الموقف القانوني من الجرائم المضرة بالصحة العامة في القانون العراقي

القاضي ناصر عمران

الانسان كائن اجتماعي بطبعه وهو لبنة البناء المجتمعي والذي يتكوّن من مجموعة من النّظم والقوانين التي تُحدّد المعايير السلوكية للفرد داخل المجتمع ومنذ القدم وعندما ارتبط الانسان الفرد بالآخر برابطة العقد الاجتماعي وفقد جزءاً من حريته بمقابل التمتع بالكثير من الحقوق  التي تضمنها القوانين والنظم الاجتماعية ومن ضمن الحقوق المهمة هو حق الحياة : وهو حق يستدعي تحقيق حمايته اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وبيئياً.

ومن ضمن التحديات التي يوجهها الانسان بيئياً هي الاوبئة والامراض باعتباره منظومة طبيعية تتفاعل مع المناخ والبيئة المحيطة وتتأثر بها ويسمى هذا الحق  بالحق بالصحة العامة وهو التزام قانوني  منبثق من الارتباط العقدي بين الفرد والسلطة التي خضع لنظامها وقوانينها بمقابل التمتع بتلك الحقوق والامتيازات وتعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة العامة (Public Health) : على أنها علم وفن الوقاية من الأمراض، وإطالة العمر، وتعزيز الصحة من خلال الجهود المجتمعية للمجتمع، وتهدف الأنشطة التي تسعى لتعزيز قدرات وخدمات الصحة العامة إلى توفير الظروف التي تمكّن الأشخاص من الحفاظ على صحتهم، أو منع تدهورها، وترتكز الصحة العامة على طريقة التخلص من أمراض معينة، إلى جانب الاهتمام بكافة جوانب الصحة والرفاهية، كما وتشمل خدمات الصحة العامة توفير الخدمات الشخصية للأفراد، مثل اللقاحات، أو المشورة السلوكية، أو المشورة الصحية.

اما القانون العراقي فقد عرف الصحة في باب الاهداف العامة في الفصل الاول من قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 المعدل وفي  المادة (1) منه والتي تنص (اللياقة الصحية الكاملة، بدنياً، وعقلياً، واجتماعياً، حق يكفله المجتمع لكل مواطن وعلى الدولة أن توفر مستلزمات التمتع به لتمكنه من المشاركة في بناء المجتمع وتطويره ) كما ان الدستور العراقي ضمن ذلك واعتبر الدولة مسؤولة عن الحفاظ على الصحة العامة للمواطن فنص في المواد (30 ، 31 ) منه فالمادة (30) نصت على : أولاً:- تكفل الدولة للفرد وللأسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياةٍ حرةٍ كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم. ثانياً:- تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون. اما المادة (31) فنصت على : أولاً:- لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتعنى الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية. ثانياً:- للأفراد والهيئات إنشاء مستشفياتٍ أو مستوصفاتٍ أو دور علاجٍ خاصة، وبإشرافٍ من الدولة، وينظم ذلك بقانون.) اما المشرع الجنائي فقد تضمن فصلا ً في الباب السابع من القانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل وتحت عنوان (الجرائم المضرة بالصحة العامة ) والذي تضمن الحماية الجنائية للصحة العامة  حيث نص في المادة( 368 ) على ما يلي : يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات كل من ارتكب عمدا فعلا من شأنه نشر مرض خطير مضر بحياة الأفراد. فاذا نشأ عن الفعل موت انسان او اصابته بعاهة مستديمة عوقب الفاعل بالعقوبة المقررة لجريمة الضرب المفضي الى الموت او جريمة العاهة المستديمة حسب الأحوال.

وفي المادة ( 369) نص على ما يلي   : يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة او بغرامة ال تزيد على مائة دينار كل من تسبب بخطئه في انتشار مرض خطير مضر بحياة الأفراد. فاذا نشأ عن الفعل موت انسان او اصابته بعاهة مستديمة عوقب الفاعل بالعقوبة المقررة لجريمة القتل خطأ او جريمة الإيذاء خطأ حسب الأحوال.) وبقراءة للمواد القانونية نرى بان المادة 368 اشارت الى فرض العقوبة المقررة والمحددة بحد اعلى وهو ثلاث سنوات على كل من ارتكب عمدا ً فعلا ً من شأنه نشر مرض خطير مضر بحياة الافراد ، والفعل : هو كل تصرف جرمه القانون سواء كان ايجابيا او سلبيا كالترك او الامتناع مالم يرد نص على خلاف ذلك وحسب نص المادة (19 / 4) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل  وان هذا الفعل تم عمدا وهو توجيه الفاعل ارادته الى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً الى نتيجة الجريمة التي وقعت او اي نتيجة جرمية اخرى وحسب المادة (33) من القانون المذكور وان هذا الفعل العمدي أدى الى نشر مرض خطير مضر بحياة الافراد و المرض أو الداء أو العلة بشكل عام هو حالة غير طبيعية تصيب الجسد البشري وتؤدي الى ضعف في الوظائف الجسدية.

يستخدم هذا المصطلح أحيانا للدلالة على أي أذى جسدي وقد يشار الى المرض ( بـ اعتلال الصحة أو السقم) وقد ورد في قانون الصحة العامة تعريفا للمرض الانتقالي في المادة (44) من قانون الصحة العامة (هو المرض الناجم عن الاصابة بعامل معد او السموم المولدة عنه والذي ينتج عن انتقال ذلك العامل من المصدر الى المضيف بطريقة مباشرة او غير مباشرة ) فاذا نشأ عن هذا الفعل موت انسان او فان الفاعل يعاقب بالعقوبة المقررة لعقوبة القتل الخطأ وفق المادة 411 من قانون العقوبات والتي تصل العقوبة فيها الى الحبس والغرامة او بإحدى هاتين العقوبتين اما اذا تم اصابته بعاهة فان العقوبة المقررة ستكون العقوبة المقررة لجريمة الايذاء الخطأ والتي تصل العقوبة فيها الى مدة لا تزيد عن السنتين وفق المادة ( 416)  من قانون العقوبات اما المادة (369) فانها نصت على العقوبة المقررة على الفعل الخطأ في انتشار المرض دون ان يكون هناك قصد عمدي والجريمة غير العمدية هي التي تقع نتيجتها الجرمية بسبب خطأ الفاعل سواء كان هذا الخطأ اهمالا ً او رعونة او عدم انتباه او عدم احتياط او عدم مراعاة القوانين والانظمة والاوامر وحسب المادة (35) من قانون العقوبات وان الحد الأعلى للعقوبة مدة لا تزيد عن السنة او الغرامة ام اذا نشأ عن الخطأ موت انسان او اصابته بعاهة مستديمة فان العقوبة المقررة ستكون عقوبة جريمة القتل الخطأ او جريمة الايذاء الخطأ وحسب الاحوال لكل جريمة . وفي الظروف الحالية التي يواجه فيها العالم تحدي وبائي خطير هو فيروس كورونا الذي يفتك بالبشر دون تحديد منطقة جغرافية معينه والذي كشف ضعف القطاعات الصحية للدول المتقدمة التي صدعت رؤوسنا لسنوات عديدة بتطوراتها العلمية والطبية المذهلة الا انها كانت من الوهن بشكل كبير امام ضراوة انتشار هذا الوباء الامر الذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية (جائحة ) واتخذت اجراءات متعددة للوقاية والحد من انتشاره حتى وجدنا انفسنا امام تفعيل قوانين اعتقدنا موتها فضلا عن اهمالها واهمها قانون (نظام اجراءات الحجر الصحي رقم 12 لسنة 1978 والتي تضمنت مصطلحات قانونية اهمها الامراض الوبائية في المادة 1/5 منه ومفردات (المصاب والمشتبه به و والعزل والاصابة الاولى والكشف الطبي وغيرها من المصطلحات المستخدمة في القانون المذكور) وفي الوقت الذي تتخذ اجراءات وقائية وصحية فان النص العقابي الوارد في قانون العقوبات بحاجة الى معالجة تشريعية عاجلة لمواجهة الحالة الوبائية التي قد تؤدي الى انتشار الوباء والذي يؤدي الى موت الكثير من الافراد وهو الزام دستوري وقانوني فضلاً عن انه امر واقع بحاجة الى معالجة تحقق الردع العام.

التعليقات مغلقة.