الرئيسية / مقالات مختارة / تقديس الأشخاص

تقديس الأشخاص

المستقلة – القاهرة  –  بقلم  المفكر المصري الكبير يحيي الابراشي

تتعدد وتختلف الأسباب التى تؤثر فى الإنسان فتدفع مشاعره الإعجاب بإنسان آخر فهذه هى طبيعة البشر بحيث لا تصل إلى حد تقديس الأشخاص فالفرد أو الأمة أو الجماعة التى تبتلى بتقديس الأشخاص تصاب بأمراض التعصب و التخلف والجهل وبالتالى لا يقبلون النقد لشخصية من قدسوه ولعلاج هذه المشكلة لا بد من الاعتراف بوجود فرق واضح بين النقد البناء الذي يبرز الإيجابيات ويشيد بها ويعالج السلبيات ويصححها بأسلوب يبتعد عن التجريح وتناول ذات الشخص الذي نريد نقد بعض أفكاره وتصرفاته وبين النقد الهدام الذى لا هدف له .

ومن الطبيعى أن تتكون شخصية الإنسان بمن تأثر بمن أعجب بهم فعلى سبيل المثال تأثرت والعديد من أبناء جيلى بشخصيات من قرأنا لهم أو عاصرناهم وعن نفسى أعجبت فى مجال الدفاع عن الوطن بسعد زغلول الذى قاد ثورة ضد الإحتلال البريطانى لوطننا الحبيب مصر وتحمل مشقة الاعتقال والنفى خارج البلاد ومصطفى كامل الذى سخر حياته لقضية الوطن ومقولته الشهيرة ” لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا” وفى مجال العسكرية أعجبت بأحمد عرابى ومحمود سامى البارودى وفى مجال الإقتصاد أعجبت بمحمد طلعت حرب الذى كافح فى بناء أقوى صرح إقتصادى فى العصر الحديث وعندما أجبر على الإستقالة لم يتردد دقيقة واحدة فى توقيع الإستقالة حفاظا على ما حققه من من إنجازات لصالح الوطن  وقال مقولته الشهيرة ” ليذهب طلعت حرب ويبقى بنك مصر”

 ( ولم يتمسك بالشرعية والشريعة) وفى مجال الأدب تأثرت بما حققه طه حسين الذى وصف بعميد الأدب العربى والشاعر حافظ إبراهيم الذى قال فى قصيدة مصر تتحدث عن نفسها ” أنا إن قدر الاله مماتى لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدى ”

وعلى ضوء ما سبق لا بد للأجيال الحالية والقادمة أن تفهم بشكل عقلاني بعيدا عن الانفعال أن تقديس الأشخاص مرض نفسي يحتاج علاجا واقعيا وفهما صحيحا للأشياء بعيدا عن التعصب فبعض العقليات السائدة والرائجة هذه الأيام تحاول تصوير من أعجبوا بهم تصويرا خاطئا وعلى سبيل المثال هناك من أحبوا وأعجبوا بشخصية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وهذا من حقهم ولكن ليس من حقهم أن يقول أحدهم ” لولا الله لعبدناك يا ناصر” وآخر يقول آخر جمال عبد الناصر آخر الأنبياء”  ويقول آخر لم يأتى فى تاريخ البشرية ولن يأتى بزعيم مثل جمال عبد الناصر”

فهذه المقولات إن دلت على شئ فإنما تدل على مدى الإنحطاط والجهل والتخلف وقد آن الأوان أن يفهم الجميع، خصوصا الشباب أن لا أحد فوق النقد مهما كان، فبميزان النقد يمكن تقويم الخلل والخطأ وتقديس الأشخاص يكون سببا فى تخلف الأمة وواحد من الطرق المؤدية إلى السقوط،

 ومثلث الجهل والجور والتخلف يخنق عقل المجتمع ويلغي فردية الإنسان ويوقف حركة التاريخ ويعطل مسيرة الحضارة فمع استمرار جهل المجتمع بما له وما عليه يحصل الجور ومع الجور تسوء الأخلاق وتتدهور الضمائر ويتفاقم الجهل، وباجتماع الجهل والجور وسوء الأخلاق وفساد الضمائر تسود الأنانية الشرسة ويتوطد التخلف، وباستحكام هذه الشبكة من الآفات والمعوقات وتبادل التغذية بين أطرافها تتوالد عناصر الانحطاط وتترسخ أركان الإفلاس الحضاري فتنسد الآفاق وتنغلق العقول ويشتد التعصب ويسود الاجترار ويختفي الإبداع ويتوجّس الناس من أي طارئ في الأفكار والأذواق والممارسات ويحتمون بما ألفوه ويبالغون في تعظيم الأشخاص الثقات وينقلب التقدير إلى تقديس وبذلك يستحكم الانغلاق ويتوقف النمو وتبدأ مرحلة الجفاف والتيبّس، والمبالغة في تعظيم المتميزين من الأشخاص هي أغزر منابع الجهل والظلم والتخلف.

وهذا هو واقعنا المؤلم المؤسف

 

اترك تعليقاً