الهندي جوزيف مانو والسعادة غير المشروعة للآخرين

سلسلة مقالات هندية

د. عثمان بوطسان

كاتب وباحث مغربي

 

ولد جوزيف مانو في جنوب الهند عام 1974، ويَعْتبر نفسه طفلاً من مدراس، المدينة التي نشأ فيها. عمل الصحفي الشهير لصحيفة التايمز أوف انديا، ومحررا لأسبوعية نيودلهي المفتوحة باللغة الإنجليزية. فازت روايته الأولى ’’Serious Men’’ بجائزة أفضل عمل خيالي، والتي تمنحها صحيفة The Hindu اليومية سنة 2010. رُشحت نفس الرواية أيضا ضمن القائمة القصيرة لجائزة المان للأدب الآسيوي في العام نفسه. كما أن روايته ’’The Illicit Happiness of Other People ’’ وصلت للقائمة القصيرة لجائزة المان للأدب الآسيوي سنة 2013.

جوزيف مانو، من الكتاب الهنود المعاصرين الذين ينتقدون بشدة النظام الطبقي في الهند، من خلال روايات تتقاطع فيها أمنيات الشخصيات وتتحول الأكاذيب المفترضة الى حقيقة فعلية. تتحول الكتابة لدى مانو إلى نوع من اللعب، كل الشخصيات تلعب نفس اللعبة الخطيرة، لكن من سيفوز في اللعبة؟ هل الغني الذي يملك كل شيء أم الفقير الذي يحلم بقطعة خبز ويتمسك بحلمه في أن يصبح شخصا مهما في المستقبل؟ هل المراهق الذي ينتحر لأسباب مجهولة أم والده السكير الذي يحاول الكشف عن الحقيقة؟ من المؤكد أن القارئ الذي يقرأ روايات مانو، سيحمله النثر البسيط والفعال، بروح الدعابة اللاذعة الى مجموعة من الحقائق الغير متوقعة والغير منتظرة. تتخذ رواية ” Le bonheur illicite des autres ” طابع الرواية البوليسية، لأن القصة تدور حول تحقيق يقوم به والد مراهق منتحر لمعرفة الأسباب التي دفعت ابنه الى الاقدام على الانتحار.

تدور الرواية إذن، حول والد أوني شاكو (Uni Chacko)، الذي لم يستسلم وظل يحاول معرفة سبب انتحار ابنه بالرغم من مرور ثلاث سنوات على انتحاره. فقد عاد أوني شاكو ذات يوم الى المنزل، ثم قفز من السطح وقَتلَ نفسه، تاركا مجموعة من علامات الاستفهام التي يحاول والده فك شفرتها. كان أوني شاكو في السابعة عشرة من عمره، وهو رسام رسوم متحركة موهوب، وصديق لابنة جيرانهم، وقائد لمجموعة صغيرة من أطفال المدرسة الثانوية. من خلال الصور والحياة اليومية لوالده، الصحفي الفاشل، ووالدته التي تعاني من صحة نفسية هشة، وشقيقه الصغير ثوما وجيرانه وأصدقائه، يرسم لنا جوزيف مانو بانوراما الحياة اليومية في مدراس في الثمانينيات. بين السخرية والهزل، لا يترك المؤلف شيئا يتحرك إلا وقام بوصفه، لا شيء يفلت من مسامير نظراته!

تتخذ الرواية طابعا فلسفيا، بحيث يدفع المؤلف القارئ للتعرف عن معاني الحياة، من خلال نسخة هندية لا تخلو من الحسي الهزلي والفكاهي. يتطرق مانو بحرفية وذكاء لموضوع الجنون الفردي والهذيان الجماعي. هي قبل كل شيء رواية أصلية، لا تكشف عن خباياها في القراءة الأولى، وقد تبدو مطولة قليلاً ولكنها تستحق الاكتشاف. خاصة إذا كان للقارئ شغف للاطلاع على الأدب الهندي!

قبل أن يقفز من سطح بنايتهم في مدينة مدراس، قال أوني: “لن تهربوا من السعادة”.  لماذا إذن هذا الانتحار؟ هذا هو البحث (التحقيق) الذي سيقوم به والده، الكاتب الفاشل، السكير والصحفي الاستقصائي. سيحاول أوسيب (والد أوني) الكشف عن الحقيقة من خلال أكوام من المقالات القصيرة، والألواح، والرسوم الهزلية التي رسمها ابنه، ومن خلال شهادات زملائه السابقين المحاصرين بين الأفكار العميقة والخوف من تلقي ضربات الأحزمة الأبوية. سيحاول أوسيب تخفيف شكوكه وشكوك زوجته (مرياما)، هي نفسها صاحبة سر قديم. في هذه الرواية المضحكة والمؤثرة، المنغمسة في عالم التشفير الطوعي لمصممي الكتب المصورة، يقدم لنا جوزيف مانو صورة لمجموعة من المراهقين الذين تعذبهم الأسئلة الفلسفية الرئيسية (هل الحياة حادث؟) . تتداخل هذه الأحداث في سياق هندي مثير، حيث تصطدم المماطلة بالعاطفة البعيدة والمهام الروحية بتحديات الشباب.

يقود أوسيب التحقيق من خلال استجواب العديد من الأطراف المتداخلة والتي لها علاقة بانتحار أوني، يصل الاستجواب أحيانا الى المضايقة، يواجه أوسيب كل أولئك الذين يعرفون ابنه، غير مبالي بتفكك وحدة أسرته، أو جنون زوجته الذي يتضاعف بشكل متزايد، مواصلا إزعاج ابنه الصغير ثوما الذي لم يعد قادرًا على رؤية عائلته المنبوذة وأبيه يتحولون إلى أضحوكة وسبب للسخرية من طرف الجيران. السعادة غير المشروعة للآخرين -إذا أمكن ترجمة العنوان الأصلي – هو تحقيق فلسفي ونفسي غريب بقدر ما هو ساحر، وأحيانًا يُمزج بروح تشبه الحلم الذي يرسمه هاروكي موراكامي في رواياته. حتى لو كانت خلفية الرواية مظلمة، إلا أنها تمنح للقارئ أحيانًا لحظات من الفكاهة الصريحة. رواية لا يمكن تصنيفها، كما أنه من المستحيل تلخيصها في موضوع محدد. هي واحدة من تلك الكتب التي يقول لك بائع الكتب: “إنها رائعة، ولكن لمن سأكون قادرًا على بيعها؟”. يجتمع التحقيق البوليسي والدراما النفسية وتاريخ العائلة في نسق واحد، حيث تتداخل هذه العناصر فيما بينها مُشَكلة حبكة سردية معقدة ومسلية في نفس الوقت، لأنها كلما زادت تعقيدا زاد عنصر المفاجأة والتشويق.

على الرغم من البداية الصعبة إلى حد ما، لأن القارئ لا يعرف جيدًا إلى أين يتجه، فإن “السعادة غير المشروعة للآخرين” هي في الواقع لؤلؤة صغيرة، تم تكريسها بالفعل في العديد من البلدان. قوتها العظيمة هي بالتأكيد إثارة موضوع صعب بنبرة تراجيدية إلى حد ما، ولكن أيضًا وقبل كل شيء إجراء تحليل نفسي للشخصيات الملونة وصورة واضحة ودقيقة للغاية للشعب الهندي، بالإضافة إلى الطبيعة البشرية. غالبًا ما يجد القارئ نفسه في مكان الشاب توماس، بعيدًا عن جنون الآخرين، ويسعى فقط ليكون قادرًا على افتراض ما هو: طفل طبيعي يريد حياة طبيعية. هذه الرواية، عبارة عن ملخص رائع للعواطف والضحك، تدور حول مجموعة رائعة من الشخصيات المختلفة والفريدة من نوعها. يصور لنا جوزيف مانو بيئته دون أي خجل: سواء كان ذلك الشعب الهندي، الأسرة، ولكن أيضًا العالم الأدبي في بلد حيث الحلم الأسمى هو أن يصبح المرء عالمًا أو عالمًا رياضيًا أو مهندسًا في الولايات المتحدة. تجعلك هذه الرواية تسافر وتضحك في آن واحد، من خلال العواطف المتقلبة التي تستهدف كل حواسنا.

سيشعر القارئ في هذه الرواية ببعد شخصي. يمزج جوزيف مانو بأسلوب مرن للغاية بين الفكاهة والحنين وسوء الفهم في قصة مؤثرة عن الحداد والبقاء. يجعلنا نكتشف الهند في وضع صعب، نكتشف الشباب الذين انجرفوا في بعض الأحيان، ثاروا، دفعوا إلى النجاح ليتمكنوا من الفرار من هذه المنطقة (جنوب الهند) التي تعد واحدة من المناطق ذات أعلى معدل انتحار في العالم. ’’ السعادة غير المشروعة للآخرين’’ هي رواية أصلية، مظلمة إلى حد ما، ولكنها مفيدة وغير ثقيلة أبدًا، والتي تم الكشف عنها على الصفحات لتصبح نوعًا من “الإثارة” الفلسفية والنفسية تتساءل عن البحث عن الحقيقة، وثقل الماضي والذكريات التي نتركها لبعضنا البعض، حول معنى الحياة….

التعليقات مغلقة.