الوعد الحق

المستقلة – القاهرةً – بقلم دكتور محمد سعيد

كعادة الجامعات تم تكليفه بعمل بحثي يمثل مشروع تخرجه، فاقترح ما كان يحلم به دائماً؛ إنها فكرة نقل الطرود حول العالم في وقت قصير لا يزيد عن يومين. وما أن سمع أساتذته بهذه الفكرة حتى سخروا منه وحكموا على مشروعه بالفشل وعلى فكرته بالسذاجة، وتوقعوا عدم حاجة الناس إلى هذه الخدمة، وما كان منهم إلا أن منحوه تقدير مقبول، ونوهوا بإمكانية تعديل التقدير إذا عَدَل عن فكرته، ولكن الطالب أصر ولم يزل قابضاً علىى حلمه، ولم يعدل عنهفلطالما آمن به، وبدأ فور تخرجه بتجسيد الحلم، ورغم خسارته وسخرية الآخرين منه إلا أنه استمر وثابر حتى تحقق حلمه وصار واقعاً؛ فقد أصبحت شركته من أكبر شركات العالم في مجال نقل الطرود، إنه “فريد سميث” مؤسس شركة فيدرال إكسبرس. وكعادة التاريخ؛ يغفل عن ذكر المحبطين من الناس، ويحفر اسم صاحب الحلم بحروف من نور لا تزول.  

إن أمثال هؤلاء الموهوبين كُثُر في كل زمان، وهم يحتاجون إلى أمداد متتابعة من المساندة لتعزز ثقتهم بأنفسهم، وتشجعهم على المضي في طريقهم دون يأس أو إعياء. وذلك لكثرة ما يصيبهم من تعويق المثبطين وإيذاء الناقمين والشامتين، إنهم في حاجة لنزع اليأس عن نفوسهم وتحويل النقد إلى طاقة إيجابية دافعة للتقدم والنبوغ.

إن النجاة من ظلمات الإحباط ليس بالأمر السهل، ولابد لها من أضواء يبثها اليقين في قدرات النفس لتمحو آية الليل بآية النهار.والواثق في نفسه إذا تكلم كان واثقاً في قوله، وإذا عمل كان راسخاً في عمله، وإذا اتجه كان واضحاً في هدفه، وما دام مطمئناً إلى الحلم الذي يملأ عقله وإلى اليقين الذي يعمر قلبه؛ فلن يعرف اليأس سبيلاً إلى نفسه، وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه، إنه السلوك المقرون بالتحدي، وهذه الروح المستقلة في العمل، وتلك الثقة في أن الحلم يقبل التحقيق إذا ما توفرت له العزيمة الراسخة.

ومن المؤسف أن يختفي وراء النقد كراهية التميز؛ فبعض الناس تغيظهم المزايا التي ننفرد بها ولا تغيظهم النقائص التي تعيبنا،تراهم يضيقون بما يرون من أفكار مبدعة، ومواهب تبزغ رائعة، فيطوُن جوانحهم على غضب مكتوم، وفي نغص من العيش يبيتون ويصبحون، ولا يريحهم إلا زوال النعمة وانطفاء الجذوة وتحقق الإخفاق؛ فلا ينبغي لنا أن نتمّ لهم ما يريدون، فنضيق كما يتوقون، ونحزن كما يتمنون، ونيأس كما يشتهون، ولنعلم أنه الوعد الحق؛ أن التاريخ يخطه المبدعون، والمجد يشيده الموهوبون، والفوز يحققه المثابرون.. والمخلصون لحلمهم يُقضى لهم بالحق، ويخسر عندها المبطلون.

اترك تعليقاً