تقرير : المدنيين هم الضحايا الوحيدين للصراع في سوريا

(المستقلة)/ القاهرة -وليد الرمالي/.. أكد  التقرير السنوي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان( 2015 – 2016) على ان المدنيين م الضحايا الوحيدين للصراع في سوريا مبينا ان عدد الضحايا بلغ نحو 400 الف سوري.

وفيما يلي نص التقرير الذي اصدرته المنظمة العربية لحقوق الانسان عن سوريا :

دخل النزاع المسلح في سوريا عامه السادس بعد أن سطا الفاعلون الدوليون والإقليميون على الثورة الشعبية السلمية في سوريا، واستفحل النزاع من خلال تزايد الأطراف المنخرطة بشكل مباشر في العمل المسلح في البلاد، حيث شكل التدخل العسكري الروسي لمساندة النظام نقطة تحول أساسية في خريف العام 2015، كما سبقته الولايات المتحدة التي أضافت إلى قيادتها لتحالف دولي ضد الإرهاب مساندتها العسكرية بقوات ميدانية لوحدات حماية الشعب الكردي تحت مسمى “قوات سوريا الديمقراطية”.
وخلال الفترة التي يغطيها التقرير فشلت كافة الجهود الدولية لإنجاز عملية سياسية مناسبة، كما لم تُفلح محاولات وقف إطلاق النار والهدنات المتتابعة في إنقاذ أرواح المدنيين إلا على نحو جزئي محدود، وتواصل ارتفاع معدلات الضحايا التي بلغ في أقل تقدير متوازن قرابة 400 ألف شخص بحلول منتصف ديسمبر/كانون أول 2016 أكثر من نصفهم من المدنيين السوريين، وتوزع بقية القتلى بين قوات النظام والميليشيات الشيعية الأجنبية المساندة له، وفصائل المعارضة المسلحة وجماعات الإرهاب الدولي الذين يضمون في تشكيلاتهم عشرات الجنسيات الأجنبية وينشطون تحت مسمى “الجهاد” في أنحاء البلاد.
وتابعت الحكومة السورية رفض التعاون مع لجنة التحقيق الدولية التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وتعاونت -تحت ضغط روسي- مع لجنة التحقيق الخاصة باستخدام الأسلحة الكيماوية، وهي لجنة لا تضمن ولايتها تحديد المسئوليات والجهات التي تورطت في استخدام أسلحة كيماوية في النزاع.
كما رفضت السلطات السورية التعاون مع منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية، وواصلت ملاحقة الحقوقيين السوريين ورفض نشاط المنظمات الحقوقية المحلية التي لا تعترف بها من الأساس، كما شاركت المعارضة المسلحة والجماعات الإرهابية المناوئة لها في قتل الحقوقيين السوريين واختطافهم وملاحقتهم.
وقد حال ذلك دون توافر توثيق كافٍ للانتهاكات الجسيمة المرتكبة من كافة الأطراف في سياق النزاع الجاري، وخاصة ما يتعلق بالتعذيب والمختفين قسريًّا والمحتجزين دون ضمانـات قانونية، والقيـام برصد كافٍ للمحاكمات غير العادلة.
وقد كان لاستمرار حل المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة والانشقاقات في صفوفها وإعادة تشكيلها وظهور المئات منها، أثر كبير في تعثر قيام الضحايا والناجين بتحديد الجناة المحتملين بدقة.
ورغم الجهود المبذولة في المحطات المختلفة لتدشين مسار تسوية سياسية وسلمية للوضع الذي بات يعد الأسوأ عالميًّا، فلم تتوقف الأطراف عن مغايرة تصريحاتها وتعهداتها المعلنة عبر تقديم أشكال دعم غير محدودة بصور مباشرة وغير مباشرة للمتحاربين على نحو حول الصراع إلى حرب بالوكالة، وأسهم في تأجيج العنف وتقويض فرص التسوية.

636087697269479563_________________

تحولات المشهد السياسي:
شكّل التدخل العسكري المباشر للطرفين الروسي والأمريكي نقطة تحول في الوضع الميداني والسياسي، حيث يؤدي هذا التدخل المباشر بالضرورة لتحول كل منهما إلى طرف مباشر، ويقوض بالتبعية الآمال التي كانت معقودة على أن يسهم تفاهم روسي أمريكي في فرض حد للنزاع وبدء مسار تسوية، غير أن ذلك التدخل المباشر أضاف إلى الوضع تعقيدات هائلة رغم المشاهد والتصريحات التي رافقت اجتماعات الطرفين بغرض التوصل إلى تفاهم في ظل تدخلاتهما المباشرة.
وبعد أن كان التدخل الأمريكي يقتصر منذ نهاية العام 2014 على قيادة تحالف دولي ضد الإرهاب يستهدف بشكل رئيس تنظيم “داعش” الإرهابي، وفي بعض الأحيان جماعات تنتمي للقاعدة مثل “جبهة النصرة” (جبهة فتح الشام حاليًّا)، شكَّل التدخل العسكري الأمريكي لدعم “قوات سوريا الديمقراطية” نقطة تحول مهمة في تغيير المشهدين السياسي والميداني، فمن ناحية عزز هذا التدخل من قدرة فصيل يتكون قوامه الأساس من ميليشيات حماية الشعب الكردي التي تعد نظيرة لحزب العمال الكردستاني، وهو فصيل لم يكن خصمًا للنظام السوري في غالبية المراحل، بل ربما وقعت تفاهمات بينه وبين النظام في بعض المراحل.
من ناحية ثانية فقد أسهم هذا المشهد في تحقيق اختراقات ميدانية مهمة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي وانتزاع العشرات من المناطق من سيطرته شمال شرقي البلاد، خاصة بعد أن قامت القوة العسكرية الأمريكية المساندة لقوات سوريا الديمقراطيـة باتخاذ مطار “الرميـلان” الزراعـي فـي الحسكة قاعدة لتمركزها
وتحركاتها.
ومن ناحية ثالثة فقد قاد ذلك إلى تحولات غير محدودة في السياسة التركية
التي انتقلت أولوياتها من دعم الجماعات المسلحة المناوئة للنظام إلى اتخاذ تدابير مغايرة بهدف وقف التمدد العسكري الكردي الذي حظي بدعم روسي لا محدود بالإضافة للدعم الأمريكي، والذي اتسع ليشمل غالبية الشريط الحدودي التركي السوري فيما عدا جيوبًا محدودة، وهو ما كان عاملًا حاسمًا في تراجع قدرة الفصائل المسلحة التي تدعمها تركيا، لا سيما بعد إسقاط المقاتلات التركية لطائرة روسية، وانتقال الخصومة التركية الروسية من الصراع المعلن سياسيًّا والقتال الميداني المباشر غير المعلن إلى تفاهم يؤسس لإعادة تقسيم مناطق النفوذ في سوريا، بما في ذلك تدخل عسكري تركي مباشر في بعض مناطق شمال حلب بدعوى مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي مقرونًا بتدابير قتالية ضد الانتشار العسكري الكردي الذي تراجع إلى ما وراء الشاطئ الشرقي لنهر الفرات.
وجاء التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر/أيلول 2015 ليُشَكّل عاملاً أساسيًّا في تغيير المشهدين السياسي والعسكري، حيث عززت روسيا من انتشارها العسكري الدائم عبر قاعدتها في طرطوس، وانخرطت في دعم قوات النظام عبر قواتها الجوية والصاروخية لاستعادة المناطق المختلفة ما أدى إلى الحيلولة دون انهيار متوقع للنظام وتعزيز قدرته في تأمين العاصمة دمشق والسيطرة على أقاليم كاملة كان قد فقدها، وخاصة في ريف دمشق وحمص وحماة وحلب.
وفي خضم تلك التحولات فقد تورطت كافة الأطراف في ارتكاب فظاعات ضد المدنيين ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يتوافر في أغلبها الركن المعنوي (القصد الجنائي)، وبقيت العدالة مفهومًا غائبًا عن الوضع في سوريا رغم تداعياته المذهلة على الأوضاع العالمية.

الموقف الميداني:
في ظل الدعم العسكري الروسي المباشر استعادت القوات الحكومية أغلب مناطق البلاد وخاصة في دمشق وريف دمشق وحمص وحماة وحلب، وأمنت الأوضاع في اللاذقية ومحيطها بعد أن كانت على وشك التداعي.
كما استعادت القوات الحكومية مدينـة تدمـر التاريخية من سيطرة تنظيم
“داعش” الإرهابي في 27 مارس/آذار 2016، لكنها سرعان ما فقدتها مرة أخرى في ديسمبر/كانون أول 2016.
وبقيت عشرات المنـاطق تحت الحصار نتيجة قيـام القوات الحكوميـة
والمليشيات الشيعية الإيرانية والعراقية واللبنانية المساندة لها بتطويق تلك المناطق لحين استسلام المسلحين، وبقي نحو مليون نسمة تحت الحصار لفترات مطولة في 68 منطقة دون تلقي المساعدات الإغاثية الضرورية قبل أن تفلح مساعي الأمم المتحدة في إدخال المساعدات للمناطق المحاصرة.
وبينما نجحت بعض المساعي في إقناع النظام بالسماح بفتح ممرات آمنة لخروج المدنيين المحاصرين فقد عرقلت الجماعات المسلحة خروجهم لضمان توافر دروع بشرية لحمايتهم من أعمال القصف، وفي كثير من الحالات نجحت المساعي في التوصل إلى اتفاقات تضمن خروج المسلحين برفقة المدنيين من الحصار مع ضمانات دولية بنقل المسلحين إلى مناطق أخرى داخل البلاد مع أسلحتهم الخفيفة أو إلى تركيا بدعم من قطر في بعض المرات.
وفي بعض الحالات تم الإعلان عن فتح ممرات آمنة من قبل النظام والمليشيات الحليفة له، غير أن بعض المدنيين الذين فروا من الحصار قد تم إعدامهم ميدانيًّا، وخاصة في شرق حلب على يد المليشيات الإيرانية.
وواصلت الجماعات المسلحة المناوئة للحكومة القتال على جبهات متعددة رغم تراجعها في غالبية المناطق، وقد انتهى الاتفاق الخاص بإجلاء المسلحين من شرق حلب في ديسمبر/كانون أول 2016 إلى حصرهم مع أقرانهم في محفظة إدلب الحدودية وبعض المناطق الأخرى، وتعمل تلك الجماعات جاهدة على تحقيق بعض المكاسب الإعلامية من خلال إبقاء سيطرتها على بعض الجيوب المحاصرة وتوغلاتها الجزئية في بعضها، خاصة في بعض مناطق ريف دمشق.
ورغم تصنيفها دوليًّا كجماعة إرهابية فلا تزال جبهة النصرة تلعب دورًا رئيسيًا في ساحات القتال وتحتفظ بروابط عملياتية مع بعض الجماعات المسلحة المناوئة للحكومة، لكنها بين حين وآخر تكون طرفًا في صراعات مع تلك الجماعات للسيطرة على بعض المناطق وفي أحيان أخرى تتلقى منهم أشكالًا متنوعة من الدعم، وتسيطر جبهة النصرة على إدلب منذ اتفاقها مع لواء “أحرار الشام” (تنظيم الإخوان المسلمين) على نقل السيطرة إليهم في المنطقة التي شهدت سيـاق تحولات الثورة إلـى صراع مسلح، وهـي كذلك المنطقة التي تبقى خارج
سيطرة النظام منذ بدايات العام 2012.
ويستمر تنظيم “داعش” الإرهابي في السيطرة على مناطق متنوعة وخاصة محافظة الرقة، وينازع على مناطق في كل من الحسكة وحلب، حيث يواصل مع نهاية العام 2016 قتـال القوات التركية وبعض الجماعات المسلحة الأخرى فـي
مدينة الباب شمالي حلب.
ورغم تراجعها تحت ضغط التدخل العسكري التركي المباشر خريف العام 2016 فلا تزال قوات سوريا الديمقراطية تحتفظ ببعض ما اكتسبته من إنجازات ميدانية في المناطق الجنوبية لمدينة الحسكة والمناطق الشرقية لمحافظة حلب مستفيدة من الدعم الأمريكي الميداني المباشر وضربات التحالف الدولي ضد الإرهاب.

جرائم بلا نهاية
كما سبقت الإشارة لا يزال المدنيون هم الضحية الأولى للنزاع المسلح في سوريا، حيث يتراوح تعداد القتلى بسبب النزاع المسلح منذ نهاية العام 2011 بين 400 ألف إلى 430 ألف شخص بينهم قرابة 250 ألفًا من المدنيين، ونحو 90 ألفًا من جنود النظام وميليشياته من السوريين، وقرابة 20 ألفًا من الميليشيات الشيعية الأجنبية الموالية للنظام، ونحو 70 ألفًا من جماعات المعارضة المسلحة والتنظيمات الإرهابية نصفهم على الأقل من السوريين.
وتقدر مصادر المنظمة أن نحو 15 ألفًا قد توفوا في السجون ويُعتقد أن نسبة كبيرة منهم قضت تحت التعذيب، فضلًا عن نحو سبعة آلاف يعتبرون في عداد المختفين قسريًّا، ولا يشمل ذلك المحتجزين لدى المؤسسات الأمنية والسجون بمعزل عن العالم الخارجي.
ولم يكن بوسع التقرير الوقوف على تقديرات مناسبة فيما يتعلق بالإصابات وخاصة ما بلغ منها حد الإعاقات والإصابات الدائمة.
وقد تنوعت أنماط الجرائم التي يرتكبها أطراف النزاع، ويأتي في مقدمتها القصف الجوي للأحياء المدنية التي تقع تحت سيطرة الجماعات المناوئة للحكومة الذي أدى إلى خسائر بشرية ضخمة، وتزايد عبر المشاركة الكمية والنوعية الروسية منذ سبتمبر/أيلول 2015، وشمل الطيران والصواريخ القارية بعيد المدى.
وواصل النظام استخدام البراميل المتفجرة في عمليات القصف العشوائي،
وخاصة القصف الجوي جنبًا إلى جنب مع الاستهداف الصاروخي للمواقع والمنشآت، وهي أعمال القصف التي خرقت مبدأي التمييز والتناسب وتجاوزت ما يتعلق بواجب التحوط فـي المناطق المدنية التي يتمركز فيها مقاتلون للخصوم المحاربين.
ومن ذلك وقبل التدخل العسكري الروسي نفذ النظام غارات جوية عديـدة
أدت إلى مقتل الآلاف من المدنيين، ومنها مجزرة دوما في 17 أغسطس/آب 2015 التي راح ضحيتها 110 قتلى ونحو 280 جريحًا غالبيتهم من المدنيين غير المنخرطين في النزاع.
كما قصفت قوات النظام ملعبًا للأطفال في حي الوعر في حمص خلال عيد الأضحى في 26 سبتمبر/أيلول 2015 ما أدى إلى مقتل 27 طفلًا، وأفادت مصادر المنظمة الميدانية أن القصف كان مدفعيًّا من تمركز لقوات النظام في مقر الكلية الحربية.
وجاء هذا القصف ضمن أعمال قتال عديدة شهدتها مناطق عدة من حمص وريف حلب وريف دمشق وتبادل خلالها المتحاربون قصف مناطق مدنية عبر المدفعيات الثقيلة والمتوسطة، وأدت خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول إلى مقتل المئات من المدنيين بالإضافة إلى المئات من المقاتلين.
وعقب حصول النظام على دعم روسي هائل ارتكب كل من طيران النظام والطيران الروسي جرائم متنوعة، من بينها القصف الواسع لمنطقتي الغوطة الشرقية والغوطة الغربية في ريف دمشق، ما أدى إلى مقتل المئات من المدنيين في الفترة بين 27 نوفمبر/تشرين ثان و15 ديسمبر/كانون أول 2015.
وأدى قصف روسي في فجر 29 نوفمبر/تشرين ثان 2015 إلى مقتل قرابة 50 مدنيًا في أحد أسواق مدينة أريحا السورية، من بينهم الناشط الحقوقي “صفوان عاقل” عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان والقيادي بفرعها في سوريا.
كما قصفت طائرات يعتقد أنها روسية قافلة مساعدات إغاثية بالتعاون بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر وبعثة الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري في منطقة أورم الكبرى في حلب في 21 سبتمبر/أيلول 2016 ما أدى إلى مقتل 12 عامل إغاثة.
وفي 31 مارس/آذار 2016 قصفت القوات الحكوميـة منطقة ديـر العصافير –وهي منطقة خارج دمشق تسيطر عليها جماعـات مناهضة للحكومة-
وأصابت مدرسة ومستشفى ومسجدًا وأدت إلى مقتل 31 شخصًا بينهم 3 أطفال ووالدهم، كما ورد أن بعض الأطفال الجرحى قد توفوا في المستشفي بعد إجلائهم من المدرسة.
وفى 19 إبريل/نيسان 2016 شُن هجوم جوي أصاب محلًا تجاريًا في كفر نبل بإدلب وأسفر عن قتل 7 أشخاص بينهم 3 أطفال، وبعد دقائق وقع هجوم ثان في معرة النعمان -التي تبعد نحو 12 كيلو متراً عن ذلك المكان- ما أسفر عن
قتل 37 شخصًا في سوق للخضار.
ونالت مناطق حلب الشرقية النصيب الأكبر من هذه العمليات خلال النصف الثاني من العام 2016، وشمل ذلك الأحياء السكنية ومراكز طبية ومرافق خدمة عامة ومخازن للمؤن، وقد راح ضحية القصف خلال هذه الفترة الآلاف من المدنيين نتيجة استخفاف الطائرات السورية والروسية بالأهداف المدنية، وكذا قيام الجماعات المسلحة بالتمركز في أحياء مدنية ومراكز طبية لمحاولة تجنب آثار الضربات الجوية.
وزادت وتيرة هذه الجرائم خلال النصف الثاني من شهر إبريل/نيسان 2016 في حلب، حيث لقي ما لا يقل عن 200 مدني مصرعهم بينهم 160 نتيجة القصف المدفعي لقوات النظام لأحياء حلب الشرقية لنحو 10 أيام متصلة، و45 في قصف مدفعي لجماعات المعارضة المسلحة على أحياء حلب الغربية الملاصقة.
وعادت وتيرة هذه الجرائم من جديد في الفترة من منتصف أغسطس/آب إلى منتصف نوفمبر/تشرين ثان 2016 في شرقي حلب من خلال كثافة الغارات الجوية التي رافقت انهيار الهدنات الإنسانية، وأدت إلى مقتل الآلاف من المدنيين المحاصرين، ولم تنته سوى بإجبار المسلحين على الخروج إلى إدلب وفق ترتيبات دولية وفرض النظام لسيطرته على كامل مدينة حلب ومحيطها الجنوبي والشرقي والغربي.
وقامت الجماعات المسلحة المناوئة للنظام بأعمال تفجير سيارات أو التفجير عبر انتحاريين في حلب الغربية، والنيل من مرافق خدمية وطبية.
كذلك قامت الجماعات المعارضة والتنظيمات الإرهابية بانتهاكات جسيمة بحق المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها، سواء في إطار فرض الانصياع لسيطرتها أو بغرض انتزاع مكاسب وغنائم، فضلًا عن نزاعات ثأرية بحق الأقليات، ومن ذلك قيام جبهة النصرة في إدلب بإحراق منزل على رؤوس 20 مواطنًا من الدروز بعد معارضتهم سلب منازلهم في 13 يونيو/حزيران 2015 في قرية قلب اللوزة، ما أدى إلى مقتلهم حرقًا بعد منع أي محاولات لإنقاذهم من الحريق.
فضلًا عن قيام هذه الجماعات بمنع المدنيين من الخروج من مناطق القتال بدعوى تجنب قيام القوات الحكومية والميليشيات المساندة للقتال بالنيل منهم، ولكنها نفذت عمليات إعدام بحق المدنيين الذين سعوا للخروج من مناطق القتل بعد إعلان ترتيب ممرات آمنة ولكن بغية الاحتفاظ بهم كدروع بشرية لمنع تقدم القوات الحكومية، وبرز ذلك في مناطق شرقي حلب خلال أكتوبر/تشرين أول ونوفمبر/ تشرين ثان 2016.
بينما وقعت عمليات إعدام ميداني لهؤلاء المدنيين خلال خروجهم من الممرات الآمنة، وبصفة رئيسة على يد الميليشيات المساندة للنظام وخاصة كتائب الحرس الثوري الإيراني، بينما قامت قوات النظام بإلقاء القبض على المئات منهم للتحقيق معهم للاشتباه في علاقتهم بالجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.
وفي سياق الغارات الجوية للتحالف الدولي ضد الإرهاب وقعت العديد من الجرائم على صلة بخرق مبدأي التمييز والتناسب في قصف مناطق مدنية، ومن ذلك في سبتمبر/أيلول 2015 قصفت طائرات -يُرجح أنها فرنسية- مدرسة للأشبال تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي في منطقة الميادين، ما أدى إلى مقتل ما بين 50 إلى 55 طفلًا، وينتزع “داعش” هؤلاء الأطفال بين 12 و14 عامًا من عائلاتهم قسرًا لتدريبهم على العمل المسلح وتجنيدهم لاحقًا في صفوف التنظيم، وثارت تساؤلات عديدة حول استهداف المدرسة بدلًا من تمركزات “داعش” الأخرى المعروفة في المنطقة ذاتها.
وانتهزت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان الوضع في سوريا لمتابعة التحرش الدائم في المناطق الملاصقة، فضلًا عن غارات جوية نفذتها بدعوى وقف إمدادات عسكرية لحزب الله في لبنان خلال مرورها عبر الأراضي السورية، أو لاغتيال عناصر من الحزب الله اللبناني الذي يواصل دعمه للنظام في سوريا والمشاركة في ارتكاب العديد من جرائم الحرب.
ومن ذلك الغارة الجوية الإسرائيلية على بلدة جرمانا في ريف دمشق في منتصف ديسمبر/كانون أول 2015 التي أدت إلى مقتل وإصابة 18 شخصًا، بينهم الأسير المحرر “سمير قنطار” المنخرط في أنشطة حزب الله الذي كان مسئولاً عن استمرار خطوط الإمدادات عبر محور الزبداني غربي دمشق.
كذلك قامت حكومة الاحتلال بعقد اجتماعها بكامل تشكيلها في مناطق الجولان المحتلة في إبريل/نيسان 2016، وهو ما يعد تعميقًا للأزمة في سوريا ما أدانته المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بيان لها معتبرة الاجتماع بمثابة إعلان حرب، وطالبت القوى الدولية ومجلس الأمن الدولي بتحمل مسئولياتهم.
وقد أسهم في تعقيد المشهد ومخاطر توسيع الحرب قيام الطائرات التركية بإسقاط طائرة روسية في المناطق الحدودية السورية التركية في 24 نوفمبر/تشرين ثان 2015، وهو ما أدى إلى رفع حدة التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، وتضمنت -بحسب مصادر المنظمة الميدانية- قيام المقاتلات الروسية باستهداف نقاط عسكرية تركية وقوافل نفط مهربة من سوريا داخل سوريا وأحيانًا داخل تركيا، غير أن أخطر ما رافقها هو القصف واسع النطاق للنظام السوري في ظل الحماية الروسية لمناطق تمركز المواطنين التركمان في سوريا شمالي اللاذقية وشمالي حلب.
وعقب التفاهم الروسي التركي بداية من يوليو/تموز 2016 تدخلت القوات العسكرية التركية بصورة أكبر في سبتمبر/أيلول 2016 في مناطق ريف حلب الشمالي بدعوى مكافحة إرهاب “داعش” في شمالي وشرقي حلب، وكانت أولوياتها دحر التمدد العسكري الكردي في المناطق الحدودية إلى ما وراء شاطئ نهر الفرات الشرقي، لكنها ما لبثت أن تورطت في صراع واسع مع تنظيم “داعش” في مدينة الباب في حلب، وبينما امتنع التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة عن دعم عملياتها بغطاء جوي، فقد حظيت بدعم من الطيران الروسي في مطلع ديسمبر/كانون أول 2016.
وقد باشرت القوات التركية غارات جوية انتقامية بحق تمركزات تنظيم “داعش” في مدينة الباب كان أغلب ضحاياها من السكان المدنيين، ومن ذلك الغارة الجوية التي نفذتها طائرات تركية في 23 ديسمبر/كانون أول 2016، وأدت إلى مقتل 88 شخصًا بينهم 72 مدنيًا، ومن بين المدنيين 21 طفلًا، وذلك للرد على تفجير انتحاري من “داعش” أدى إلى مقتل 24 جنديًا تركيًا، وهي جرائم ظلت تتكرر بصور متفاوتة خلال الفترة من 15 ديسمبر/كانون أول 2016 وما بعدها.
ويـظل الأشخاص المشردون داخليًا هـم أكثـر الأشخاص المعرضيـن
للانتهاكات، ويفر هؤلاء من منازلهم طلبًا للأمان، إلا أن الكثيرين منهم يتعرضون للاعتداءات في المخيمات التي لجئوا إليها وفي 30 يناير/كانون ثان 2016 أطلقت القوات الموالية للحكومة قذائف على مخيم “أوبن” في اللاذقية فقتل شخصان، وفى نفس اليوم قصف مخيم “اليمضية” الموجود في اللاذقية، وعلى الرغم من عدم وقوع إصابات فقد فر معظم السكان المخيم خوفًا من تكرار الهجمات.
وفي 2 يونيو/حزيران 2016 أدى قصف المعبر الحدودي لمخيم “اليمضية” إلى وفاة شخصين مشردين داخليًا وجرح عامل في إحدى المنظمات غير الحكومية.
وأسفرت الهجمات العشوائية التي يشنها تنظيم “داعش” عن وقوع أعداد من الإصابات والقتلى في صفوف المدنيين وتستخدم فيها جميعًا سيارات مفخخة أو انتحاريون، ومن ذلك في 26 يناير/كانون ثان 2016 انفجرت سيارة مفخخة في نقطة تفتيش لأفراد الأمن، وأعقبها تفجير انتحاري وسط الناس الذين تجمعوا بعد الانفجار الأول، ما أسفر عن مقتل 22 شخصًا وجرح 100 آخرين في حي الزهراء السكنى في حمص.
وفي 21 فبراير/شباط 2016 أسفرت سلسلة من التفجيرات في منطقة السيدة زينب في دمشق وكذلك في حمص عن مقتل 140 شخصًا، ووقع هجوم مزدوج في 31 يناير/كانون ثان 2016 وأسفر عن قتل 40 مدنيًا.
وفي 23 مايو/أيار 2016 وقعت سلسلة من التفجيرات الانتحارية والتفجيرات بالسيارات المفخخة وأسفرت عن قتل ما لا يقل عن 120 شخصًا وجرح 200 آخرين في جبلة وطرطوس باللاذقية.

العيش تحت الحصار
وتحاصر جبهة النصرة -المصنفة دوليًا كتنظيم إرهابي- وبعض جماعات المعارضة المسلحة بلدتي الفوعة وكفريا في إدلب منذ مارس/آذار 2015 على صلة بانتماء سكانهما للمذهب الشيعي، وعانت كلتا البلدتين من نقص الأغذية والوقود وانقطاع الكهرباء والماء.
وفي سبتمبر/أيلول 2015 تم التوصل إلى اتفاق بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة عبر تفاهم قوات إيرانية مع لواء أحرار الشام (تنظيم الإخوان) بشأن بلدتي مضايا والزبداني مقابل قريتي الفوعة وكفريا، وواصل أطراف الاتفاق استخدام تسليم المساعدات كأداة للمساومة السياسية، مما أسفر عن حرمان البلدات الأربع جميعها من المساعدات الإنسانية منذ 30 إبريل/ نيسان 2016.
ويحاصر تنظيم “داعش” أحياء دير الزور منذ يونيو/حزيران 2014 الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وفرض سيطرته على مدينة منبج بحلب التي تبقى محاصرة من جانب قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا.

الهجمات على مرافق الرعاية الطبية
ظلت مرافق الرعاية الطبية هدفًا للهجمات من مختلف الأطراف منذ بدء النزاع المسلح في سوريا، وتعرض العاملون في المجال الطبي من أطباء وممرضين وسائقي سيارات الإسعاف وفنيي المختبرات للاعتداء بسبب اعتنائهم بالجرحى، وقُتل وجرح الكثير منهم، ودُمرت مستشفيات وعيادات وسيارات إسعاف، وأصبحت البنى التحتية للرعاية الصحية تعاني من ضعف شديد وخاصة في المناطق غير الواقعة تحت سيطرة الحكومة.
وكان لذلك أثر كارثي على السكان المدنيين مع عواقب وخيمة بالنسبة إلى الرضع والأطفال صغار السن والنساء الحوامل والأمهات والمعوقين والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
وحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا الصادر في أغسطس/آب 2016 وقع عدد كبير من الهجمات التي استهدفت الأشخاص الذين يقدمون الرعاية الطبية والأماكن التي تقدم فيها هذه الرعاية، ولم يكن للقرار الذي دعا فيه مجلس الأمن في مايو/آيار 2016 إلى وقف الهجمات على عمال الرعاية الصحية ومرافق الرعاية الصحية تأثير كبير على ميادين القتال، إذ استمرت الهجمات على المرافق الطبية.
وأضاف التقرير أن غالبية هذه الهجمات جاءت من جانب القوات الموالية للحكومة، ويوحي نمط الهجمات -خاصة عمليات القصف المتكررة- بأنه كان استهدافًا متعمدًا ومنهجيًّا للمستشفيات وغيرها من المرافق الطبية، كما قامت بعض الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة والجماعات الإرهابية -ومنها تنظيم “داعش”- بمهاجمة العاملين الطبيين والمرافق الطبية في المناطق الخاضعة لسيطرة
الحكومة.
وهاجم تنظيم “داعش” أيضًا المستشفيات كجزء من موجة عمليات تفجير انتحارية ضد أهداف مدنية بثت الرعب بين السكان، ففي 23 مارس/آذار 2016 فجر خمسة انتحاريين أنفسهم في أماكن مختلفة في جبلة باللاذقية، ويبدو من خلال نقل الإصابات الناجمة عن التفجيرين الأولين إلى المستشفى أن الانتحاري الثالث فجَّر نفسه أمام مستشفى “الأسد” والرابع داخل جناح الطوارئ في مستشفى “جبلة الوطني”، وقتل 15 فردًا من الفريق الطبي والعديد من المرضى بينهم أولئك الذين أصيبوا في التفجير السابق ونقلوا إلى المستشفى للعلاج، وجرح أكثر من 50 شخص، ودُمر قسم الطوارئ تمامًا، ما أدى إلى غلق المستشفى لفترة.
وارتكبت جميع أطراف النزاع في سوريا جرائم ضد السجناء وغيرهم من المحتجزين، وتتسم حالة المحتجزين بأنها حرجة وتمثل أزمة ملحة واسعة النطاق على صعيد حماية حقوق الإنسان، وحيث إن عشرات الآلاف في السجون في كل الأوقات، فإن الأمر يتطلب اتخاذ خطوات عاجلة من جانب الحكومة والمجموعات المسلحة والداعمين الخارجيين والمجتمع الدولي من أجل منع حدوث مزيد من الوفيات والجرائم التي يتعرض لها المحتجزين.
ويشير شهود العيان والأدلة بقوة إلى أن الحكومة السورية تحتجز في كل وقت عشرات الآلاف من الأشخاص المدنيين الذين يعتقد أنهم يدعمون المعارضة، أو ليس لديهم الولاء الكافي للحكومة، ويتم توقيف المقيمين في المناطق الخاضعة للمعارضة أو أقرباء الأشخاص الذين يشتبه في انتمائهم لمجموعات مسلحة والناشطين والمنشقين والأفراد العسكريين الذين يشتبه في تعاطفهم مع الثورة والأشخاص الذين يعتقد أنهم يوفرون رعاية طبية للمعارضة.
واختفى آلاف آخرون بعد إلقاء القبض عليهم على يد القوات الحكومية، ويتعرض المحتجزون لدى الحكومة للضرب حتى الموت أو الموت نتيجة إصابات من جراء التعذيب، ونتيجة الظروف المعيشة اللاإنسانية، ولا يمكن التذرع بالضرورات العسكرية كمبرر قانوني للوفيات أثناء الاحتجاز.
وبحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا ارتكبت الحكومة جرائم ضد الإنسانية تتمثل في الإبادة والقتل والاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي والتعذيب والسجن والاختفاء القسريّ وغير ذلك من الأعمال اللاإنسانية، واستنادًا إلى السلوك نفسه فقد تم ارتكاب جرائم حرب.
وأنشأت المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة أماكن احتجاز مؤقتة تعرض فيها الأسرى من جنود الحكومة ومقاتلي المجموعات المتمردة المنافسة لسوء المعاملة والإعدام، وتم إعدام آخرين ميدانيًّا بعد محاكمات غير مشروعة، ومات بعض الأشخاص الذين أخذوا كرهائن أثناء وجودهم في الاحتجاز لدى المجموعات المسلحة، وبموجب ذلك ارتكبت بعض المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة جرائم حرب تتمثل في القتل والمعاملة القاسية والتعذيب.
وأقامت جبهة النصرة مرافق احتجاز فـي إدلب تم توثيـق وفيات أثنـاء
الاحتجاز فيه، وقامت المجموعة الإرهابية أيضًا بعمليات إعدام بالجملة للأسرى من جنود الحكومة، وارتكبت جرائم حرب تمثلتفي القتل والمعاملة القاسية والتعذيب.
وأخضع تنظيم “داعش” المحتجزين لاعتداءات خطيرة، بما في ذلك التعذيب والإعدامات الميدانية، وفي كثير من الأحيان كان المحتجزون يُعدمون بعد أن تصدر محاكم غير مؤهلة أحكامًا بالإعدام، وكان يسبقها مداولات ليس لها أي صلة بالمحاكمة العادلة، وتنتشر عمليات الإعدام الوحشية التي تجرى علنًا وأحيانًا بدافع انتقامي، ويستهدف التنظيم المدنيين ممن يعتبرهم “كفارًا” وجنود الحكومة ومقاتلي المجموعات المتمردة المتنافسة، وارتكب تنظيم “داعش” جرائم ضد الإنسانية تمثلت في القتل والتعذيب وجرائم الحرب.
ولا تتوافر معلومات عن الحقوقي “باسل خرطبيل” منذ إعادة اعتقاله على يد النظام في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2015.
ويتواصل اختطاف الحقوقيين السوريين “رزان زيتونة”، و” سميرة الخليل”، و”وائل حمادة”، و”ناظم حمادي”، وذلك منذ اختطافهم في9 ديسمبر/كانون أول 2013 على يد جماعة مسلحة.
كما يتواصل اختفاء كل من الحقوقيين “خليل معتوق” و”محمد ضاضا” منذ 2 أكتوبر/تشرين أول 2012 بعد اعتقالهما على يد النظام.

قد يعجبك ايضا

اترك رد