انتحار جماعي

نور الشمری

ارسلت 111 امراة كردية رسالة تهديد الى الحكومة الايرانية بقتل انفسهن وارتكاب انتحار جماعي بسبب عدم وجود رجال طيبين صالحين للزواج. وكان الرد الحكومي انها ارسلت مندوبا عنها ليحقق في موضوع الرسالة. حاول هذا المحقق الوصول اليهن قبل رمي انفسهن من الجبل ولكن بقيت نهاية الفيلم غير معروفة. فقد قرر المخرج ان يتركها لخيالنا الجامح كل حسب ميوله النفسية.

فمن كان متفائلا وضع لنفسه نهاية سعيدة وان المحقق وصل في الوقت المناسب ومنعهن من قتل انفسهن ومن كان متشائما تخيل في ذهنه مشهد الانتحار الجماعي وعاد الى بيته كئيبا حزينا.

هذه قصة فلم ايراني كردي عرضته سينما دولية في مهرجان واشنطن للافلام العالمية وحصل على استحسان المشاهدين فقد كانت صالة السينما ممتلئة تماما وكل التذاكر كانت قد بيعت بالكامل.

تدور احداث هذا الفلم على الحدود الايرانية التركية حيث يجوب هذا المحقق القرى والجبال بحثا عن البنات اللواتي ارسلن رسالة التهديد وبينما هو يسال نسوة القرى ليعرف اين البنات يمر بمجموعة شباب في طريقهم للعمل يتكلم معهم عن الزواج ولماذا هم عازفون عنه وتتخلل الفلم مشاهد كوميدية ساخرة. من هذه المشاهد ان الجانب التركي يسمع بالخبر ويهب للمساعدة فياتي رجل مع 111 شاباً تركياً يلبسون ملابس العرسان ويحملون بايديهم وروداً ويطلبون من الجانب الايراني عبور الحدود لانهاء المشكلة فيرفض المحقق بعد مهاترة كوميدية بين الجانبين.

تخيلوا اعزائي الشباب لو انكم استيقظتم يوما على خبر كهذا. تهديد جماعي من قبل فتيات البلد الجميلات.. اما الزواج او الانتحار.. ماذا ستفعلون؟ لم اتمالك نفسي من الضحك وانا اطرح ذلك التساؤل ولا اعرف لماذا افكر في ان احد الاجوبة قد يكون (خلي ينتحرن ونخلص).

المهم اعجبني الفلم من حيث الصناعة والتمثيل مع ان فكرة الفلم جديدة جدا وغير معقولة وغير واقعية ولكنها قدمت بطريقة الكوميديا السوداء. لم تتدخل السياسة كثيرا في الفلم الا في نهايته عندما تقرر الحكومة اجراء عرس جماعي وهمي اعلامي للتغطية والتستر على الموضوع بسبب الانتخابات التي كانت على الابواب ولا تريد الحكومة (دوخة راس).

كنت اتمنى ان اجد فلما عراقيا واحدا في هذا المهرجان ولكني للاسف لم اجد اية مشاركة ولو بسيطة في فعالياته. اعرف ان الانتاج العراقي من الافلام محدود ويعتمد على التمويل الرسمي لذلك سكت وابتلعت لساني فهناك مشاريع اهم من تمويل فلم كالكهرباء والبنى التحتية من طرق وجسور واتصالات وغيرها.هل نرى في يوم من الايام سينما عراقية يديرها القطاع الخاص وهل نرى مخرجين وفنانين محترفين على المستوى العالمي؟ تعتمد الاجابة عن الكثير من العوامل اهمها الرغبة في عمل شيء مميز واظن ان هذه الرغبة غير موجودة لان النفس منكسرة والروح مجروحة واي انتاج فني يخرج من العراق سيكون دراميا سوداويا.

ساترك السينما الان واتحول الى موضوع اخر اكثر اهمية وهو نقل صورة عن الثقافة العراقية الى بقاع العالم. عادة ما يتحقق هذا الهدف من خلال التبادل الثقافي والفني بين البلدان او من خلال فتح مراكز ثقافية عراقية في البلاد الاجنبية.

ولكن من الذي يجب ان يدير هذه المراكز وما الفعاليات التي من الضروري القيام بها ومن المشاهد او الزائر الذي يجب ان تستهدفه او تستميله هذه المراكز؟ لن يفلح اي شخص في ادارة اي مركز ثقافي اذا لم يكن عارفا بلغة البلد المضيف ومنسقا جيدا للعلاقات يجمع الوجوه الفنية والثقافية بنشاطات يتم تصميمها لاهل البلد ومترجمة الى لغتهم ان لزم الامر.

يبذل الجهود للاتصال بالجامعات والمراكز الثقافية الاخرى لينسق معهم النشاطات الثقافية المتنوعة من معارض فنية الى حفلات موسيقية الى مهرجانات محلية ودولية مستهدفا المتلقي الامريكي مثلا او الاوربي.

للوهلة الاولى قد يظن البعض ان جهداً كهذا يتطلب تمويلا ضخما لحجز القاعات والمسارح اللازمة للعروض كل حسب تخصصه او يتطلب شراء بناية بملايين الدولارات لتكون مقرا لهذا المركز ولكن في الحقيقة لا يحتاج الموضوع الى اكثر من جهد في التنسيق والترويج لان اكثر هذه النشاطات تعتمد على ما يتم بيعه من تذاكر.

فهي ذاتية التمويل بعيدة عن الموافقات الرسمية والمفروض ان تكون بعيدة عن الميول السياسية ايضا. فمهما اتفق النشاط او اختلف مع سياسة البلد يجب ان يبقى الفنان او المثقف حرا في التعبير عن رايه. هناك فضول وتعطش عند المتلقي الاجنبي للاطلاع على هذا الجزء من العالم الذي اسمه الشرق الاوسط خاصة العراق لان المصدر الوحيد لمعلوماته لا يتعدى قناتي (سي ان ان او فوكس) وهما قناتان اخباريتان هدفهما السبق الصحفي لا غير.

ومع عدم توفر فرص جيدة للسياحة بسبب الوضع الامني في العراق يمتنع ملايين الاجانب الراغبين في زيارة بابل واور عن حجز تذكرة السفر والمجيء على الرغم من لهفتهم للقيام بذلك فيذهبون الى المتاحف في برلين ولندن ونيويورك لرؤية اثار العراق متمنين اليوم الذي يستطيعون فيه حجز تذكرة السفر تلك. ويغتنمون اية فرصة تتاح لهم للاستمتاع بالفن والادب والموسيقى العراقية.

طالما لا يستطيع السائح او المثقف الاجنبي الوصول الينا فعلى الاقل يمكننا من خلال النشاطات الفنية والثقافية الوصول اليهم ببعض المقتطفات او العينات اللازمة لتشكيل انطباع ايجابي عن ثقافتنا المتنوعة لو اننا فقط وضعنا الشخص المناسب في المكان المناسب.

نور الشمری

قد يعجبك ايضا

اترك رد