الرئيسية / مقالات مختارة / امواج الحياة

امواج الحياة

المستقلة – القاهرة – بقلم المفكر المصري الكبير دكتور محمد سعيد

التقى يوماً رجل مهموم بحكيم فسأله: أيها الحكيم لقد جئتك وأنا أحمل جبالاً من المشكلات والهموم، فابحث لي عن طريق الخلاص منها. فقال الحكيم: سأسألك سؤالين، وأريد منك جواباً واضحاًلهما، قال الرجل: اسأل. فقال الحكيم: أجئت هذه الدنيا ومعك تلك المشكلات؟ قال الرجل: لا. قال الحكيم: هل ستترك الدنيا وتأخذ معك هذه المشكلات؟ قال الرجل: لا. قال الحكيم: أمْرٌ لم تأت به، ولن يذهب معك..الأجدر ألا يأخذ منك كل هذا الهم، فكن صبوراً على أمر الدنيا، وليكن نظرك إلى السماء أطول من نظرك إلى الأرض يكن لك ما أردت. يا أخي ابتسم.. فرزقك مقسوم، وقدرك محسوم، وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم، لأنها بين يدي الحي القيوم.

إن حياتنا تموج بالكثير من التقلبات والتغيرات العنيفة والتي يفضي بعضها إلى استشعار الهم والغم، وقد يجد الإنسان مسارات حياته مُغَلّقة لا يرى فيها مسالك نور، أو قد يرى نفسه أمام بدائل متنوعة يبحث فيها عن مخرج لأزماته التي تطرق سكون حياته، فيقلب النظر فيها؛ فيجد أن كل البدائل مُرَّة ولا تنبئ بخير،وإذا به يدور حول نفسه ولا يرى منفذاً أو مَخْلَصاً، وهذا النمط من التفكير القاتم يقود إلى التمادي الذي يُسلم في النهاية إلى اكتئاب وحزن لا ينتهي!

أما من فطن لحقيقة هذه الدنيا؛ فإنه يبصر أزماته بعيون واثقة فيختار أقرب البدائل إلى السكينة والرشد، ثم يُقدم على أمره وهو لا يبالي ما يحدث بعد ذلك. وقد يدهش البعض عندما يرى خواطر السوء ووساوس الضعف تتبخر في فضاء الحياة لتصبح ذكرى تلوح وتختفي على مر الأيام. وإذا بالإنسان يكتشف أنه يُبتلى بالأوهام أكثر مما يُبتلى بالحقائق، وإذا به ينهزم في نفسه قبل أن تغلبه وقائع الحياة. وإذا عرف الإنسان الحقائق المتصلة به وسبر غورها وفهم كنهها دون دهشة أو روع؛ تبْقى لديه مرحلة مهمة وهي أن يسلك في حياته بحزم وعزم صادق ينفض عنه مشاعر الحيرة ونوازع الارتباك.

إن التفكير المستمر في مشكلة ما إلى أبعد مما تستلزمه بحق؛ يخلق القلق الذي يولد الاضطراب، وما تلبث أن تصبح مداومة التفكير ضرراً بالغاً، وجهداً لا طائل منه. كما إن الباحث في أمور الدنيا بهمومها والمتبصر لتقلباتها لا يُبقي وقتاً لحمل الهموموالسير بها لترافقه حيثما حل وأينما سار؛ وإنما يخطو متسارعاً وفق ما تكشفه الرؤية ويستبينه الصواب. فلندرس أمور الحياة بذكاء، ولنرسم مناهج المستقبل على بصيرة، ثم لنرم بصدورنا للأمام، لا تثنينا عقبة، ولا يلوينا توجس.

اترك تعليقاً