الرئيسية / مقالات مختارة / تجفيف منابع الإرهاب أولى من الحرب عليه

تجفيف منابع الإرهاب أولى من الحرب عليه

بقلم: سامح عسكر

ظاهرة الإرهاب الدولي..لا تلبث أن تختفي في مكان إلا وتظهر في مكانٍ آخر، ويعني ذلك أن لها مصدراً مُغذياً يمدها بالطاقة والشُريان اللازم للحياة، وأن العديد من الدول والمجتمعات التي تُعاني من هذا الإرهاب لا تتعامل معه بطريقة سليمة، فهي تفطن للدلالة الكبرى والآثار السيئة له، وتعمل على سد الذرائع الممكنة أو تأمين المستقبل بعِدة إجراءات وتدابير، ومع ذلك فهذه السياسة لم تُفلِح في القضاء على الإرهاب الذي أصبح علامة وظاهرة دولية تُعاني منها بعض الدول، بل حتى حين نتعرض للمُشكلة ذاتها لا نُفلِح في تحديد الخطر الحقيقي، ونعتقد أنها أزمة مؤقتة نتيجة لسياسات معينة سينتهي الإرهاب مع انقضائها وهذا غير صحيح.

مبدأياً لسنا أمام عدو منظم يمكن محاورته والتفاهم معه، أو إزالة جذور الاستياء الدينية والسياسية التي يمكن أن تُصبح يوماً مصدراً للعُنف، ولكننا أمام عدو لا عقلاني أعمى، لا ينتظر حوار ولا يعمل على التقريب، بل كل ما في وسعه هو الهدم تطبيقاً لنظريته في الحياة ..”اقتل حتى تدخل الجنة”.. فهو يمارس العنف من أجل العنف اعتقاداً بأنه جهاداً شرعياً واجبا، وليس لمجرد أن يعمل في السياسة هذا تصور خاطئ ابتُلينا به جميعاً.

وتزداد البلوى بأسلوب معالجة خاطئ، وهو أن يدعو المصلحين للتسامح ونشر صورة للمصلحين أقرب إلى عُمدة القرية الذي بيده مقاليد الأمور إذا شاء تسامح وأصفح وإذا شاء عاقب واشتد، وهذا معنى التسامح الحقيقي ، أنه يصدر في الغالب بمعنى الوصاية والكرم، وبذلك نكون في انتظار أي مخالفة أخرى تعقد رواسب فينتقم العُمدة انتقاماً يُشبه سلوك الإرهابي الذي يُبرر جرائمه بأفعال الضحايا أو انتماءاتهم.

قلنا قبل ذلك أن هناك فارقاً بين التسامح وقبول الآخر يجب نشره لتوعية الناس، أنه بقدر يسير من القبول يتحقق العدل، وبانتظار فهم مجريات الأمور نكون قد ضاعفنا هذه النسبة فيترسخ العدل في الوجدان ونفهمه على حقيقته دون لبس، وهذا يعني أن قبول الآخر أشمل وأعم من التسامح، وأن العدل يخرج من بين رحابه ، وتختفي معه صورة ذلك العُمدة الأفّاق الذي ربما يستغل الدين والسلطة لصالحه، وهو يقضي تماماً على أي استغلال أو نزع لحقوق الآخرين، ويحمي مقومات المجتمع ومؤسسات الدولة ويجعلها رهينة لذلك المبدأ أيما تحقق نكون قد حققنا الدولة والمجتمع معاً.

من جانب آخر تعمل بعض الدول في مواجهة الإرهاب بسياسة القمع الآني أو الفوري دون النظر لقواعد هذا الإرهاب الفكرية، وبما أن الغرب هو أول من عانى من هذه الظاهرة حديثاً فقد وضع أصحاب الديانة بالكامل موضع التهمة، ولم يُكلّف نفسه في البحث عن المصدر الحقيقي أو إسقاط معايير الإرهابيين ومقارنتها بالثقافة العامة للمسلمين، أو البحث في ما وراء التراث والتاريخ الذي يُشكّل خلفية هؤلاء، بل إن علمائنا لم يسيروا في هذا الاتجاه أصلاً، وعليه كانت مُطالبتنا للغرب بذلك هو مطلب غير منطقي.

يجب أولاً أن نبحث عن مصادر هؤلاء وقواعدهم الفكرية واجتثاثها بالكلية، ولكن من أين لنا هذا و المصالح الدينية والفكرية تقف حاجزاً أمام تجفيف منابع الإرهاب، فعلماء الدين المسلمين يخشون المراجعة والمخاطرة بتراث مملوءاً بالغث والسمين، ودعوات الإرهاب وقتل المدنيين دون تمييز ،وإشاعة روح الانتقام والعداء، ربما يظنها البعض مبالغة ..لكن لا أراها كذلك، فهؤلاء العلماء هم من صدّعونا بأن الإسلام يدعو إلى السلام والرحمة والتواصل، بينما يظل الإرهاب الديني كظاهرة تتنامى باطراد ملحوظ.. وليس كما يعتقدون أنها في انحسار، فمع كل مشكلة سياسية ودينية في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي يظهر لنا الإرهاب بوجهه القبيح، وهذا يعني أن مصدر الإرهاب موجود وأنه يظل مُخزوناً في الصدور إلى أن يشتعل الصراع على السُلطة.

في تقديري أن المسألة تبدأ من الاختلاف حول الأصول..يجب أولاً وضع تعاريف جديدة للكُفر والإيمان، يجب أن يتم تعريف الجهاد ليس بسياقاته كما هو أسلوب المُنظّرين، بل يجب تعريف الجهاد مُجرداً من أي سياق بل ومن أي قيمة مُلازِمة، يجب إعادة النظر في المرويات الحديثية فهي أصل البلاء، يجب إعادة تقنين كُتب الحديث في إطار من القبول والرفض وليس في إطار الزندقة والإلزام، هاكم روايات تدعو صراحةً إلى القتل والقتال، وأخرى تُبشّر القاتل بالجنّة، وأخرى تُبشّر بمخلّص آخر الزمان…وهكذا..تلك هي الآفة ، فالأمور مترابطة في أذهانهم بشكل يصعب معالجته .

منذ يومين في سوريا نشرت جماعة مقاتلة للرئيس السوري بشار الأسد بياناً حول رؤيتهم الشرعية لمسألة ..”قطع رؤوس الأعداء”.. وتصوير ذلك تلفزيونياً، ووصلت إلى نتيجة مفادها أن قطع الرؤوس كان سمة سلف المسلمين من أهل الشام، واستدلوا على ذلك بحديث في السُنن يفتخر بهذا الأسلوب وتكريم أهله ، تلك هي المصيبة أنه وبحديث واحد في كتب التراث يجري قطع الرؤوس، وربما يكون حديثاً ضعيفاً أو مكذوباً، ولكن أنظروا إلى المبدأ هم يقطعون الرؤوس بناءً على مرويات تاريخية يُقلدون فيها سلفهم، وليس بالبحث في المصدر الأول للدين وهو القرآن، أو إعمال العقل لتصور المسألة..هذه أشياء لديهم عفا عليها الزمن.

للأسف كنا نتعشم خيراً في أزهرنا الشريف بأن يتصدى لهذه الظاهرة الإرهابية ووضعها في إطارها دون لبس، ولكن الأزهر يكتفي –كالعادة-ببيانات الشجب والتنديد، ووصم كل من يعمل عملاً إرهابياً أنه ليس على الطريق الصحيح، وأنا لا أفهم كيف يكون إرهابياً خريجاً للأزهر؟..حدث ذلك مرات ومرات، بل وصل الأمر إلى أن التحريض الديني خرج من على منابر الأزهر في بعض الأحيان، نعم يوجد توجه لقيادة الأزهر مضاد للإرهاب بالكلية وهم يعملون على معالجته حسب قدراتهم، ولكن كما أقول وأدعي ..أن المسألة تخطت حاجز المواجهة، ويجب أن يعمل الأزهر على تجفيف منابع الإرهاب وليس الاكتفاء بالمواجهة الفورية ..هذا أسلوب الشرطة وهي غير معنية بالمواجهة الفكرية.

منذ سنوات عديدة بل منذ عقود ظهرت بعض الاجتهادات وهي تتنبأ بمصير المسلمين إذا لم يجرِ المسلمون مراجعات تُراثية شُجاعة ، وأن يُعيدوا تصحيح المفاهيم الدينية كالكفر والإيمان، وأن يتخذوا موقفاً مسئولاً لظاهرة التحديث عن الأنبياء وما رافقها من شيوع الكذب ووضع الأهواء محل الإيمان، فالعوام دائماً لا يسألون عن حقيقة الأخبار الدينية، بل هم ينتظرون قول العلماء بالضعف والصحة دون بذل الجهد في تأكيد كلامهم من عدمه، ويستغل العلماء هذا السلوك أبشع استغلال فينتشر الكذب على الأنبياء ،ويأكلون أموال الناس بالباطل، وينشرون الكُفر والجريمة محل الإيمان والإحسان، والأطرف أن البعض منهم يكذب حتى في الحقائق العلمية ويزعم أشياء ليس لها وجود فقط من أجل تصحيح أثر أو خبر مروي عن السابقين.

لقد وصلوا إلى مرحلة من البلاهة والغباء يصعب التفاهم معهم، وعليه كان البديل لا يخرج إما من المواجهة الفورية وإما بكشف وفضح رؤيتهم للدين والثقافة بالعموم، وفي تقديري أنه يلزمنا توازي هذان السلوكيان باهتمام، فالعصر الذي نعيش فيه أصبح عصراً دينيا ولادينياً معا، والصراع الآن في حقيقته هو على الدين ليس كحقائق ولكن كأفهام بشرية نسبية، فكيف ندير هذا الصراع ولدينا من الآفات في التراث ما يجعلنا إرهابيين، بينما اللادينيون هم ضحايا دائمين للإرهاب أو خصوم فكر ..فيعتقد الإرهابي أن الحرب على الإيمان فيَقتُل وهو يوقن بأن الجنة مصيره، بينما لو حدثت مراجعة وتجفيف منابع هذا الفكر ربما يشك الإرهابي في سلوكه فيهدأ.

حينها تُظلم معه الزوايا فلا يرى من الحُجرة سوى عمود نور رفيع يطل من النافذة، وقتها سيكون أمامه أحد خيارين إما أن يظل في الحُجرة ويُعاني من الظلام، وإما أن يذهب بنفسه إلى النافذة ليرى هذا الأمل وتلك الحالة الجديدة على وجدانه، فهو ليس أمام صحوة دينية، ولكنه أمام صحوة عقلية سيكتشف بنفسه أن العقل يتصادم مع مفاهيمه عن الدين بل وطريقة تدينه بالكلية، حينها يكره التناحر وكافة أمراض المتدينين من عُنصرية وكراهية واستعداء، فهذه الأشياء هي منبع الإرهاب، ولا يجري تجفيف منابع الإرهاب دون علاج هذه الأمراض، فهي أحوال مزمنة كلما اشتد الرجل في تدينه كلما تشكلت في واعيته مقومات الإرهاب، وقتها نكون مُطالبين بالتحقيق في التدين كمظاهر وشعائر وبين الدين كحقيقة عقلية وروحية معاً.

اترك تعليقاً