تحطيم كولومبس.. اعادة تقييم العنصرية الغربية

نزار عبد الغفار السامرائي

لم تقف ردود الفعل على موت الأميركي من أصل إفريقي جورج فلويد اختناقا، بعدما ضغط شرطي أبيض مطولا على رقبته في مدينة مينيابوليس، عند التظاهرات الكبيرة والغاضبة التي شهدتها العديد من المدن الامريكية ، فتحولت الى حملة دولية واسعة ضد العنصرية وعنف الشرطة سواء في الولايات المتحدة او غيرها من الدول.

كما دفعت الأميركيين للنظر إلى تاريخهم بطريقة مختلفة، وظهر هذا واضحا في الحملة الواسعة لإزالة تماثيل كريستوفر كولومبس الذي يعد مكتشف أمريكا من الأماكن العامة في العديد من المدن الامريكية، باعتباره اول من شرع التمييز العنصري والتعامل الوحشي مع السكان الأصليين للبلاد عندما وطأت اقدامه هذه الأرض قبل 520 سنة تقريبا.

وتحمل عملية إزالة تماثيل كولومبس علامات تدل على أن السياسة التي اتبعها البحار الايطالي الذي يعد “مكتشف أميركا”،  بات الآن في نظر المحتجين أحد المساهمين في إبادة هنود القارة الأميركية والسكان الأصليين عموما.

وكان كولومبس يبرر معاملته الوحشية للسكان الأصليين بأن “أرواح الهنود الأصليين ليست كروح الإنسان، بل هي حيوانية لا تستحق النعمة ولا يشملها الخلاص الإلهي”. كما ورد في رسالة بعثها لملك قشتاله. معتبرا انه وعلى الرغم من غنى تلك الأراضي، بالذهب فإن السكان الأصليين عراة وتافهون وبرابرة.

وبذلك فأن النظرة اليه الان تحولت من المستكشف الأول الى الشخص الذي يعد اول من رسم السياسة العنصرية في هذه المنطقة من العالم، هذه السياسة التي يرى المحتجون انها  مازالت قائمة ولاسيما في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي كثيرا ما كانت تصريحاته وتلميحاته تصب في اطار التمييز العنصري.

ولكن لماذا كولومبس؟

يشير المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه 501 عام العزو مستمر الى ان غزو “العالم الجديد” الذي قام به كولومبس اطلق اثنتين من الكوارث السكانية التي لا مثيل لها في التاريخ: اهلاك السكان الأصليين في نصف الكرة الغربي، وخراب أفريقيا حيث وسعت تجارة الرقيق سريعا لخدمة حاجات الغزو، واخضعت القارة كلها.

من هذا فأن السكان من الأصول الافريقية، باتوا يشعرون ان كولومبس ذاك المكتشف واسع الشهرة الذي تمجد به كتب التاريخ على انه من مهد للاوربيين الطريق الى الجزر الامريكية، ليس الا انسان عنصري قاتل، عمل على التعامل بقساوة ووحشية مع السكان الأصليين للأرض التي اكتشفها، كما انه مهد لغزو افريقيا من اجل استعباد شعوبها، والمتجارة بهم في سوق الرقيق، حتى تزدهر اعمال السادة البيض في الأرض الجديدة التي تحتاج الى اياد عاملة، وعبيد يعملون دون هوادة.

ورغم التحولات التي شهدتها الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت حتى يومنا الحاضر، والتي مكنت باراك أوباما من الوصول الى البيت الأبيض كاول رئيس امريكي من أصول افريقية، الا ان التعامل مع المنحدرين من اجناس غير اوربية، ولاسيما من أصول افريقية او لاتينية او اسيوية، لم يخلوا من العنصرية والنظرة الاستعلائية، وهو ما اجج الغضب لدى الامريكان بعد مقتل فلويد. وهذا الإحساس لم يقتصر على أبناء تلك الأصول العرقية فقط بل حتى البيض انفسهم اصبحوا في صف الرافضين للتعامل العنصري الذي يشعرون انه بات واضحا، ولاسيما بعد وصول الأحزاب اليمينية التي تحمل بذور العنصرية الى الحكم في اكثر من دولة، وبالذات في الولايات المتحدة مع سياسة دونالد ترامب.

هذا الامر هو ما دفع المسؤولين في الولايات الامريكية الى القيام بخطوات للحلولة دون انزلاق الامر الى ما هو ابعد عبر إزالة تماثيل كولمبس من الأماكن العامة والذي بررته راشيل أكسيل مسؤولة الجهاز الثقافي في بلدية سان فرانسيسكو بأن “التمثال لا يتناسب مع قيم سان فرانسيسكو والتزامها تحقيق العدالة العرقية”.

كما ذكر مسؤولون في ولاية كاليفورنيا، بعد قرار سحب تمثال آخر لكولومبوس من مقر البرلمان المحلي في ساكرامنتو، نصب عام 1883، إن كريستوفر  كولومبوس “شخصية تاريخية ينقسم حولها الناس نظرا إلى العواقب القاتلة لوصوله إلى هذا الجزء من العالم على السكان الأصليين”.

واذا ما اردنا سبر الدلالة العميقة لهذا التوجه يمكننا ان نجد بأن هناك توجها جديدا لاعادة تنظيم القيم في المجتمعات الغربية، حيث اثبتت ان الشعارات الديمقراطية والمساواة وغيرها ليست كافية دون وجود تغيير جذري في أسلوب التعامل مع الجمهور بعيدا عن اللون والعرق والديانة وفق المبدء الأول في الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اقرته الأمم المتحدة عام 1948، والذي ينص ” يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء”.

لقد أشار العديد من المفكرين الى ان العالم يتجه الى التغيير في ظلّ جائحة كورونا التي أظهرت الكثير من الخفايا والعيوب في الأنظمة القائمة.

واذا كان شكل هذا التغيير مبهما وغير واضح المعالم حتى الان الا أن تباشير الحراك الشعبي بدأت واضحة عبر التظاهرات التي سادت عقب مقتل فلويد سواء في مدن الولايات المتحدة او المدن الاوربية الكبرى التي رفعت شعار مناهضة العنصرية مجددا.

التعليقات مغلقة.