الرئيسية / مقالات مختارة / النضوج السياسي في العراق

النضوج السياسي في العراق

نبراس الكاظمي …

النضوج السياسي في العراق يمضي بخطى بطيئة جدا. ففي هذه المرحلة من تجربة التغيير الديموقراطي، يفترض بنا طرح مسائل مصيرية عن شكل الدولة المركزي او الفيدرالي، وطبيعة المنهج الاقتصادي الذي سنتبعه، وخارطة التحالفات الاستراتيجي الاقليمية والدولية التي ستعود بالفائدة الاكبر على العراق. ولكن السجال الانتخابي لا يزال بعيدا عن هذه الافكار، بل التحالفات السياسية لا تزال عالقة في اطر الهويات المكتسبة، وابجديات اسلوب الحكم.

اقول هذا بحسرة، ولكنني الحظ تطورا ما، وان كان متواضعا.

واجد بأن النضج لدى الناخب الشيعي، افضل نسبيا مما يوجد لدى الناخب السني او الناخب الكردي. وانا ادرك بأن لغة التعميم هنا فيها محاذير منطقية، ولكنها ضرورية لفهم الآتي.

استثمر الناخب الشيعي، كما فعل اقرانه، انتخابات الـ 2006 لإثبات الذات العددي، وكانت تلك التجربة بمثابة احصاء سكاني.

ولكن في انتخابات الـ 2010، تنوع التصويت الشيعي ما بين ائتلاف دولة القانون وما كان يمثله آنذاك، وفي الدرجة الثانية معسكر الحكيم-الصدر والمتحالفين معهم، والى درجة اقل، الدكتور اياد علاوي والسابقة التي وضعها في استيعاب قوى سنية مهمة في ائتلافه.

وهنا، حصل تمايز في الصوت الشيعي، فخرج المالكي منتصرا على الخيارات الاخرى بأصوات الطبقة الوسطى الشيعية في المدن، التي رجحت له الكفة من بعد الجبهة التي قادها (بمعية الامريكان) ضد المليشيات في البصرة وبغداد. فجاءت اصواتهم نصرةً لفكرة الدولة المركزية القوية وسيادة القانون، ووجدوا في المالكي “رجلا قويا” يستطيع ان يتصدى للأطراف المهددة لمصالح هذه الطبقة الوسطى، المتصلة اصلا بوظائف الدولة بالدرجة الاساس.

ولكن، في الانتخابات الآتية، انتخابات الـ 2014، تتضح خيارات جديدة امام هذه الطبقة. فما عاد المالكي “رجل الاعتدال والعدل” وحامي حمى الوسطية كما سوّق لنفسه في الانتخابات السابقة. بل يظهر المالكي اليوم على انه راعي لحالة من التطرف والشوفينية التي اخذته الى يمين الصدر. وتتضح المسألة اكثر من خلال استعراض حلفاءه الانتخابيين: فعندما خرجت الكتلة الاكثر تطرفا من التيار الصدري، وهنا اقصد عصائب اهل الحق، وجدت نفسها في حلف “طبيعي” مع المالكي. وعندما خرج فيلق بدر من عباءة آل الحكيم، التحقوا بحلف المالكي ايضا. وحتى حزب الفضيلة، عندما وجد نفسه منسيا، اتجه الى اقصى اليمين من خلال ادخاله تشريعات خلافية مثل قانون الاحوال الجعفرية، وانضم هو ايضا الى تحالف المالكي-العصائب-بدر.

وفي هذا الحين، حصلت تغيرات جوهرية في خطاب ومنهجية التيار الصدري، وكتلة المواطن. ففي السنتين الماضيتين، توجه هذين الشابين، السيد مقتدى والسيد عمار، الى وسط الطيف السياسي، واطلقوا خطابا عقلانيا معتدلا من على منابرهم، واصطبغوا به، ومدا اياديهما الى السنة والكرد، والى دول المجاورة، واتصل اسمهما بالسلم الاهلي، والسلم الاقليمي، وتّعد هذه طفرة سياسية كبيرة، خصوصا فيما يتعلق بالصدر.

واعتقد الكثيرون بأن وسطية الحكيم والصدر ستفقدهما اصواتهما المتبقية، مقابل الاجواء المأزومة والمشحونة التي روج إليها المالكي مع السنة والكرد، ولكن النتائج اتت لتقول عكس ذلك في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت قبل عام في نيسان 2013، حيث جاء الكم العددي لأصوات الحكيم والصدر متساوياً مع اصوات المالكي، بالرغم من تتابع ازمات العيساوي وطوز خورماتو وساحات الاعتصام التي سبقتها.

لذا، اعتقد بأن هذه الانتخابات القادمة ستكون بمثابة استفتاء الناخب الشيعي حول ما يفضله من اسلوب لإدارة الخلاف السياسي والعقائدي والاقتصادي. فهل هم قانعين بأسلوب المالكي المتشنج، والنتائج المترتبة عليه، ام ان نموذج الحكيم والصدر، والشخصيات والقوى المتحالفة معهم مثل الجلبي وعلاوي وآخرين، وقابليتهم على التحاور مع الخصم السني والخصم الكردي بهدوء هادف، هو الاقرب الى خياراتهم؟

بالتأكيد، هناك جمهور كبير للشوفينيات وخطابها التعبوي الشعبوي، الشيعية منها والسنية والكردية. ولكن، هل الكفة والغلبة العددية فعلا في صالح التطرف؟
شخصيا، لا اعتقد ذلك، ولكن اعتقادي لا قيمة له، لأن نتائج الانتخابات، والتي اتصور انها ستكون نزيهة بنسبة معقولة، كفيلة بإيضاح ما سيكون عليه خيار الطبقة الوسطى الشيعية. وبالتأكيد، فإن تحالف المالكي مع العصائب وبدر والفضيلة ليس مشجعا بالنسبة لهذه الطبقة، المدنية في جوهرها، والتي هي وحدها سترجح كفة هذا الطرف او ذاك.

اترك تعليقاً