الرئيسية / مقالات مختارة / بينما طبول الحرب تدقُ : قصةٌ في غير وقتها المناسب / ظافر العاني

بينما طبول الحرب تدقُ : قصةٌ في غير وقتها المناسب / ظافر العاني

  ثياب عرس حمراء في الكاظمية
لي صديق هو من بين اقرب الناس لقلبي ، هو الآن مستشار في وزارة الخارجية وكان قبلها بسنوات احد طلابي في الماجستير ، هو من الناصرية ، تحديداً من سوق الشيوخ ، ومن عائلة عَلَوية معروفة هناك ،لكنها تقطن بغداد منذ سنين . لستُ وحدي من أُحبهُ بل يحبه الشجر والحجر والريح والنهر ، لن اقول من هو لأني لم استأذنه بعد . ومازلت الى الآن احتفظ بصداقته ، فهو وحده من يدخل السرور لقلبي حين أراه ، ولو من بعيد ، او حتى أسمعُ صوته في الموبايل .
دعاني قبل عامين تقريباً لأكون ضمن فريق خطوبته ، التي تأخرت كثيراً ، من فتاةٍ لأسرةٍ كريمة معروفة ، واتضح بالمصادفة انهم من أقرب معارفي وأحد أخوتها كان طبيباً يعالج الوالدة الحاجة في أخريات أيامها في مدينة الطب قبل ذلك بعام ، وهو الآن لديه منها طفل جميل .
أذكر يومها في حفل الخطوبة ، أنه جاء ومعه أعمامه من الناصرية وشيوخ عشيرته  ، وانا لم أشاهد خطوبة بهذا الحجم من السيارات والمعازيم حتى ضاق البيت بهم فاضطروا لطلب كراسي إضافية من الجيران صفت في ممرات البيت . وحينما طالت المجاملات ، طلب صديقي من ( العارفة ) ان يبدأ الكلام ليطلب يد البنت . وقد تلعثم الرجل يومها ، فهو لم يحفظ السورة التي تتعلق بالزواج ، فصححناها له ، ولم يستطع ان يكمل الحديث الشريف عن حث الرسول ( ص ) المسلمين بالزواج ليباهي بنا الامم ، فاتممناه نيابة عنه ، واتضح لي لاحقا انه كتب كل ذلك على كف يده مثل اي طالب مهمل ، ولان نظره ضعيف لم يستطع الغش جيداً . كانت تلك اول مهمة يكلف بها ففشل فشلاً ساحقاً .
هل صادفك يوماً ان ذهبت للصلاة في الجامع ويبدأ اثنان بضحك خافت ويغلقون فمهم لكن صوت الضحكة يخرج رغم قدسية المكان ، تماماً كما يحدث أحياناً في مجالس العزاء ، حينما تسمع اثنان يضحكان ضحكة مكتومة . ياللفضيحة ، الكل بدأ يضحك بصوت حاول ان لا يظهر ولكن هيهات حتى صديقي الخاطب مات من الضحك ،  وهو ضحكته كالزعيق .
استلمت زمام المبادرة وبدأت الحديث ، فانصت الجميع ، طبعاً ، وهل لديكم شك ؟ وقد مرت الأمور بسلام وسمعنا الهلاهل من داخل البيت بعدما قرأنا الفاتحة .
علاقتي مع أسرته ودية رغم قلة الزيارات بيننا  وانا اعتبرهم أهلي .
ولذلك حينما سمعت بان اثنتان من بنات العائلة قد استشهدتا في تفجير سيارة مفخخة في الكاظمية قبل ست سنوات تقريباً شعرت بانهيار فعلي ، فالبنتان أخواتي أو بناتي ، إحداهما كانت عروسٌ للتو لم يمضِ على زواجها شهر ، هي زوجة اخوه ، والثانية أخته التي كانت أرق من النسيم خلقاً ، وأدباً ، وحسن تعامل .
بكيتُ حتى جفت الدموع في عيني كمداً وحسرة عليهما ، وبكيت لأني سمعت صديقي يبكي وانا أواسيه عبر الهاتف ، وهو الذي مارأيته إلا ضاحكاً مبتسماً . شهيدتان في بيت واحد في يوم واحد ، استشهدتا بانفجار سيارة لئيمة وقد كانا يرومان الذهاب لسوق الكاظمية ، ومن افضل منه سوقاً لشراء تجهيزات عروس جديدة ومستلزمات عائلة تكونت للتو ، فغادرتانا وهما يشكوان الى الله ظلم الإنسان لأخيه الإنسان .
في ليلتها كان لدي موعد سابق في برنامج على قناة الحرة مع ( ………. ) ، الذي ما أن بدأ اللقاء حتى راح يتحدث بلغة طائفية بشعة رغم انه جاء اثناء الغزو مع الاحتلال مع ( الشريف علي بن الحسين ) الذي كان يريد عودة الملكية ، ثم غير جلده فيما بعد عندما انحسرت حظوظ الشريف علي في المشهد السياسي .
قال يومها
–  ان تفجير الكاظمية اليوم هو دليل على رغبتكم بقتل الحسين عليه السلام من جديد ، وإنكم ،،،،،
وراح يتحدث بلغة سمجة ، أما انا فكنت مهموماً حزيناً ، وليس لي رغبة بالحوار ، حتى إبتلعَ الشاشةَ لوحده ، أما انا كنت غارقاً في  تذكر اختايَّ اللتان استشهدتا اليوم ، وأفكر بما تقاسيه أمهما ، وأبو صديقي الذي أقعده المرض بعد وفاتهما حتى اصابه الشلل فيما بعد ، وتذكرت زفاف الشهيدة وفرحتها بزواجها من حبيبها .
– ان الشمر يعود من خلالكم في الكاظمية وانتم ،،،،،، ( واستمر في هذيانه المتواصل )
لم ألتفت له ، كان حزني اكبر من ان اناقشه او حتى أن أعلنه ، ولو أعلنته لفضحتني دموعي ، فأخت صديقي قد أكملت جامعتها وكانت في وظيفة محترمة وهي من يتمنى ان يقترن بها أي شاب وأي عائلةٍ تتشرفُ بها لكنها كانت تتدلل ،، كان مستقبلها واعداً والطريق معبداً امامها بالزهور وبالأماني الطيبة  ، لكن المفخخة عاجلتها ، فقتلت روحي مثلما قتلتهما .
– انتم حاضنة الإرهاب وتفجير الكاظمية دليل على رغبتكم في ان تبقى السلطة بيدكم من جديد ،،،و ،، و ،،،( يالسماجته ، ليته يسكت قليلاً )
سمعت بعضاً من كلامه ، وأنا أردد في داخلي : ألا تباً للسلطة ، ولعنة الله على من قتل أحبتي ، تذكرت ان أخت صديقي الأثير عملت لي قبل أيام ( تمن تاچينة )، أي رز باللوبياء واللحم المفروم ، حسب طلبي ، وكم كان شهياً طبخها وقد جلسنا معاً لنأكله سوية ، ونأكل معه ضحكاتنا وتعليقاتنا وقفشات صديقي التي لا تنتهي . أما نظيري الجالس امامي في الاستديو فمايزال يرعد ويزبد ولا يترك لي فرصة للحزن النبيل ،،
(دعني أرجوك ، انا لا أقوى على الحديث ولا ببضع كلمات ، ألا تفهم ، ألا تقدر حزني ، اصمت قليلا كي ابتلع همومي بدلا من التاچينة ) هكذا كنت أحدثُ نفسي  .
– لكننا لن نسمح لكم ان تقتلونا بعد اليوم ، وستشاهدون كيف سنرد عليكم ،،،،،( هراءٌ حديثه ولا يستحق الرد  )
تذكرت أخو صديقي ، فبعد سنوات من الإعجاب الشريف ، تزوجَ بمن يحب ، وكان يأمل ان يتوج الحبُ قلبيهما بالذرية الصالحة ، ترى كيف انت اليوم ، وكيف ستنام على فرشة ماتزال بعد ندية بالحب ؟ ها أنت الآن تبللها بدموعك السخية .  وانا اعرفه كم هو رقيق القلب على الجميع فما بالكم بفراق حبيبته وزوجته العروس .
– الحسين لن يقتل من جديد ، انتم من قتل الشهداء في الكاظمية ، وقد قتلت فيه ابنتان ماذنبهما ؟ انتم المسؤولون عن دمهما .
لا أستطيع ان أصبر على هذا الدعي فهو يستفز كل خلية في جسدي ، ووجدتُ نفسي أصرخ فيه بلا وعي ولكن بوجدان صادق  :
 – اسكتْ لاتزايد على جروحي ، هاتان البنتان التي تتحدث عنهما :
  أختايَّ .

اترك تعليقاً