بعد نجاح العمل عن بعد.. هل انقضى عصر المكاتب؟

نشر موقع “بيزنس إنسا” الأمريكي تقريرا، تحدث فيه عن الثورة التي ستشهدها آليات العمل بعد أن أثبت تجربة العمل عن بعد نجاحا خلال أزمة كوفيد -19.

وقال الموقع في تقريره، إن أغلب الرؤساء التنفيذيين لاحظوا نجاح تجربة العمل عن بعد، بعد أن أثبت تطبيق “زوم” نجاعته. لذلك، فإن هذا الأمر يوحي بإمكانية تغير الصورة الكلاسيكية للمكتب المتسم بالاكتظاظ والانفتاح، خاصة بعد أن أكد تقرير حديث لشركة “جي إل إل” أن 70 بالمئة من المساحات المكتبية في الربع الأول من سنة 2020 هي مكاتب أرضية مفتوحة كليا أو جزئيا، ما يجعلها بمثابة كوابيس عندما يتعلق الأمر بانتقال الفيروسات.

 

لذلك، شكك الرؤساء التنفيذيون، على غرار جيمس جورمان من شركة “مورغان ستانلي” وجيس ستانلي من شركة “باركليز”، في الحاجة إلى المكتب الكلاسيكي، بعد أن تمكنوا من إدارة عملهم عن بعد بنجاح، ناهيك عن توفير مصاريف أخرى.

 

وأكد الموقع أن صورة المكتب الكلاسيكي لن تضمحل تماما، لكنها ستشهد بعض التغيير، حيث سيقع اعتماد حلول قصيرة المدى يكون الهدف منها ضمان مكاتب آمنة قدر المستطاع، في انتظار تعميم لقاح ضد فيروس كورونا. ثم إن تطور المكتب على المدى الطويل ستحدده الأشهر والسنوات المقبلة، حيث عمدت معظم الشركات إلى إرساء خطط عمل تمكنها من الحفاظ على الإنتاجية خلال الأزمات.

 

 

 

وفي ظل الخسائر البشرية والنفسية المترتبة عن الجائحة، والأزمة الاقتصادية التي أعقبتها، تحاول الشركات اغتنام هذه الفرصة لإجراء تغييرات أساسية تتعلق بكيفية العمل والمكان المخصص له، وهو ما سيحدد ملامح مكاتب العمل المستقبلية بعد خمس سنوات من الآن.

 

استمرارية العمل عن بعد

 

أفاد الموقع بأنه لم يسبق أن مررنا بتجربة مماثلة للعمل عن بعد، ويمكن أن يمثل هذا الظرف بداية “تحول نموذجي”، خاصة بعد إقرار أرباب العمل والموظفين على حد السواء بإمكانية تواصل المعاملات التجارية عن بعد حتى بعد انفراج الأزمة. وأظهر استطلاع أجرته كلية كوليرز مؤخرا أن 4 من كل 5 موظفين يأملون في العمل عن بُعد مرة واحدة على الأقل في الأسبوع بعد انتهاء أزمة فيروس كورونا. كما بيّن استطلاع أجرته مؤسسة غارتنر أن 74 بالمئة من مجمل 317 مديرا ماليا يخططون لتحويل بعض الموظفين إلى العمل الدائم عن بعد.

 

وقد قامت مؤسسات أخرى بتغيير بعض إرشادات العمل عن بُعد الخاصة بها، على غرار شركة “زيلوو” التي ستمكّن موظفيها البالغ عددهم خمسة آلاف من العمل عن بُعد حتى نهاية السنة. وستنسج على منوال ذلك شركات أخرى مثل “ريفينيتيف” و “ترايد وب” و “نايشن وايد” و “باركلايز” و”مورغان ستانلي”.

 

ونقل الموقع قول نانسي دوبوك، الرئيسة التنفيذية لمجموعة “فايس ميديا”، إن صورة الموظف الذي يعمل مرتديا ملابس النوم ويلاعب حيوانه الأليف لم تعد تستدعي الاستغراب اليوم. وأكدت دوبوك على ضرورة تحقيق التوازن بين العمل في المكتب والمنزل لضمان إنتاجية أفضل.

 

ويوضح لوك إليس، الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات “مان غروب” إمكانية تكييف بعض هياكل المكاتب للمساهمة في إنجاح العمل، وتكريس مساحات جماعية لجلسات العصف الذهني”.

 

وأضاف الموقع أنّ أرنولد ليفين، مدير استراتيجية الجنوب الغربي في شركة الهندسة المعمارية والتصميم الرائدة “جنسلر”، قال إن قوتهم العاملة كانت فعالة للغاية في العمل عن بعد لدرجة أنهم يفضلون بالفعل تقليص مساحة العمل الفردية في مكاتبهم. والآن، فهم يستغلون مبنى مساحته 80 ألف متر مربع من أجل التدريب والاجتماعات الكبيرة والترفيه عن العملاء.

 

لماذا لن يلغي العمل عن بعد المكتب بالكامل؟

 

أورد الموقع أنه إذا قامت كل شركة بتقليص مساحة مكان العمل، فسوف ينهار سوق المكاتب التجارية. لكن ذلك من غير المحتمل أن يحدث، فإذا جاء عدد أقل من الأشخاص إلى المكتب، ولكن أصبحت المكاتب أقل ازدحاما لجعل المسافات الاجتماعية ممكنة، فقد لا تزال الشركات بحاجة إلى نفس المساحة المكتبية.

 

وقال الموقع إن مستندا تقنيا من إعداد مايكل كولاسينو، رئيس شركة “سكوير فوت”، يكشف الأسباب التي تجعله يعتقد أن تقليص المساحات المكتبية لن ينخفض إلى نسبة 25 بالمئة التي يقدرها بعض الخبراء. في الواقع، سيتعين على المديرين التنفيذيين، الذين من المرجح أنهم عملوا عن بعد قبل الوباء، التخلي عن مساحة مكاتبهم المخصصة، والتي عادة ما تكون أكبر بكثير من مكاتب الموظفين العاديين. وسيتعين على الموظفين الآخرين اللجوء إلى مساحات العمل المشتركة بدلا من المكاتب.

 

قد تؤدي المكاتب العمل المشتركة إلى خلق مشكلة تنسيق غير قابلة للحل تقريبا. كيف يمكنك وضع جداول أوقات بصفة متكررة لمنع الازدحام الشديد في المكتب، مع التأكد أيضا من وجود الأشخاص المناسبين لأي أنشطة شخصية؟ كذلك، تتطلب المكاتب المشتركة أيضا كمية كبيرة من التنظيف لمنع انتشار فيروس كورونا.

 

ودون تحوّل جميع الموظفين إلى العمل عن بعد بدوام كامل، لن تتمكن المساحات المكتبية من التقلص كثيرا. يتنبأ كولاسينو بأن الطلب على المساحة سينكمش بنحو 5 بالمئة. بالنظر إلى طول عقود الإيجار والتكاليف المرتفعة لإلغاء هذه العقود، فسيحدث هذا التقلص على مدى سنين طويلة.

 

كيف نجعل المكاتب آمنة؟

 

قبل ظهور لقاح ضد فيروس كوفيد-19، ستتطلب العودة إلى المكتب على المدى القريب الكثير من التغييرات التشغيلية والتكنولوجية لمنع انتشار الوباء. قد لا يشعر العمال أن المكاتب آمنة حتى بعد اللقاح، وسيكون الأمر متروكا للشركات لجعل موظفيهم يشعرون بالأمان. في الواقع، بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، بدأت مباني المكاتب في المدن الكبرى في إضافة بوابات دوارة ومكاتب أمنية لمنع الهجمات الإرهابية المحتملة، وزادت المراقبة في كل الأماكن العامة تقريبا. هذه التضحية بالخصوصية من أجل الأمان ستحدث أيضا في المكاتب بعد فيروس كورونا.

 

وأضاف الموقع أن المراقبة قبل الجائحة كانت تتلخص إلى حد كبير في محاولة رصد المدير للموظفين الذين يلجؤون لموقع إنستغرام. ولكن بعد فيروس كورونا، ستشمل المراقبة كل شيء بدءا من فحوصات درجة الحرارة عند مدخل المبنى إلى التثبيت الإلزامي لتطبيقات تتبع للموظف.

 

عودة مكاتب الضواحي

 

أوضح الموقع أن بعض الشركات قد تنظر في إمكانية تبديل المكاتب أو الانتقال إلى مساحات مكاتب متباعدة. أما على المدى الطويل، فإن الشركات تدرس جميع الحلول، من إقامة مكاتب خاصة تعزلها الجدران إلى الانتقال إلى مساحات المكاتب في الضواحي.

 

ذكر الموقع أنه في ثمانينيات القرن العشرين، ومع ارتفاع الجريمة إلى مستويات قياسية، حدثت هجرة جماعية للطبقة المهنية من المدينة إلى الضواحي. وفي الفترة بين 1989 و1997، اتسع نطاق جرد سوق الضواحي بمعدل 1.7 مرة أسرع من الجرد في المناطق التجارية المركزية في المدن.

 

وبحلول سنة 1997، كانت الوظائف الشاغرة في الضواحي أقل بنسبة 1.8 بالمئة من الوظائف الشاغرة في منطقة الأعمال المركزية. وبمرور الوقت، زادت ميزانيات المدينة وانخفضت معدلات الجريمة وبدأ العمال المحترفون في العودة المدن. في الوقت نفسه، خفضت تكنولوجيا الإنترنت وزيادة كثافة المكاتب الطلب على المساحات المكتبية، وأصبحت المدينة المكان المثالي للمساحات المكتبية مرة أخرى. يمكن أن يتكرر هذا المشهد مع استبدال الوباء للجريمة وقيود الميزانية.

 

لماذا تختلف الأمور هذه المرة؟

 

أورد الموقع، بحسب الدكتور فيكتور كالانوج رئيس اقتصاديات العقارات التجارية لشركة “مودي”، أن الناس اعتقدوا أن نهاية المكتب أصبحت وشيكة منذ وصول جهاز الفاكس والإنترنت. غير أن هذه المرة مختلفة؛ بسبب النطاق الدولي للتغيير ومدة الصدمة، التي لا يزال ليس لها تاريخ انتهاء واضح. في المقابل، يقول ليفين إنه بدلا من التركيز على التغييرات التكتيكية أو النموذج المثالي للمكتب المستقبلي، يجب التشاور مع رؤساء الشركات والأعمال حول أهدافهم ومبادئهم والتهديدات لنموذج أعمالهم الحالي.

التعليقات مغلقة.