاءم مع الظروف المحلية حسبما تقتضيه الحاجة. ومن الضروري أيضا أن يتخذوا التدابير التي تحول دون تفاقم الأزمة الصحية وتحوُلها إلى أزمة مالية.

لكن معظم البلدان النامية لا تستطيع بمفردها مواجهة الأزمة لأن ظروفها تنطوي على قدر أكبر من الصعوبات. وتعاني الأنظمة الصحية في بعض هذه الاقتصادات من نقص شديد في التجهيزات والخدمات، وتكسب قطاعات كبيرة من السكان قوتها من العمل في وظائف غير رسمية، وهو ما يعني أنها تفتقر إلى شبكة للأمان وسيكون من الصعب الوصول إليها ومساندتها في خضم الأزمة. وتُشكِّل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم عماد النشاط الاقتصادي لكنها لا تستطيع في العادة الحصول على رأس المال، وهو ما يخلق مشكلة سيولة لهذه الشركات قد تتحوَّل سريعا إلى أزمة إعسار.

وتتسم الاقتصادات النامية التي ستكون على الأرجح الأشد تضررا -وهي تلك التي تعتمد على التجارة أو السلع الأولية أو السياحة- في العادة بتركيزات أكبر للسكان الذين يعيشون في فقر مدقع. وفي ظل فقدان الدخول، ستجد هذه الشرائح من السكان صعوبةً أكبر في الامتثال لتدابير التخفيف. وبوجه عام، لا تتوفر لدى معظم البلدان النامية الموارد والحيز المالي اللازم لتطبيق برامج لإصلاح السياسات كبيرة بدرجة تكفي لتعزيز النشاط الاقتصادي والتغلب على الأزمة.

وقد استجابت مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على نحو لم يسبقه مثيل، إذ تعهدا سريعا باستخدام كل قدراتهما الإقراضية تقريبا خلال الخمسة عشر شهرا القادمة لمساعدة الاقتصادات النامية على إدارة الاستجابة العاجلة للأزمة وحث خطى التعافي. واتفقت اقتصادات مجموعة العشرين على تعليق مدفوعات أقساط الديون الثنائية الرسمية المستحقة على أشد البلدان فقرا -على الأقل خلال عام 2020- حتى يمكنها استثمار هذه الموارد في مكافحة الجائحة.

ولكن مازال هناك الكثير مما ينبغي القيام به لمساعدة الاقتصادات النامية. وإذا لم يكن حجم استجابة السياسات متناسبا مع حجم الأزمة اليوم، فإن الأضرار الناجمة عن ذلك ستتطلب استجابة أكبر بكثير فيما بعد.  ويجب على المجتمع الدولي أن يتكاتف، لا على الحكومات والمنظمات الدولية وحدها، وإنما أيضا على الدائنين ومنشآت الأعمال من القطاع الخاص.

ويجب علينا في جهد جماعي حشد أكثر استجاباتنا جرأةً للتغلب على أسوأ أزمة منذ عدة أجيال.  ومازال في مقدور المجتمع الدولي تجنب أشد الآثار المحتملة للجائحة، ولكن يجب علينا التحرك على نحو حاسم الآن لاحتواء الأضرار، وإرساء الأساس اللازم لتحقيق تعاف متين.

 

المصدر: البنك الدولي

التعليقات مغلقة.