الرئيسية / مقالات مختارة / النقد الفني(دراسة في بقر المصطلح 1)

النقد الفني(دراسة في بقر المصطلح 1)

محمود نائل

حين نتحدث عن مصطلح النقد الفني، بالتأكيد نحن ﻻ نتحدث عنه لغة، واذا عدنا تاريخيا وتتبعنا أصله نجده عند العرب جاءت تسمية”الناقد” على الرجل الذي يمتهن صرافة النقود، حيث كان عمله التمييز بين العملة المزيفة من الحقيقية، وجاء المصطلح مسمى على النقد والنقود اي المال.
أشتق المصطلح من الكلمة اليونانية( Krino) معناها”يصدر حكما” ومن وظهرت في اللغة الانكليزية كلمة النقد(Critcism) بداية القرن السابع عشر الميلادي.
النقد الفني الذي نحن بصدد البقر والخوض في معناها الذي يخص الفنون بأنواعها وحتى الادب، فهو تارة يكون مفسرا للعمل الفني واخرى محللا واخرى مقوما، وربما يوؤل العمل الفني ويحيله الى فكرة تاريخيه او موضوع معين وفق القراءة التي يتبناها الناقد، ووظيفته جعل الفن متاحا للجميع من جهة، والاخذ بيد الفنانين لغرض تطوير قابلياتهم ومنجزاتهم الفنية، وقد اعترض الاديب الروسي الكبير(ليو تولستوي ) في كتابه”ماهو الفن” على النقاد بقوله(ظهرت فئة جديدة من الشباب يدعون انهم نقاد للفن، وهوﻻء كالاغبياء الذين يقيمون الاذكياء).
رغم قساوة هذا النص الذي اعتبره ثلمة في تاريخ تولستوي الفكري والادبي، الا اننا نود ايضاح ان هذا القول ابن زمانه، وهناك خمسة مناهج يتبناها النقد الفني(الانطباعي، العقلاني، الاجتماعي، النفسي، التاريخي) ويضاف الى تلك المناهج، المناهج مابعد الحداثية(الشكلانية، التفكيكية، والبنيوية) وتعد هذه المناهج الاكثر اتفاقا وصحة حسب كلام المختصون في النقد.
ربما ﻻ نستطيع ان تتقدم اي امة في هذه الارض وفي اي مجال مجالات الحياة؛ دون النقد، لذلك الفنون لم تتطور الا حين وجد نقاد كبار الناقد والمفكر(جيروم ستولنتيتز) في كتابه(النقد الفني دراسة جمالية) يذكر موقف طريف حين كان احد الدور المجاورة لبيت الرسام العالمي(فنسنت فان كوخ) يستخدم احدى لوحات كوخ لجعله باب لعش الدجاج الخاص به.
لو لم يكن هناك نقاد كبار؛ لما تحول الفن الى قيمة عليا ورقي، وظيفة النقد هي ايجاد الابداع في كل الظروف الممكنة وغير الممكنة، هناك حيث يكون النقد متقدم يكون الابداع موجود، اننا نفتقد وبشدة في العراق الى نقاد كبار يستطيعون ان يقدموا الفن الجميل والاصيل الى المحتمع، لذلك نجد العزلة واضحة بين الفن والمواطن، وهناك طلاق بائن بينهما، الفن يحتاج الى تسويق مجتمعي يجعله مقبوﻻ ومرغوبا، وعلى الرغم من وجود فنانين كبار في العراق، ويعتبر مناخ جاذب الى النقاد، لكننا نجد العكس تماما.
النقد الحديث هو تحليلا للعمل الفني وليس نقدا تقويميا، اي انه ﻻ يقوم بايجاد المزايا والعيوب واظهارها واستعراض الناقد ﻻداواته ومهاراته النقدية، بل تحليل العمل وفق منهجية محكمة قد تحتمل الخطا مثلما تحتمل الصواب،وغالبا ما يكون هدف الناقد المعاصر هو التحليل واعادة تركيب المركب ﻻ شرحه أو وضعه، وتقديم صورة مغايرة ومعبرة وفق المنجز المنقود من قبله، وهذا ما تعترض عليه الفيلسوفة الامريكية المعاصرة(سوزان ﻻنجر) بقوله: ان النقد الفني ليس علما، ﻻنه ﻻيتعلق بوصف الحقائق؛ إنما يعتمد أساسا على الذوق.
ربما ارادت (ﻻنجر) بهذا الرأي تحجيم دور النقد، لان النقد شنوا أراء نقدية قاسية على نظريتها في الفن التي طرحتها؛ ربما نكتب عنها في مقال قادم، ﻻنه تحتاج الى ايضاح وتكثيف واستنتاجات، قد يضيع معنى المقال الذي نكتبه اذا مررنا عليها بالتفصيل.
هناك رأي مهم للشاعر الانكليزي(ت.س.اليوت) حيث قال على الكتاب الذي الفته عنه الناقدة(هيلين جاردنر) عن شعره حين قرأه :لقد كنت آخر من يعلم ما تعنيه أشعاري.
هذا الاعتراف بقيمة النقد لشاعر كبير بحجم (اليوت) يعد شهادة على ان النقد احيانا يكون اهم من النص او العمل الفني المنقود، وكثيرا ما قدمت نصوص نقدية كبيرة كانت اهم من العمل الفني، النقد اليوم ﻻ يكتفي ان يكون الناقد صاحب مهارة وفكر؛ بل حساسية الفنان وقدرته على استنطاق الساكت في المنجز الفني، ونرى ان حاجة الانسان المعاصر الى النقد أكثر من أي زمن مضى، ﻻن الفن أختار ان يكون هذه المرة يوميا ومجانيا ومبتذﻻ اكثر مما يجب، ويجب ظهور نقاد بحجم الفنون المنتجة لغرض تصفيتها من الغث والسمين، والتركيز على الاصيل والمبدع منها.

اترك تعليقاً